العنف الأسري موضوع شائك يصعب الخوض فيه داخل مجتمعنا ولكن لا بُدّ من وقفة جادة ضده - Huna Libya
التسلّط على الأخوات article comment count is: 2

العنف الأسري؛ ضحايا.. هاربات.. ناجيات، يضعن له حدود صارمة

تكمن معضلة الأسرة غالبا، في التسلّط الأسري الذي تخلقه العديد من المسبّبات، أهمها: التوجّه إلى انتهاج الطرق التقليدية لتنشئة وتربية الأبناء، والتي تعطي الذكر -بغضّ النظر عن سِنّه ونضوجه- الأحقيّة في تسيير الأمور داخل الأسرة، والتحكّم في خيارات أفرادها وسلب حقوقهم.

ما يجعل التسلط هنا تسلطا ذكوريّا بحتا، يُمارَس على المرأة دون مساءلة أو محاسبة، والذي ينعكس في نهاية المطاف على شكل عنف أسري اتجاه الزوجة والأخت والابنة وقد يصل إلى الأم أحياناً.

تختلف أشكال العنف الأسري ولكنّه لا يختلف في وقع تأثيره على المعنَّفة؛ سواء جسدياً أو نفسياً، إلا أنّه يُنتج قصصاً مختلفة.

في هذا التقرير سوف نطرح لكم قصص نساء تعرّضن للعنف من قبل أشقائهنّ، وما الأسباب وراء ذلك؟ وما ترتب عليه؟ كلٌّ حسب بيئتها ومحيطها.

ضحايا العنف الأسري

ذكورية الأم: هي السبب

” أمي هي السبب” تقول صفاء (اسم مستعار، 23 عاما) خرّيجة بكالوريوس إدارة أعمال. وتضيف:

“بطبيعة عمل أبي في الحقول النفطية، كانت أمّي هي المسؤولة عن تربيتنا في غيابه كما في حضوره، وكان أخوتها يجرّون تسلّطهم من بيت أبيها إلى بيتنا، ولكن هذه المرة ليس عليها فقط، بل علينا كبناتها أيضا. الأمر الذي جعل من أخوتي الشباب يرون هذا التسلط الذكوري أمرا طبيعيا، وأمي لم تفعل شيئا لمنعه، بل سعت إلى تمكينه أكثر”

بينما تقول أختها الأكبر سناً ليلى (اسم مستعار، 37 عاما) أستاذة في كلية الآداب:

“في صغري، سجّلتُ في الكشّافة، مشيت يوم واحد بس، بعدها خوالي قالوا لا رغم موافقة أمي“.

وتوضح ليلى ببساطة شديدة، أن أمّها كانت تبحث عن رجل للبيت في غياب أبيها؛ نظراً لطبيعة المجتمع المحيط بها. ففي البداية “كان إخوتها، ومن ثم سلمت هذه المهمة لأشقائي، وصارت أمّي فيما بعد تخافهم هي الأخرى

نلاحظ من خلال شهادات الأختين، أن انتماء المرأة للسلطة الأبوية وتبنّيها للقيم الذكورية طواعيةً أو خوفا أو حتى هربا من مواجهة الحقيقة، يجعل منها أمّا ترسخ قواعد العنف داخل بيتها.

فتاة جالسة على حائط ضامة رجليها وواضعة يديها على وجهها، وبجانيها قطة - ضحايا العنف الأسري
وتبقى غالب قصص ضحايا العنف الأسري مدفونة، ولم تُسمَع بعد – تصوير: أنهار جابر

لا مبرّر للعنف سوى أنني امرأة

تتعرّض الأختان (ليلى وصفاء) وهما انموذج وحسب من ضحايا العنف الأسري؛ إلى جميع أنواع العنف جسديّا ونفسيّا وما بينهما، فلا يكاد يخلو يومٌ واحد – حسب قولهما – من دون التعرّض للشتم والضرب المبرّح، وإن مرّ يوم من غير ذلك فهو يومٌ يصفانِهِ بـ”غير الطبيعي”.

إضافة إلى أنهنّ حبيسات داخل المنزل وغير مسموح لهنّ بالخروج منه؛ إلا عند الضرورة. مع العلم أن والدهما هو المسؤول الوحيد عن الخروج بهن. وحتى داخل المنزل لا يمتلكن أيَّ نوع من الخصوصية فكل أبوابه، بما فيها باب غرفة نومهنّ، تم أخد مفاتيحها من قبل أخوتهن.

تقول ليلى في اليوم الذي عثر فيه أخي على موبايل بحوزتي، اشتريته بعلم أبي وأمي وموافقتهما، تعرّضت للضرب بـ”السوط” من قبله، وتمّ مصادرته مني، رغم أنني كنتُ في أمسّ الحاجة له؛ نظراً لطبيعة عملي خارج المنزل.

وبنبرة تملؤها الحسرة تتابع “رغم أنني أكبر منه سناً” لتُرينا بعدها الندبات التي خلّفتها آثار الضرب على سائر جسدها؛ ندبة في الفم نتيجة رميها على الجدار، وندبة أخرى على الساق نتيجة طعنها بالسكين.

ضحايا العنف الأسري
تصوير: أنهار جابر

مرة رفع عليّ مسدس، بس لأنّ الفطور الذي قمتُ بتجهيزه له كان ينقصه شيء واحد فقط” تقول ليلى موضحة أنه لا وجود لسبب مقنع لكل هذا التعنيف الذي تتعرّض له، لدرجة أن أغلبها لا يعتبر سببا من الأساس.

وعند سؤالها عن عملها، وكيف لم يتمكّن أخوتها من منعها منه؟

أخبرتنا أنها حاربت، ومازالت تحارب، من أجل حقها في العمل كونه الحق الوحيد الذي مازالت تمتلكه، وهو ما يشعرها أنّها لازالت على قيد الحياة.

ولا تخفي القول بأن كل صباح تتعرّض للتعنيف اللفظي قبل الذهاب إلى عملها، وقد يطلب أحد إخوتها منها القيام بتغيير ملابسها في آخر لحظة، لا لشي ومن دون سبب، إذ توضّح قائلة: “نغير في الجلباب بجلباب أخر لا غير” نظراً لكونها ترتدي هذا اللباس عن قناعة منها.

ما يدفعنا للتساؤل بدورنا لماذا تتعرض للتعنيف؟ ليكون الجواب واضحاً: أن الأخ هنا يمارس العنف من أجل التسلّط لا أكثر.

رجل يمسك عصا وهناك فتاة على الأرض يدها على رأسها - ضحايا العنف الأسري
تصوير: أنهار جابر

لا مفرّ من العنف

بينما تردّد ليلى “ما فيش حل، المشكلة مشكلة مجتمع بأكمله ما حد يوقف معاك” توضح أختها صفاء أنها حاولت بالفعل إيجاد حلّ لهذا العنف، ولكن كلّ محاولاتها باءت بالفشل.

“آخر مرّة تعرّضت للضرب المبرّح دخلت على أثره للمستشفى، سيّبت الحوش ومشيت لحوش عمّي كحلّ مؤقت وتردّد: كان أبي حاضراً هذه المرة، وحاول جاهداً أن يمنع أخي، ولكنه تعرض للدفع والضرب أيضاً.

بقيت صفاء بعد هذه الحادثة في بيت عمها المتوفّى، مدّة 4 أشهر مع أسرته، حاولت خلالهم التواصل مع أي طرف تظنّ أنه قد يتمكن من وضع حلّ لمشكلتها؛ وصولاً إلى شيخ قبيلتها الذي اعترض قائلاً:

” هذا موضوع كبير أنا لا أتدخّل به”

ويجدر بنا التنويه هنا، أن شيوخ القبائل كما هو معروف، لا تردّد عندهم أبداً في الوقوف إلى جانب القتلة، والشباب الذين يفتعلون المشاكل بين العائلات والقبائل الأخرى، وإخراجهم من السجون، مقابل دفع الأموال من صندوق القبيلة للمتضرّرين. ولكن أمر فتاة تتعرّض للضرب والأذى على يد أخوتها؛ هو أمر خارجٌ عن حُكمهم وحِكمتهم.

لم تفكّر صفاء بعدها إلا في الهرب كحلّ دائم، وهذا ما قالته لأبيها عندما عرضت عليه القيام بالإبلاغ عن شقيقها لأحد مراكز الشرطة للحدّ من العنف، الذي فشل هو كأب في وضع حد له، أو طرده خارج المنزل، بعد أن أجابها:

“شن يقولوا عليّ الناس لمّا نلزّ ولدي”

لتردّ صفاء “وشن يقولوا عليك الناس لما نهرب أنا من الحوش” ولكن، تتردّد صفاء وأختها في القيام بهذه الخطوة، نظراً لصعوبتها، وأنه لا مفر داخل ليبيا، إضافة إلى أن نظرة المجتمع للمرأة الهاربة من العنف الأسري تشوبها الشبه والاتهامات الباطلة.

أم تتحدث مع ولدها،
تصوير: أنهار جابر

ناجية تقف في وجه ابنها

تستغرق المُعنَّفة وقتاً لتتعافى من الآثار النفسية للعنف ووقتاً أطول حتى تتمكّن من الوقوف في وجه العنف ووضع حدود له، وقد يحدث ذلك في وجه جيل آخر من المُعنِّفين لتساعد مُعنَّفاتٍ غيرها.

“تعرّضتُ للضرب مرة واحدة من أخي, طبعاً لما ماما تقعد قاعدة ما يقدرش يمد يده ولكن في مرة كنت معاه بروحي في البيت وضربني عشان كنت نبي نطلع مع صاحباتي ولكنني أصريت على الخروج”

تقول (ف.د) 25 سنة، خرّيجة بكالوريوس علوم سياسية، وناشطة داخل منظمات المجتمع المدني، وتشاركنا قصّتها لتوضّح في البداية أنّ أمّها عانت كثيرا من العنف الأسري المُمارس عليها من قبل أخوتها فلقد تعرّضت للضرب منهم وتمّ إجبارها على الزواج وحتى بعد أن قرّرت الطلاق، وتمّ ذلك، تعرّضت للضرب لهذا السبب.

وتتابع قائلة: “خوي كيف أي رجل ليبي غير واعي، بمجرّد ما يسمع حاجة يحاول يطبقها علينا، في البداية كان استعمال الإنترنت وكلّ مرة حاجة جديدة. رغم أن هو مش متعصّب ويدير في كلّ حاجة لكن نحن كبنات، لا! مش مسموح لنا

تشدّد (ف.د) أن والدتها تمنع أخاها من ممارسة التسلط والعنف عليها، حتى تستطيع أن تمارس حياتها بكامل حريّتها وفقا لاختياراتها الشخصية، وأنّ أخاها بفضل أمّها، غير قادر على فرض أي شيء يخصّها، رغم محاولاته العديدة للتدخّل في تصرفاتها وملابسها وتهديدها بإلحاق ضرر بسيارتها الخاصة في حال الخروج.

امرأة تقرأ جالسة على الأرض وهي تقرأ وحولها أوراق، وعلى رجلها آثار ضرب
تصوير: أنهار جابر

نلاحظ أن التجربة التي خاضتها والدة (ف.د) وتحوّلت عبرها من ضحية عنف إلى ناجية، ساعدتها في التصدّي للعنف ومساندة ابنتها ودعمها داخل الأسرة وخارجها، والتي بدورها تستمدّ قوتها منها كناجية من عنف عانت منه طويلاً.

وهذه التجربة يجب أن تكون مثالاً تضعه كل مُعنّفة اليوم أمام عينيها، وأن الأمل في التغلّب على العنف الأسري بطريقة أو بأخرى دائماً موجود، وقد يحدث ذلك في أي لحظة، وعبر أيّ جيل.

خاتمة

يظلّ العنف الأسري موضوعاً شائكاً يصعب الخوض فيه ومناقشته داخل مجتمعنا، وتظل ضحايا العنف الأسري كثيرة وغالب قصصه مدفونة. ولكننا نحاول تسليط الضوء عليه، حتى يرى الناس بشاعته وقسوته لعلنا نتمكّن فيما بعد من مناهضته كما يجب، دون إلقاء اللوم على الضحايا أو اعتباره شأنا خاصّا بالأسرة ولا يحق لنا التدخل فيه أو منعه.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (2)

  1. اختي الفاضلة نعمة بعض الناس يعتقدون ان الدين الإسلامي والمسيحي واليهودي توجر بهم وشوه من قبل من يستغلهم لماربه ولكن للأسف ليس الدين وحده اختي الفاضلة فالعادات والتقاليد شوهت وتوجر بها لمارب بعض الناس المتسترين بها والاشتراكية توجربها على يد أمثال ستالين وايتام اليسار الطفولي في الجبهة الشعبية لايتام حبش بينما الانقياء أمثال تروتسكي والشهيد ناهض حتر صاروا نسيا منسيا والطب كذلك توجر به من قبل الطب الامبريالي وفقد هدفه الإنساني النبيل فيا اختي الغالية نعمة م من أشياء جميلة كانت حلما في حياتنا حولت من قبل بعض البشر والجهلة الى سراب يحسبه الظمان ماء وماض وذكريات