مظاهر التمييز الجندري في ليبيا ليست حالات فردية، بل هي انعكاس عن هيكليّة اجتماعيّة تفضّل جنسا فوق آخر - Huna Libya
لا عدل بلا مساواة article comment count is: 4

مظاهر من التمييز الجندري في المجتمع الليبي

قد يبدو مصطلح “التمييز الجندري” غريبا على القارئ، خصوصا وأنّ كلمة “جندر” مُعرّبة (غير عربّية الأصل) ومقابلها في اللغة العربيّة “النوع الاجتماعي” غير مشهور، ومحدود الاستعمالات.

وقد تعمّدتُ استخدام المصطلح في عنوان المقال وثناياه، كون “التمييز الجندري” أصبح اسما مشتهرا، ومعتمدا في كثير من الأدبيّات، ومبحثا كاملا لقضايا التمييز، ولا يمكننا الاستمرار في العيش خارج التاريخ.

ومهما يكن من جدل في تحديد المصطلح؛ فإنّ مفهومه ومضمونه موجود فعلا في مجتمعنا، وقد يمارسه قارئ هذه الكلمات، سواء بوعي أم بجهل. وسنوضّح في هذا المقال، تعريف التمييز الجندري، مع شيء من مظاهره في ليبيا؛ خاصّة داخل مؤسّسة الأسرة ونطاق العمل.

المساواة بين الجنسين - التمييز الجندري

التمييز الجندري: ما الذي يعنيه؟ وكيف يحدث؟

سبق لنا في مقال على منصّة «هنا ليبيا» توضيح معنى الجندر (Gender) والفروقات بينه وبين الجنس (Sex).

جاء فيه: “إنّ مفهوم النوع الاجتماعي (الجندر) متعلّق – بالدرجة الأولى – بالأدوار الاجتماعيّة للذكر والأنثى في المجتمع، وكيف تنظر لهما الثقافة المحلية. بمعنى: هي الفروقات التي يشكّلها المجتمع بين الجنسين، وما الذي يسمح به وما الذي يمنعه، لكلّ منهما.”

أيّ أنّ الجندر مختصّ بوصف الاختلافات غير البيولوجيّة بين الجنسين. وكلمة (اجتماعي) هي المدخل لمفهوم الجندر. أي أنّ النوع الاجتماعي مرتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمع وأعرافه وتقاليده وكيف ينظر إلى الذكر والأنثى. لذلك تمّ ترجمة كلمة Gender في الإنجليزيّة، إلى نوع اجتماعي.

أمّا التمييز الجندري فيُقصد منه تحيّز المجتمع (بأفراده، ونظامه الاجتماعي، وظلال ذلك على القوانين والتشريعات) ضد جنسٍ معيّن، واعتباره أصلا، وحاكما، ومتفوّقا، فقط باعتبار جنسه (انعكس هذا التحيّز على ذكوريّة اللغة نفسها) ما يؤدي إلى انعدام المساواة بينهما حقوقيّا واجتماعيّا؛ في الفرص والموارد والمشاركة السياسية والاجتماعيّة.

العنف ضدّ المرأة

ورغم أنّ المصطلح (التمييز الجندري) يشمل الجنسين، الإناث والذكور؛ إلا أنّ غالب مظاهره تقع على الأنثى، كون التمييز في أساسه متفرّع من نظام أبويّ (Patriarchy) “يمتلك فيه الرجل السلطات العليا والأساسيّة في المجتمع”.

كما يرى في الأنثى كائنا غير مستقلّ، ناقص الأهليّة، غير قادرة على اتّخاذ القرار بشكل كامل، وتحتاج دائما إلى وصاية، من يوم ولادتها وحتى وفاتها (عائليّة/زوجيّة/قبليّة…إلخ).

ومن مظاهر اعتبار الذكر أصلا (النظام الأبويّ) في ليبيا، وتمييز الرجل عن المرأة؛ حصول الطفل على جنسيّة أبيه بالولادة بغضّ النظر عن جنسيّة أمّه، بينما لا يتيح القانون الليبيّ الشيء نفسه للمرأة في حال كان زوجها غير ليبيّ (حرمان أبناء المرأة الليبيّة المتزوّجة من الأجنبي “غير الليبيّ” من الجنسيّة).

امرأة تحمل بين يديها أكواما من الملابس - التمييز الجندري

التمييز الجندري داخل الأسرة:

من أكثر مظاهر التمييز داخل مؤسّسة الأسرة تنميط الأدوار المنزليّة بين الجنسين، حسب المعيار الاجتماعيّ السائد، بشكل لا يُسمح تناوب الأدوار إلا من باب تفضّل الرجل لا من باب الإلزام. ومن أمثلة ذلك:

  • اعتبار تربية الأولاد وظيفة حصريّة للأم، تقوم بها أساسا، إكمالا لوظيفتها الإنجابيّة. وإهمال أساسيّات التربية المشتركة.
  • النظر إلى الأدوار المنزلية كعمل أساسي وطبيعي للمرأة، ولا يقوم به الرجل إلا امتنانا. مثل: الطبخ، والتنظيف، والغسل. وقد يؤثر هذا التنميط الجندريّ (Gender Stereotyping) على مستقبل المرأة ووجودها ككيان مستقل خارج الأسرة، كونها قد تضطرّ للتضحية بطموحها، عملها أو نشاطاتها غير المنزليّة على حساب دورها المنزليّ الإجباريّ.
  • اعتبار المرأة غنيمة للرجل أو متاعه: وإهمال رضاها عن الأفعال المطلوبة منها، فقد تُجبر عليها، حتى ولو كانت الأفعال في إطار قانوني شرعيّ مجتمعيّا. مثل الممارسة الحميميّة الزوجيّة دون رضاها.

تنميط الأدوار المنزلية - التمييز الجندري

التمييز الجندري في العمل

لا يوجد أدلّ على هذا التمييز من اعتبار شريحة كبيرة في المجتمع الليبيّ، عمل المرأة ليسَ حقّا أصيلا لها! مثل الرجل.

وأنّ المرأة مكانها بيتها ووظيفتها المثاليّة تربية الأولاد والاعتناء بالزوج وتلبية رغباته وطلباته! وأنّها غير مطالبة أصلا بالعمل! ولا حاجة لها به؛ لأنّها ليست المسؤول عن الإعالة والإعانة، بل هي وظيفة الرجل. إضافة إلى تصوّرات مغلوطة عديدة حول الوظائف التي تناسب المرأة والتي لا تناسبها!

امرأة عاملة، تمسك أوراقا وكوب قهوة، مكمّمة الفم - التمييز الجندري

ومن مظاهر التمييز الجندري ضدّ المرأة في العمل:

  • حرمان المرأة من العمل بعد زواجها (تصل إلى حدّ الإجبار، بشكل مباشر أو غير مباشر) واستعداد الأهل التضحية بذلك، باعتبار نظرتهم للزواج الغاية القصوى لبناتها.
  • عدم الاعتماد على المرأة في العمل (المستقبل المهنيّ المشكوك فيه): حيث تضع الصور النمطيّة لدور المرأة في المجتمع، هاجسَ توقفها عن المهنة (بعد الزواج/ضغوط أسريّة/بعد الإنجاب) ما يؤدّي تقزيم دورها المهنيّ وطموحها، وعدم ترقّيها أو اعتماد أرباب العمل عليها.
  • غياب البيئة الآمنة والداعمة للمرأة في أماكن العمل: وأبرز مظاهره “التحرّش في مكان العمل” بتصرّفات ومضايقات متعمّدة أو غير متعمّدة (مغازلات، مجاملات، وأكثر) دون وجود آليّات واضحة للحدّ منه. بشكل يجبر المرأة على ترك العمل مضطرّة أو قبوله على كُره مع حذر أشدّ.
  • الوظائف النمطيّة: وذلك بحشر المرأة وتفضيلها في وظائف معيّنة، ما يؤدّي إلى عدم تكافؤ في الفرص، فلا يعرض/يفضّل سوق العمل، للمرأة وظائف تعادل الرجل. مثل: معلّمة، ممرّضة، وظائف مكتبيّة، ومبيعات، واستبعادها في الوظائف القياديّة، في القطاعين الحكومي وغير الحكومي. إضافة إلى تقييدات حول مظهرها ولباسها.

ومن صور الإمعان في التنميط الجندريّ في ليبيا، وصل الأمر إلى تقديم البعض دعوى لعدم دستوريّة تولّي المرأة القضاء (2013) لـ”تطهير القضاء من إناثه” ولاقت الدعوى ترحيبا ودعما كبيرا، ولا تزال معلّقة حتى اليوم.

  • عدم المساواة في الأجور: للمرأة مقابل الرجل، للقيام بالعمل نفسه. تكون هذه الظاهرة أكثر جلاءً في القطاع الخاصّ، حيث يتمّ تفضيل الذكور، وإعطائهم راتبا أعلى (راتب المعلّم الذكر/الصيدلاني الذكر، مثلا، في العديد من الأماكن، يفوق راتب الأنثى).

خرافة شائعة حول المرأة والمناصب القيادية

خاتمة

مظاهر التمييز الجندري في ليبيا ليست حالات منفردة، بل هي انعكاس عن هيكليّة اجتماعيّة ونظام أبويّ يفضّل جنسا فوق آخر، ويعطي له امتياز التفوق بغضّ النظر عن القدرات والكفاءات والخبرات.

هذا النظام الأبويّ، ألقى بظلاله على القوانين والتشريعات المحليّة، ما جعلها قائمة على التمييز الجندري ومنافية للمساواة (التي تنصّ عليها قوانين أخرى ووثائق دستوريّة).

مثل: مادة 375 عقوبات ليبيّ (القتل أو الإيذاء للمرأة حِفظا للعرض والشرف تخفّف العقوبة على الذكر أو ترفع) ومادّة 424 عقوبات ليبيّ (سقوط الجريمة أو وقف تنفيذ العقوبة على المغتصب في حال زواجه من الضحيّة).

هذه القوانين تحتاج تعديلا فوريّا وتدخلا حقوقيّا، بما ينسجم مع حقوق الإنسان وحفظ الكرامة الإنسانيّة.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (4)

  1. أتذكر تلك الفترة من عمري وأنا صغيرة عندما طعرطت لتنمر من أبي بسبب أنني كنت أرتدي قميص احمر وكان الأوان تميز بين الجنسين بين المرأة والرجل وإلى الآن لازالت اتعرط للعنف الأسري والتنمر و يعمل في أخواتي وكانهون حشرات ابنت خلتي طعرطت لطرب و منعت من الطعام بسبب أنه قمت بقص شعره وقم ابه بتهديده إن قم مرت اخر بقص شعره فسوف يقوم بتطلق امه أنا اعش مع خلتي وأخواتي وأخي وابنا وبنات خالتي وزوج خالتي وأبي لقد منعت خالتي وأمي من الميراث لكونهن نساء فقط من دون أخ والآن منهت أنا وأخواتي من الميراث وأبي شخص سيئ يقوم دائما بطربنا و يهدد امي انها سوف يتزوج عليه وبسببه كرهت الزواج لقد طعرطت للتحرش الجنس بسببه هو يعمل في حالا أنه شخص متدين وناس امصدك أنا شخص جيد أني رات لم كان يتفرج على أشياء إباحية وهو يرفص أن انكملو تعليمنا ولا يريد من أخواتي أنهن يقودن السيار والمشكلة أن في من عائلتي امعه

  2. عندما أقرأ الكتب يقولون لي أنه لن تنفعن في شيء وعندما أشاهد التلفزيون يقولون لي أنه لن ينفعن في شيء يريدون اجبارن على الزواج و انجاب الأطفال عندما افعل أي شيء أريد يقولون لي لا في بعض الأحيان افكر في الهرب من المنزل و ان اذهب الى تركيا ولكن لا استطيع من أجل عائلتي و من أجل أن أحقق أحلامي وطماحت وامالي في بلاي ليبيا

  3. الأمر في محتمعنا بالفعل يأخذ نمطا مغايرا لما ينبغي أن يكون عليه الأمر دينيا، وعقليا، وأقصد في معاملة الأنثى، لكن الأسباب تحتاح إلى سبر، فكثير من السلوكيات التمييزية بين الجنسين له ما يبرره، وكثير من السلوكيات قظ تضع المرأة في مركز متميز عن الرجل، وأن عدها سلوكيات عنصرية قد ينحدر بالمجتمع إلى مرحلة تجد المرأة فيها نفسها دون أي حماية.