قد تملك الفتاة خيار دراسة الطب ولكن خيار العمل يظل دائماً محكوماً بالظروف الاجتماعية - Huna Libya
#أين_قراري article comment count is: 1

الطب والمرأة في ليبيا؛ علاقة معقدة

“معليشي، نبّي دكتور ذكر مش دكتوره، يكشف عليّا” مريض في ليبيا، 12/2021

في سنة 1849م تخرّجت إليزابيث بلاكويل من كلية جينيف الطبية في نيويورك، وذلك بعد رفض العديد من الكليات الطبية لالتحاقها بالدراسة فيها، والاستخفاف برغبتها في دراسة الطب. وتمّ قبولها بعد استفتاء الطلبة وموافقتهم لظنهم أن الأمر مجرد مزحة!

إلى ذلك الوقت، كانت دراسة الطب حكرا على الذكور. تخرّجت إليزابيث لتصبح بذلك أول طبيبة في العصر الحديث لتفتح المجال أمام كل من أرادت دراسة الطب وامتهانه.

اليوم، تمتلئ مقاعد كليات الطب في كلّ العالم، بالفتيات الراغبات في أن يصبحن طبيبات، كما تمتلئ المستشفيات بطبيبات بارعات في كل التخصصات.

إليزابيث بلاكويل: أول امرأة تحصل على شهادة طبية في الولايات المتحدة
إليزابيث بلاكويل: أول طبيبة في العصر الحديث، وأوّل امرأة عضو في السجل الطبي للمجلس الطبي العام

الطب والمرأة في ليبيا؛ علاقة معقّدة

في ليبيا يعتبر الطب من المجالات المستحبة للمرأة اجتماعيّا، إذ المجتمع يُمارس تنميطا جندريّا شديدا.

ورغم ذلك، فمهنة الطبّ، يُنظر إليها باحترام كبير، وكل سنة يتخرج عدد كبير من الفتيات من الكليّات الطبية أكبر من احتياج سوق العمل. ويُنافس قطاع الصحة، قطاع التعليم في عدد الاناث العاملات به (نتيجة هيكلة اجتماعيّة قائمة على التمييز لو تأمّلنا).

دراسة الطب، يستغرق فترة طويلة ويقلّل من فرص الانشغال بأي شيء آخر غير الدراسة، في مجتمع يقدّس/ينمّط دور المرأة كزوجة وأم، ولا يأخذ بعين الاعتبار أي إنجازات مهنيّة في أي مجال آخر، عكس الرجال الذي ينتظر منه المجتمع العكس.

تبدأ الفتيات دراسة الطب بمعنويات عالية وطموح لا حدود له، في السنوات الأولى تتنوّع التخصصات التي يطمحن التخصص فيها: جراحة وباطنة وعظام وأعصاب ومجالات دقيقة أخرى ولكن للأسف؛ كثيراً ما تتغير هذه المجالات بعد التخرج لتخصصات يعتبرها المجتمع (بما في ذلك الوسط الطبي والصحّي) مناسبة للإناث أكثر، مثل: النساء والولادة والأطفال والجلدية والتخصصات الأكاديمية.

أمّا التخصّصات الجراحيّة، فهي أمنيات بعيدة المنال، حيث إنّها تكاد تكون تخصّصات ذكوريّة حصرا، فتتعرّض الطبيبة الراغبة فيها، إلى حملة من التنمّر والتندّر، والمحاربة ترسيخا لمقولة “الجراحة لا تناسب الإناث!”

طبيبة تبدو في حالة حزن وتعب - الطب والمرأة

الحرب النفسية

منذ أن تختار الفتاة دخول كلية الطب -البشري خصوصا- حتى يبدأ “تكسير مجاذيفها” وتحطيم معنوياتها، حتى مع دعم عائلتها.

فنجد شائعا -على سبيل المثال- أنّ بعض المقرّبين منها ومعارفها لن يتورّعوا عن تشكيكها في خيارها وتحذيرها منه وتثبيط عزيمتها، مثل قولهم: (سريبه طويل، ما ينفعش للبنت، البنت آخرتها بيتها وزوجها، نصيبك يجيك وتريح عليك، ادرسي أي تخصص قصير وساهل مايعطلكش عالزواج …إلخ)

كليشيهات كثيرة تسمعها الفتاة، وتشكّل فيها هاجسا، حتى تكاد تثنيها عن الاستمرار، وإن استمرت؛ يظل جزء منها قلقاً خائفاً أن تضيع عليها فرصة الحياة الطبيعية (كما يصوّرها المجتمع) وتكوين عائلة.

الجامع بين كل هذه الكليشيهيات والأفكار أنّ المجتمع يعتبر الزواج غاية قصوى للمرأة وليس مجرّد محطّة، وأنّ كلّ شيء في حياتها ينبغي أن يُعاد ترتيبه وفق هذه الغاية. وما لم نستطع تفكيك هذه الصورة الخاطئة وما يُبنى عليها، فإنّ جميع حملات التوعية والتثقيف ستكون مبتورة بعيدة عن التأثير.

الارتباط

يضع الارتباط مستقبل وحاضر خريجة الطب على المحك، سواء إن حدث خلال الدراسة أو بعد التخرّج؛ إذ قد يشكل مستقبلها –هكذا ببساطة– حسب رغبة شريك حياتها، وتقبّله لطبيعة عملها واختياره لدعمها أو عرقلتها.

للأسف في ليبيا، تضغط بعض العائلات على بناتهنّ لكي يكنّ في طوع المتقدّم للزواج. فلا تمانع من ترك ابنتهم دراستها أو طموحها أو عملها إن أراد المتقدّم ذلك، مضّحين بآمال وآلام وطموحات ابنتهم، وكأنّها حمل ثقيل عليهم، ويودّون التخلّص منها بأي طريقة وفي أقرب فرصة.

مهنة الطبّ عموما ليست سهلة، والتزاماتها كثيرة، من ساعات العمل الطويلة والمناوبات الليلية والاستدعاءات المفاجئة؛ ما يجعل عمليّة اختيار شريك الحياة للطبيبات أمرا صعبا جدّا ومعقّدا في آن واحد.

ففي ظلّ غياب مفاهيم التربية المشتركة (التي للأسف غائبة حتى في القانون) ستكون هناك نساء غير محظوظات، سيُفرض عليهنّ أسلوب حياة، بحيث يكون عملها كطبيبة لا يتعارض مع “خدمة” زوجها وبيتها، ودورها كـ”زوجة”.

أمّا الطبيبات الأقلّ حظّا، فهي التي يجبرها زوجها ويرتضي أهلها ترك عملها والجلوس في البيت، وتصبح شهادتها مجرد قطعة ديكور؛ لتنتهي بذلك مسيرتها كطبيبة. وغالباً ما يتم فرض هذا كأمر واقع بعد الزواج والأطفال، بشكل تدريجي، حتى إن اشترطت العمل في فترة الخطوبة، وتضطر للخضوع للأمر لأسباب اجتماعية تختلف من حالة إلى الأخرى.

امرأة تقوم بكافة الأعمال المنزلية، والتربية والرعاية، دون مساعدة شريكها

الطب أم العائلة

يعتبر العمل في مجال الطب مع وجود أطفال وأعباء اجتماعية تحديا كبير للمرأة، ليس فقط للضغط الذي يمارسه المجتمع عليها وحكر وظيفة الرعاية بها، واللوم الذي تتعرض له إذا قصّرت في أي جانب من المسؤوليات الكثيرة (التي يفترض اشتراكها بين الشريكين) المُلقاة على عاتقها، بل حتى المجهود الذي عليها أن تبذله كي لا تقصّر في عملها وواجبات مهنتها وتطوير ذاتها فيه.

لا يقع الأطباء الذكور في هذه المشكلة، فلا يتم تخييرهم بين النجاح المهني والعائلة، وظيفتك أم أطفالك، طبيبة أم زوجة، كما لا توجد اتهامات بالتقصير تطالهم إذا منحوا معظم وقتهم للعمل دون العائلة.

لا يحمل بعض الاطباء الذكور أيضا، العبء الذهني للبيت والأطفال معهم إلى العمل، يعمل الطبيب لساعات طويلة وهو يعرف أنه سيعود إلى بيت لا يفكّر في تنظيفه وأطفال لا يفكر في الاعتناء بهم، ويأكل طعاماً لا يتحمل عبء إعداده.

حتى وإن كان متزوجاً من طبيبة مثله تماماً، لها نفس المهام الوظيفية، تحمل هي هذا العبء وحدها مهما كان متعاوناً، تبقى هذه مسؤولياتها التي قد يساعدها فيها لكنها تبقى واجباتها، وهي الملامة على أي تقصير فيها.

بالإضافة الى ذلك، يمتلك الطبيب الذكر حرية التطوير من نفسه، وحضور المؤتمرات والمشاركة في أحداث وفعاليات والتدريب لساعات طويلة وخوض تجارب قد تحرم منها الطبيبة لأسباب اجتماعية.

نساء في غرفة العمليات - المرأة والطب

خاتمة

كل عام تتخرّج الكثيرات من كلية الطب، وكلّ عام للأسف، نشهد مئات الخرّيجات والطالبات اللواتي يتركن الدراسة أو العمل بعد التخرّج، نهائيّا أو في مجال مختلف، أو في تخصّص لا يرغبن العمل فيه.

هنا عنف قائم على الدور الاجتماعي موجّه ضد المرأة، والنظر لها بعين الازدراء بناء على جنسها، والاستخفاف بمجهودها، دفعا لها لتأدية دور اجتماعي يفرض ضغطاً كبيراً عليها، وقد يجعلها تتخلى عن أحلامها.

قد تملك الفتاة خيار دراسة الطب ولكن خيار العمل يظل دائماً محكوماً بالظروف والوضع الاجتماعي حتى يكاد ألا يكون خياراً.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)

  1. كلام واقعي ، وفعلآ يقع على طالبات الطب كل هذا العبئ الثقيل لمجرد أنهن يحلمن أن يكن طبيبات وأن يحققن حلمهن في مساعدة الناس وتخفيف الالآم ، هذا شئ محزن