العنف الأسري سيبقى جاثما على أنفاسنا، وعلينا الاعتراف الكامل بوجوده ومواجهة كم هائل من ميراث مسكوت عنه - Huna Libya
#حوش_آمن_مجتمع_آمن article comment count is: 4

العنف الأسري؛ عنف ضد الفئات الأضعف

عندما نتحدّث عن العنف، فإنّه لا بُدّ لنا من الوقوف أولا لتعريفه بشكل عام. فالعنف: هو استخدام القوّة؛ مادية كانت أو معنوية، بشكل عدواني؛ لإلحاق الضرر.

ومن هنا، يتّضح لنا أنّه يُمكن أن يكون للعنف أوجه متعددة، ولا يقتصر فقط على نوع أو مجموعة معينة، وإن كانت ضحاياه غالبا هم الفئات الأضعف في المجتمع. فهناك عنف جسدي وهناك عنف معنوي، ولكلٍّ منهما ظروفٌ مختلفة ومتغيّرة، بتغيّر الفاعل والمفعول به.

السيء في الأمر، أنّ العنفَ يمكن أن يكون جزءً من منظومة متكاملة تتداخل فيها الدولة والسلطة مع المجتمع والفرد، إلى جانب عوامل ثقافية واجتماعية مختلفة.

طفل منكمش خائفا تحت كنبة - عنف ضد الفئات الأضعف

أما من زاوية أخرى، فالعنف في جانبه النفسيّ هو عملية لها فكّان؛ ذهني وسلوكي.

يتمحور الجانب الذهني في مجمله على عمليات التأثير، والتربية، والتنشئة، حتى يصبح جزءً من وعي المجتمع، ويضعه في سياق المتعارف عليه والمقبول اجتماعيا. خصوصاً إذا تبنّته متلازمة الدين والتاريخ.

وبالتالي؛ فإنّ ذهنية الفرد، حتى في معزل عن جماعته، هي رهينة الثقافة التي تتملّكها وتدعمها بالحجة والبرهان. بينما ينفرد الجانب السلوكي في الثقافة المكتسبة والانفراد بعنصر القوة.

ما نريد الإشارة إليه ببساطة، أن العنف في المجتمعات الإنسانية بشكل عام، ومجتمعاتنا “الشرق أوسطية” بشكل خاصّ؛ ليس مجرد عملية سلوكية أو ذهنية تاريخية فحسب، بل هي أزمة متعدّدة الأبعاد والأصول.

وممّا يجعل هذه الأزمة أكثر تعقيداً، أنّها مُحصّنة بنظام أبوي مجتمعي وهو الذي يمنحها بشكل معقد شرعية يُمنع التشكيك فيها. بمعنى أدق، هي عمليّة ممنهجة، بتقسيمات داخلية أصوليّة، تعتمد على نصوص فوق مجتمعية.

رجل يشدّ شعر زوجته، بينما ابنتهم تبكي حاضنة دبدوبها - عنف ضد الفئات الأضعف

العنف الأسري نسبة إلى الأسرة، وهي أقدم وأصغر مظلّة اجتماعية؛ كان ولازال أقدم عنف عرفه الإنسان.

فدينيا كانت أولى صوره في قتل قابيل لأخيه، وميثولوجيّاً كان في صراع الآلهة الأخوات. أما في سياق علمي أحفوري كان تعنيف الرجل للمرأة لضمّها إلى مِلكيّته هي من أوائل معالم العنف الأسري.

وعلى الرغم من قِدم العنف الأسري ومعرفة الجميع به؛ إلا أنه يحظى دائما بستار التبرير الذي ظلّ غلافاً يتطوّر بتطور التاريخ. هذا الغلاف السميك، الذي شكّلته شرعيّة مجتمعية جعلت منه -أي العنف داخل الأسرة الواحدة، والممارس من أحد أفرادها على فرد آخر- بلا أدنى شك، أهم أسباب العنف خارج الأسرة؛ كولادة طبيعية تطبّق خارجها.

كشف استطلاع للرأي لموقع “الباروميتر العربي” أنّ ربع الأسر في بعض الدول ينتشر فيها العنف، والذي يشمل استعمال العنف من قبل أحد أفراد الأسرة تجاه آخر، ولا يشمل العنف ضدّ الأطفال بحجة التأديب أو العقاب!

ووفقا للاستطلاع؛ فقد أفاد نحو 25٪ من المشاركين في الاستطلاع، من اليمن والمغرب ومصر والسودان، بانتشار العنف في الأسر، فيما تقلّ هذه النسبة في لبنان وتونس والأردن وليبيا.

امرأة تجلس واضعة يديها على رأسها وتغطي وجهها، بينما تظهر صور يد درجل مقبوضة

وعن ليبيا، أوضح استطلاع “الباروميتر العربي” أنّ نحو 7٪ فقط من الأسر؛ يُعانون من العنف الأسري. وهذا ما أظنه قد يكون بعيدا كل البعد عن الحقيقة. إذ أشارت وبشكل واضح إحصائيات أخرى عكس ذلك؛ والتي تتعلّق بالعنف الواقع على أحد أفراد الأسرة؛ وهي المرأة.

فعلى سبيل المثال؛ تشير التقديرات العالمية التي نشرت من قبل منظمة الصحة العالمية أنّ واحدة من كل 3 نساء (35%) في أنحاء العالم كافة، يتعرضن في حياتهن للعنف على يد شركائهن الحميمين، أو للعنف الجنسي على يد غير الشركاء. ويتعرّضن أيضا لعنف جسدي أو جنسي لمرّة واحدة في حياتهن على الأقلّ.

وهذه الإحصائيات وغيرها، تشير بوضوح أنّ النّسبة المذكورة في استطلاع “الباروميتر العربي” غير دقيقة. وفي ظلّ غياب إحصائيات محليّة توثّق جميع الحالات؛ يكون الحديث عن نسبة انتشار العنف الأسري في ليبيا مفتوحا.

أيضا، في ظلّ غياب قانون منصف، وسلطة لتنفيذه، يكون ميزان العرف هو الحاكم في العلاقات الإنسانية والاجتماعيّة. بين الذكر والأنثى، وفي الغالب ترجِّح كفة ذاك الميزان صالح الرجل.

وعودا على بدء؛ يُمكننا القول إنّ من أهم أشكال العنف داخل الأسرة:

  • العنف المتبادل بين الأزواج (عنف الزوج ضدّ زوجته أو الزوجة ضدّ زوجها)
  • عنف الآباء على الأولاد (تعنيف الأبناء والبنات بهدف التربية)
  • العنف الممارس على كبار السن.
  • عنف الأخوة والتنمر داخل الأسرة.

طفلة تظهر فجِعة، بينما تظهر ظلال والديها يتشاجران

لو نظرنا إلى الشكل الأوّل (عنف الشريك الحميم/الأزواج) ربّما يتعجّب البعض، من وجود عنف متبادل بين الأزواج.

فما جرت عليه العادة هو عنف الزوج بكلّ مظاهره وآثاره الماديّة والمعنوية على الزوجة، وهو الأكثر انتشارا واشتهارا وهيكلة بلا شكّ. وقد باتت تلك المظاهر معروفة ومرصودة وتعجز بعض المجتمعات “الشرقيّة” وخاصة العربية منها، عن إيجاد حلّ لها، حتى في وجود تشريعات تنص على حقوق المرأة.

ولكن، قد ينتج عن ذلك، ردة فعل عنيفة من الزوجة على الزوج وهي التهميش (لعلّه أثرٌ نفسي بضياع التبعية الفطرية، وظهور ندية مفرطة) كذلك ازدياد ترابطها بأسرتها الأولى، كصمّام أمان اجتماعي لها. ورغم كل ذلك، يظل التركيز التقليدي على عنف الأزواج الذكور ولا يجرؤ أحد على الاعتراف بعنف الزوجات.

وبخصوص العنف ضدّ الزوجة، في السياق المحلّي؛ جاء في التقرير الأولّي لنتائج المسح الوطني الليبي لصحّة الأسرة 2014 أن (8.2%) من النساء، تعرّضن لنوع من أنواع العنف الأسري، بينهن (79%) كان نوع العنف لفظيّا.

وحسب التقرير فقد “أشارت النساء إلى أن المصدر الرئيسي لهذا النوع من الإيذاء (اللفظي) هو الزوج، حيث أن أكثر من نصفهن تعرضن للإيذاء من الزوج.”

أمّا إذا انتقلنا إلى الحديث عن الشكل الثاني (وهو عنف الآباء على أولادهم؛ ذكورا وإناثا) والذي يبرّر غالبا بداعي التربية؛ فإنّ السلطة والصلاحية الممنوحة للآباء تجعلهم في موقف تسلّط.

هذا الموقف، يجعلهم يوقعون عنفا جسديا بالضرب، ونفسيّا بالتسلّط وعدم الثقة وكسر الإرادة، ولو من غير قصد. يرجّح بعض الدارسين، أن الآباء ذاتهم تعرضوا لعنف أسري ترسّبت آثاره السلبية في نفوسهم؛ فانعكست في تصرّفاتهم مع أبنائهم رغما عنهم.

امرأة كبيرة السنّ تضع يديها أمام وجهها، محاولة لحماية نفسها - الفئات الأضعف
العنف ضد الفئات الأضعف

وبما أن العنف كان دائما وأبدا، شكلا من أشكال التعدّي على الفئات الأضعف واستغلال ضعفها، أيّا كان سبب ذلك؛ خللا في التربية والتوعية أو استغلالا لموقف السلطة أو حالة عصبية مؤقتة (في نظر على المعتدي) فقد كان من الطبيعي جدّا أن يكون هناك عنف موجّه ضد كبار السن سواء كان رجلا أو امرأة، ضمن نطاق الأسرة.

للأسف، هذا الشّكل من العنف الأسري (الموجّه ضدّ كبار السنّ) مهمّشٌ تماما إعلاميّا، وغائبٌ عن اهتمامات وساحات حقوق الإنسان الحكومية وغير الحكومية، والعمل المدنيّ والتطوّعي والحقل الاجتماعيّ. بل لعلّ البعض سوف يُنكر وجوده، أو يرون بعض مظاهره لا تعدّ عنفا بالأساس.

كم من حالاتٍ انتشرت على صفحات منصّات التواصل الاجتماعي؛ تظهر مسنّين ألقى بهم أبناؤهم على قارعة الطريق، أو في دور العجزة.

ولكن ليس هذا فقط، مظهر من مظاهر العنف ضدّ كبار السنّ إحد الفئات الأضعف في المجتمع؛ بل حتى أولئك المسنّون الذين يعيشون مع أولادهم، يعانون عنفا أسريّا نفسيّا وعاطفيّا، كبقاء أحدهم مُهمَلا مهمَّشا، جالسا وحيدا في ركن الغرفة، بعيدا عن الحديث والمشاركة، على سبيل المثال.

خاتمة

نحتاج الكثير من التحليل والنقد والسرد؛ لكي يمكننا طيّ صفحة العنف بأنواعه وصروفه. ويبقى العنف الأسري، مثالا لا غير عليه، وليس حصرا، ملفٌّ جاثمٌ على أنفاسنا، ولن يتزحزح إلا باعترافنا الكامل بوجوده ومواجهة ذاك الكمّ الهائل من الميراث المسكوت عنه.

 

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (4)

  1. العادات والتقاليد والدين والاشتراكية العلمية والطب أشياء نبيلة وقيمة وخلاقة ولكن تجارها ومن يستغلها حولوها الى كوابيس بعد ان كانت أحلام جميلة

  2. طرح ممتاز ..اجتماعي في إطار علمي …
    والعنف تم طرحه من كتاب أصحاب أقلام اجتماعية ولكن لم يكن بهذا الإطار العلمي …
    فالمشكلة الاجتماعية كلما اتخذت إطار عمليا علميا سهل علاجها وإيجاد الحل لها…
    نتمنى أن تكون النظرة إلى العنف بعد هذا الطرح ذات جدوى
    …دعاؤنا لكم بالتوفيق .

  3. طرح ممتاز ..اجتماعي في إطار علمي …
    والعنف تم طرحه من كتاب أصحاب أقلام اجتماعية ولكن لم يكن بهذا الإطار العلمي …
    فالمشكلة الاجتماعية كلما اتخذت إطارا عمليا علميا سهل علاجها وإيجاد الحل لها…
    نتمنى أن تكون النظرة إلى العنف بعد هذا الطرح ذات جدوى
    …دعاؤنا لكم بالتوفيق .