العنف القائم على النوع الاجتماعي يتجلّى في أوضح صوره في اضطهاد النساء في الاقتصاد غير الرسميّ - Huna Libya
بين الضرورة الاستغلال article comment count is: 0

الاقتصاد غير الرسمي في ليبيا والعنف القائم على النوع الاجتماعي

ما بين مطرقة السياسة وسندان الانهيار الاقتصادي بليبيا، يوجد عاملون يعملون في مهن وحرف بعيدة عن سلطة الدولة ورقابتها.

سنناقش في هذا التقرير مسألة العاملين في الاقتصاد غير الرسمي في ليبيا، اقتصاد الظل، من حيث مفهومه وأسبابه؛ من الناحية السياسية والاجتماعية؛ معزّزا بإحصائيات دولية وكذلك التداعيات التي تنتج عنه.

خصوصا وأنّ اقتصاد الظلّ هو أحد زوايا حملة 16 يوما من النشاط، لهذا العام 2020، وهي الحملة الخاصّة بمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي.

الاقتصاد غير الرسمي

الاقتصاد غير الرسمي: المفهوم والمسمّيات

يعرّف الاقتصاد غير الرسمي على أنه عبارة عن: أنشطة اقتصادية مشروعة أو غير مشروعة؛ ولكنها غير مسجلة رسميا ولا تدخل في حسابات الناتج المحلي الإجمالي.

ومن أمثلتها: المشاريع الحِرفية غير المُرخَّصة، ومزاولة الدروس الخاصّة، وخدم المنازل، والباعة المتجوّلون، والتسويق الإلكتروني أو الباعة عبر الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)

ويُطلِق الاقتصاديّون وأهل الفقه الاجتماعي، على الاقتصاد غير الرسمي تسميات عديدة ومتنوّعة، منها:

“اقتصاد الظل – الاقتصاد السفلي – الاقتصاد الخفي – الاقتصاد التحتي – الاقتصاد المغمور – الاقتصاد غير المرئي – الاقتصاد الثاني – الاقتصاد المقابل”. والجامع بين كلّ هذه التسميات؛ أنّه اقتصادٌ يُمارَس بعيدا عن أعين الدولة، وهذا ما يجعله اقتصادا له جوانب متشابكة، يحتاج إلى التحليل والفهم لمعرفة أسبابه.

الاقتصاد غير الرسمي: الأسباب وخصوصيات الوضع الليبي

هناك أسباب عديدة لاقتصاد الظلّ، تذكرها أدبيّات هذا الشأن، يتقاطع فيها الاقتصادي مع الاجتماعي والسياسي؛ ولليبيا وضع خاصّ، أنتج أسبابا خاصّة بها. ولعلّ أهم هذه الأسباب:

  1. تدنّي مستوى الدخل أمام الاحتياجات الأساسية: ويعدّ هذا السبب هو الأقوى في لجوء العاملين إلى الاقتصاد غير الرسمي لسدّ حاجاتهم الضروريّة؛ بسبب غلاء الأسعار باعتبار ارتفاع عُملة الدولار في السوق الموازي.
  2. ندرة السيولة النقدية في المصارف الليبية: جفاف منابع المصارف بتمويل الزبائن المودعين لأموالهم، تسبب في عدم ثقة رؤوس الأموال في تلك البنوك، ما جعلهم يحتفظون بأموالهم خارج نطاق المصارف، ما اضطرّ المواطنين للعمل خارج إطار الدولة لتحصيل السيولة.
  3. إغلاق الشركات الأجنبية بسبب الظروف الأمنية: ما جعل العاملين في تلك الشركات، مضطرّين للعمل في مجالات أخرى، وبعضهم في حِرف ومِهن لا تخضع لسلطة الدولة.
  4. البيروقراطية في إجراءات التسجيل التجاريّة (رخصة المزاولة العمل): تجعل من الأسهل إخفاء النشاط عن الدولة، سيما مع ضعف سلطة تنفيذ القانون والأجهزة الضبطية والرقابية، وبالتالي كلّ العاملين في ذلك النشاط؛ سيكونون غير مسجلين في سجلات العمل.
  5. ارتفاع إيجار العقارات التجارية: ما يسبّب عزوف أرباب العمل عن فتح محلات لنشاطاتهم، واستبدالها بنشاطات داخل منازلهم أو غيرها، توفيرا لأجورها.
  6. سيطرة رؤساء الأموال على السوق الرسمي: حظوظ كبار التجار لدى الدولة أكبر، التي تقوم باحتوائهم؛ مثل فتح الاعتمادات المستندية لهم بسعر السوق الرسمي، مما جعل التجار الآخرين ينتهجون طرقاً أخرى لخفض الالتزامات، ورفع هامش الربح، ما ترتب عنه الهروب من الضرائب، وعدم تفعيل سجلاتهم التجارية، فأضحوا بعيدين عن رقابة الدولة وسلطتها.

الاقتصاد غير الرسمي

عبثيّة قرارات الدولة تشجّع على اقتصاد الظلّ

أصدرت حكومة الوفاق الوطني قرارا يقضي بخصم 20% من مرتبات العاملين بالقطاع العام، يحمل القرار رقم 270 لسنة 2020 وصادر في شهر إبريل الماضي (2020).

شمل القرار الجهات التي تتمتّع بلائحة خاصة للمرتبات، مثل: الجهات الرقابية ووزارة الدفاع والداخلية، إضافة إلى الجهات التي حصلت على علاوة التمييز بعد سنة 2011 وذلك كخطة تقشّفيّة فرضتها وزارة المالية والبنك الليبي المركزي للحد من الإنفاق العام.

إلا أن الخصم وجد استياء كبيرا من العاملين؛ كون المرتبات في حدّ ذاتها لا تكفي لسدّ الحاجات الأساسية الضروريّة فما بالك بعد الخصم الوارد في القرار. فما الذي يعنيه ذلك؟

يعني التجاء العاملين -ضرورة- إلى نشاطات اقتصادية غير رسمية، مثل: توصيلهم للزبائن بسيّارتهم الخاصة، التي لا تخضع لضرائب سيارات الأجرة، أو العمل في مِهن وحِرف لا تخضع لسلطة الدولة ورقابتها.

إضافة إلى أنّ سياسات الدولة الليبيّة التي فرضها واقع جائحة كورونا، مثل قرار حظر التجوّل (215/2020) وأحكامه (238-277-288/2020) زادت الأمر تعقيدا، وألزمت بعض المحال التجارية وسيارات الأجرة تغيير نشاطاتها لتجد البديل في ظل الحظر، فترتّب على ذلك نشاطات اقتصادية غير رسمية؛ بعيدة عن أعين الدولة وسلطتها.

الاقتصاد غير الرسمي

الاقتصاد غير الرسمي يجتاح الحدود، وإحصائيات محلية

في ظلّ تطوّر أنظمة الإعانات الحكومية الضخمة، ودعم السلع مع ارتفاع الدولار في السوق الموازي، أصبحت اقتصاديات التهريب الضخمة أكثر اتساعا وامتداد وانتفاعا، مع الدول المجاورة.

فقد أصبح التهريب مصدر دخل أساسيّ ورئيس لبعض سكان المناطق الحدودية، وذلك بتهريب البضائع والمركبات والسلع الحيوانية والوقود وغيرها، إلى السوق غير الرسمي، دون دفع الرسوم الجمركية.

للأسف، أصبحت دول المنطقة -ولأسباب اقتصاديّة محليّة- تتسامح/تتساهل مع هذا النوع من النشاطات غير المشروعة؛ لتوفير بعض الدخل للمناطق الحدودية المهمّشة من البرامج التنموية المستهدفة، وركّزت عملها في الاقتصاد الرسمي على المدن الساحلية.

أمّا سابقا، فقد شكّل هذا النوع من الاقتصاد غير الرسمي (التهريب) شريانا حيويّا لليبيا فترة التسعينات إبان العقوبات الدولية التي طالتها.

يتضح هذا من الإحصائية التي أصدرتها اللجنة الشعبية العامة (وزارة) للتخطيط (سابقاً) عن حجم الاقتصاد غير الرسمي؛ حيث بلغت نسبة مساهمته خلال عام 1990 في الناتج المحلي الاجمالي للأنشطة الاقتصادية غير النفطية: 7.4% بمقدار نحو 372.3 مليون دينار ليبيّ.

وواصلت نسبة مساهمة الاقتصاد غير الرسمي في الناتج المحلي الليبي، الارتفاع خلال عقد التسعينات حتى بلغت 8.3% في عام 1999م، بمقدار حوالي 834.7 مليون دينار ليبيّ؛ أي أن الاقتصاد غير الرسمي قد نما بمعدّل بلغ 17.3% خلال 9 سنوات فقط.

هذه النسب، تعتبر مرتفعة في ظل اقتصاد تهيمن عليه مؤسسات القطاع العام، ودولة مركزيّة، فما بالك ونحن الآن نعيش وضعا فوضويّا مع ضعف سلطة تنفيذ القوانين وغياب الأجهزة الضبطيّة والرقابيّة، فأعتقد أنّ المعدّل سيكون كبيرا، ولكن للأسف، لا توجد مراكز إحصائيات في ليبيا.

اقتصاد الظلّ سبب إضافي للعنف ضدّ النوع الاجتماعي

العنف القائم على النوع الاجتماعي يتجلّى في أوضح صوره في اضطهاد النساء في الاقتصاد غير الرسميّ؛ ابتداء من التمييز على أساس الجنس، عدم المساواة في الأجور، وتدنّي المقابل المادّي، وانتهاء بحصر الأدوار، حيث لا يقع هذا الاقتصاد تحت أيّ سلطة قانونيّة أو نقابيّة أو حقوقيّة.

في ليبيا، غالبا ما تتقيّد طبيعة النشاط لدى النساء العاملات بسطوة التقاليد الاجتماعيّة، الأمر الذي يُجبر العديد من النّساء الباحثات عن مصدر دخل لهنّ، سواء الباحثات عن عمل أساسي أو إضافي؛ إلى مزاولة مِهن تمّ إلصاقها بالإناث، لقبول المجتمع لها.

مثل: فتح مشاغل حياكة الملابس وتسويقها إلكترونيا وبيعها عبر أروقة التواصل الاجتماعي؛ بيع الأطعمة الجاهزة والحلويات، وغيرها؛ حيث إن طبيعة هذه الأعمال “مقبولة اجتماعيّا” ولا يُمانع الذكر (الذي يلعب دور الوصي) في حياة النساء (الأب/الأخ/الشريك) في ممارستها لها.

حيث إنّ هذه النشاطات، لا تُخرجُ المرأة إلى الفضاء العام، لا تجعلها تختلط مع الآخرين، وغير ذلك من مظاهر السطوة الذكوريّة على الأنثى.

وتعتبر أيّ امرأة تزاول نشاطا -يتيحه القانون ويستهجنه المجتمع- امرأة مناضلة، تساهم في التغيير الاجتماعي؛ بكسر الصورة النمطيّة، وصناعة القدوة.

خاتمة

من الصعب وجود أسرة في مختلف مناطق ليبيا، لم يزاول أيّ من أفرادها نشاطات اقتصاديّة غير رسمية؛ بدءً من الأعمال المنزلية، أو الأعمال الحِرَفية، أو بيع ما ينتجه من الزراعة أو البيع المتجوّل وغيرها من النشاطات.

ويجب على الدولة بذل المزيد من الجهود لوضع آلية تستقطب بها أصحاب تلك النشاطات كخطة تنموية تدخل بها تلك الأموال، إلى حساب الناتج المحلي الإجمالي للدولة.

اترك تعليقاً