لن يولد العنف إلا عنفاً- Hunalibya
ثنائية ”الطالب والمعلم“ article comment count is: 1

دائرة العنف المدرسي

تعتبر المراهقة أشد مراحل العمر حرجاً، وحيث أنها المرحلة التي يخرج فيها الإنسان من الطفولة باعتماده الكلّي على أبويه إلى الشباب ورغبته في اعتماده على نفسه.

فإن المراهقين يكونون متخبطون ومحتاجون لرعاية ومعاملة خاصتين، وإلا مالوا للعنف أو الانطواء أو الانحراف.

ويقضي المراهقون وقتاً طويلاً في مدارسهم مما يجعل تأثرهم بالمعلمين والأخصائيين وبزملائهم قوياً، في المقابل قد يتعرض بعض الطلبة المراهقين للعنف سواء اللفظي أو الجسدي، ويبرر بعض المدرسين هذا العنف بأنه نتيجة لجرأة وتطاول الطلبة عليهم.

تقول معلمة الثانوي انتصار محمد 35 سنة  إن بعض بنات الثانوية اللواتي تُدرّس بها بتن لا يضعن أي اعتبار للمدرس، وأن أولياء الأمور يدافعون عن أخطاء بناتهم، وتضيف بات استدعاء وليّ الأمر هاجسا مخيفاً للمدرسة.

أما الأخصائية الاجتماعية بنفس الثانوية نجاة تقول إن العنف في المدرسة يمارس من الطرفين وضد الطرفين.

تؤكد نجاة أن الضرب ممنوع، لكن العنف اللفظي والنعت بألفاظ نابية موجود وموجه من المعلمات ضد بعض الطالبات.

وتستخدم الطالبات ردّ فعل على شكل تشهير ونشر شائعات على وسائل التواصل الاجتماعيّ، مما يجعل المعلمات يتخذن رد فعل أقوى، وهكذا يدور العنف بينهما في دائرة مفرغة.

الأمر يختلف أحيانا بين مدارس الأولاد والبنات، حيث تقول المعلمة رحاب 35 سنة أن الأولاد في المدرسة يلجؤون إلى تكسير مرايا السيارات حين يتعامل معهم معلم أو معلمة بعنف.

وتقول أيضاأتعامل معهم باحترام تام، ولا أتلفظ بكلمات نابية أمامهم أناديهم بأسمائهم، وهذا يجعلهم يبادلونني الاحترام، ولا يتعرضون لي بالمضايقات“.

يؤكد عبدالكريم طرينة مدير ثانوية زهرات الوطن أنه يجب على المعلمين والمعلمات التعامل برفق وحزم مع الطلبة، لحساسية هذا العمر .

عبدالكريم طرينة مدير ثانوية زهرات الوطن

يرى المدير أن الملام الأول في ما يحدث في المدارس هو المعلم، ويقوليجب على مراقبات التربية والتعليم تنفيذ دورات تدريبية وورش عمل للجانب التربوي، الغائب عن كثير من المعلمين“.

وقد أجرى الأستاذ والباحث التهامي صوان من جامعة طرابلس عام 2019 مسحاً ضمن دراسة عن مدى انتشار العنف لدي طلاب المدارس الثانوية ببلدية جنزور.  

وبين المسح أن 54 بالمائة من الطلاب أجابوا بأن الزملاء يخافون من انتقامهم العنيف، فيما ذكر 49 بالمائة منهم أنهم يضربون بقسوة من يتشاجرون معه، وأن 45.7 منهم يتوجهون بالشتائم الجارحة لزملائهم الذين يختلفون معهم.

فيما ذكر 47.7 بالمائة منهم أنهم يفضلون السيطرة على زملائهم، كما أن 41.3 من الطلاب الذي تم اجراء المسح معهم وافقو أنهم يقدمون على تخريب ممتلكات زملائهم.

40 بالمائة من الطلاب كانوا يفضلون تهديد المعلم عندما يختلفون معه، فيما أجاب 40.7 بالمائة منهم أنهم يميلون لاتلاف سيارة المعلم أو ممتلكاته، و46.3 بالمائة قالو أنهم يستخدمون صفات ساخرة للمعلمين.

وذكر 39 بالمائة من الطلاب أنهم يقذفون المعلمين بالطباشير وهم يكتبون على السبورة، فيما يميل 48 بالمائة منهم للاشتباك مع المعلم عند الشعور بالغضب.

بعد تردي الوضع المعيشي والأمني في ليبيا ومع تتالي الحروب وأخيرا جائحة كورونا تأثرت المدرسة كمؤسسة تعليمية تربوية.

تشدد الأخصائية النفسية عائشة الحداد 27 سنة على رأي طرينة بأن وزارة التعليم ومراقباته المُلام الأول على العنف.

وعن دور مركز الدعم النفسي والذي يندرج تحته مكاتب الأخصائيين الاجتماعيين والمرشدين النفسيين والموجود هيكلياً في كل مدرسة. 

تقول عائشةأداء هذه المراكز ضعيف، بسبب عدم تفعيل دوره من قبل الوزارة، وقد أدى هذا الضعف إلى تهاوي الروابط بين أولياء الأمور والمدرسين، وضعف الخدمة التربوية في المدارس“.

من ناحية أخرى يعرف الجميع أن العنف لا يوّلد إلا العنف، ولا يحلّ أي مشكلة من المشاكل التي يتعرض لها المراهقون، كالإدمان والعنف والانحراف، لكن القليل فقط الذين يعترفون بأنهم جزء من هذه المشكلة.

ريان 15 سنة وهي طالبة في المرحلة الثانوية تروى حادثة تعنيف تعرضت لها زميلتهالا زالت أتذكر المرة التي استهزأت المعلمة بدرجة زميلتنا في الحصة أمام الفصل كله، وشتمها، ودفعها باقي الطلبة للاستهزاء بها“.

تضيف ريانعم التوتر جو الفصل، تضايقنا من الموقف، وتمنينا لو أن بإمكاننا ايصال ما شعرنا به لمسؤول ما في التعليم“.

تخبرنا ريان أن بعضا من زملائها قد كرهوا المدرسة، ما أثر في مستواهم خصوصا في المواد التي يعنفهم معلموها جسدياً  أو لفظياً.

تؤثر الإهانة بشكل واضح على نفسية المراهق، وتجعله عدوانيا أو منطويا على نفسه، وتدفعه لتعنيف غيره أو معنفيه بشكل أو بآخر، وتحت تأثير عدة عوامل من بينها عدم كفاءة المعلمين تربويا بات التعنيف في المدارس واضحاً.

تقول المرشدة النفسية بإحدى المدارس الثانوية أمال النوّال أنه يتعين على المعلمات تقريب الطالبات لهن بعض الشيءالحزم مطلوب لكن اللين ضروري أيضاً، وأن العنف لا يوّلد إلا شخصا مشوها وغير متزن“.

كذلك تشدد آمال على أهمية التواصل والتعاون بين المدرسة وأولياء الأمور، وأن السلامة النفسية للطالب أهم ما يجمع بين الأهل والمدرسة.

لا يعترف الكثير من الناس بأهمية الصحة النفسية ومتابعتها، ويلخصون دور المرشد النفسي والأخصائي الاجتماعي في المدارس بحصر الغياب وتتبع الحالات المرضية فقط.

تقول الأخصائية عائشة يجب تفعيل مراكز الدعم النفسي بالمدارس والتي لا تُجري حتى اجتماعات مع أولياء الأمور، ولا تنفذ تدريبات للتعامل مع الاضطرابات التي يمكن أن يتعرض لها المراهق جراء التعنيف.

يتذكر الطالب أسامة 14 سنة أنه وفي أول يوم له في الثانوية دخل مدرس للفصل وبات يهددهم بالضرب والشتم والإهانة وتقليص الدرجات إن صدر منهم أي شيء لا يعجبه.

ويتخذ المدرسون في العادة هذا الأسلوب كوسيلة هجوم قبل أن يضطروا للدفاع.

يغيب عن بال العديد من المدرسين أن الطلاب في هذا السن الحرج يحتاجون لصديق متفهم يبسط لهم ما يجب أن يفعلوه، ولم يعد المعنى الأساسي للمدرسة بشكلها التربوي موجوداً.

كما أن العنف يوّلد شخصيات مشوهة وغير مستقرة نفسياً، وإن كان العنف الجسدي قد تضاءل في المدارس.

إلا أن العنف اللفظي والنفسي موجود وبكثرة، ويحتاج المراهقون في هذه السن إلى تفهم ما يمرون به من تقلبات تجعلهم يظهرون على شكل قد لا يعجب الكبار.

ويشدد أخصائيو علم النفس والاجتماع والتربية على أهمية السلامة النفسية التي لن تكون موجودة في بيئة تقوم بتعنيفهم.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)