قصص لشباب عاشو تجربة الاستقلال- Hunalibya
قراري الأول  article comment count is: 0

هل تذكر أول قرار مصيري اتخذته في حياتك ؟

تأتي تجلّياتُ الصِّبى فرادى. هي كثيرةٌ ولا يشوبها اليقين. وغالباً ما يلازم لحظاتُ التجلّي هذه تجارب مؤلمة، تصاحبنا منذ الطفولة، تتحوّر في مخاض المراهقة، وقد تنصهر نهائياً في مراحل البلوغ. 

ولكي لا يصيرَ كلامي إنشائياً بحت، أحاول في هذا التقرير طرح بعض التساؤلات التي تشغل الشباب الليبي في صنع القرار والأخذ بزمام الأمور. المهمة شائكة. فهنا تتشكّل الهوية ويختلط الفرد بالمجتمع.

وإن جاز لمراقبٍ عادي الحديث عن سوسيولوجيا، فسأجد نفسي منتمياً إلى عيّنة من شبّان وشابّات، تختلف فيها الآراء والأمزجة، وحتى الطبقة الاجتماعية في مجتمعٍ غير طبقي بالمعنى التقني. تُدرَس أحيانًا هذه العينة للإجابة عنما هي مشكلات الشباب؟“.

قد يدرسها البعض للوصول إلى دواء شافٍ. ويدرسها الباحث في محاولة فهممشكلةما، في السياق الفلسفي للكلمة، بدون تسيير أيديولوجي ولا أحكام مسبقة.  أتقمّص هنا دور الأخير في نسخته المصغّرة، وليكن دليلي المقابلات التي أجريتها مع أفراد العينة.

اجتاز ربيع خطّاب الثلاثين عازباً. يقود سيارته كل صباحما عدا تناوم الجمعةمن مدينته شحات إلى البيضاء، مقر عمله في شركة سياحة بدوام جزئي. 

راسلني من مكتبه باقتضاب، فاستهل كاتباًعمري ما كنت مستقل بمعنى الاستقلال الشائع، سواء لما كنت طفل أو مراهق أو في الوقت الحالي“. 

لا غرابةَ في ذلك، إذا ما افترضنا جدلًا أنالاستقلال الشائعيعني التحرّر، بكل تعقيداته. مثلًا، صنع القرار يأتي بدرجات متفاوتة. 

يردف ربيعكنت طبعا ندير في حاجات من راسي وبدون مشاورة حد ومع معرفتي المسبقة بمعارضة الأهل حتى لما كنت صغير، بس كانت أفعال صغيرة ومش مهمة واجد“.

ربيع خطاب

هذه أضعف الدرجات شدة، فتمردالعياللا يعكّر الماء، مهما اشتد. فـبالنسبة للاستقلال الفعلي، فهو أمر مستهجن في المجتمعات العربية، إلّا في حالة الزواج طبعا.

يكمل حديثهيعني أنا كأعزب، لو نبي نستقل وحدي، متأكد حتكون ردة فعل العائلة مبالغ فيها، طبعا مش حيقدروا يمنعوني جسديا، لكن حيحاولوا بشتى الطرق أنهم يغيروا رايي، وما اهناك واحد ما يحكي معاك في الموضوع“. 

ويضيف أنه لا يرى في عيشه مع أهله مشكلةً، أو وصمة عار (اعتقاد شائع في أغلبالمجتمعات الغربية)، بيدَ أنه يفضّل العيش مستقلاً، بعيداً عن الأوامر والنواهي، والضغوط النفسية التي من شأنها أن تحوّل الشاب إلىجزء من القطيع“.

الضغوط النفسية التي ذكرها ربيع حاضرة في العالم بأسره، لكن حدّتها هي مربط الفرس. فالصحة النفسية في ليبيا بالكاد غائبة. 

وهذه الضغوط في نسختها العربية، عامةً، مختلفة؛ ما تمليه جوانب الحياة العصرية على شبان وشاباتحقّقوا ذواتهم كامنٌ في جعبة الفرد، ومدى مرونتهوجودياًعلى مواكبة العيش. 

لم نصل بعد إلى مرحلةالعيش. هذا إن افترضنا أن العيش، على الأقل، يسمح لذكرٍ أعزب أن يستقل بالمسكن. 

لا نختلف في كون مجتمعنا ذكورياً. كان الآباء أيضاً مراهقين. وللأمهات، بطبائع الأحوال، دوراً في كسر هذه السرديّات أو تخليدها.

ربّما أكثر القصص تعقيداً نجدها في حيوات النساء، حيثُ يبذَلن مجهوداً مضاعفاً لكل كفاحٍ يقوم به الرجل. فمشوار بشرى العسير بدأ منذ طفولتها إلى يومنا هذا، وهي في الـ32 من العمر. 

بشرى عبد القادر، من سبها، تُعنوِن قصّتهالمّا تكون في عيلة كلها دكاترة ومهندسين، في ما يشبه، للوهلة الأولى، تعليقاً لـميمما. 

لكن فحوى الحكاية ليس هزلياً على الإطلاق. عانت بشرى، كغيرها من بنات وأبناء جيلها، من البلبلة التي نجمت عن نظام الثانوية التخصّصية قصير الأمد. 

فعلاوةً على غياب الفرص والتوجيه المُسبَق من قبل الأهل، فُرِض عليها الخيار في مرحلةٍ مبكرةٍ. في الوقت اللي الكل بالبيت من أهلي: أبوي وأمي وأخواتي الكبار، قرروا إني ندخل ثانوية طبية لاستكمال مسيرتي كطبيبة. أنا قررت ندخل علوم اجتماعية ونقرا لغة عربية. لكن قراري كان مستهجن بشكل كبير“. 

بشرى عبدالقادر

هكذا بدأت الحكاية. تتنازل عن خيارها الأصلي، فتتأقلم مع خيار دراسة الهندسة المفروض. بعد حين، يُطمَس التأقلم بتغيير المدرسة ونقلها إلى بيئة غير آمنة، فيبقى الخيار الأنسب: ترك المدرسة. 

نرجع خطوة إلى الوراء، مرت خلالها بشرى بفترة توجزها: باختصار، كانت أعراض كآبة ومن ثم وبطريقة مش مفهومة، التحقت مجبرة بالثانوية الطبية أسبوع قبل امتحانات الفترة الأولى. وكملت فيها، وكملت طب اسنان“.

بعد عشرة سنوات، تدرس اليوم بشرى في تخصص تصفه بـإنه يليق بي، وسيبت الطب وندرس في ماستر تنمية مستدامة في حاجة أنا قررتها بنفسي وحابتها وفرحانة بيها“. 

ولعلّ هذه الأحاديث المعهودة واللامعهودة في آنٍ، تُذكّرنا بشمولية السؤال الذي نطرحه على الأطفال: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ 

تتشكّل الإجابة غالباً في المراهقة، وقد تغيب حتى سن متقدمة، أو لا تتشكّل أصلًا. المؤلم، يقينًا، من بين هذه الحالات، هو حضور الإجابة وغياب ما يوفّر لها السبل، بل وحضور ما يطمسها.

تغيب استقلالية الجسد غالباً، وتحضر حرية الفكر أحياناً. الاستقلالية شي يبدأ من الطفولة…“.

تستهل رجاء موسى حديثها من مدينة البيضاء، وترى الطبيبة البالغة 27 عاماً أنأكثر شي يعيق الشباب في اتخاذ القرارات حاجتين: هن الضغوط الاجتماعية و الـ comfort zone متاع الشخص، حيث يمثّل الاصطلاح الأخير تلك القوقعة التي نحبس ذواتنا بها، خشية الانخراط في معترك الأيام. 

المجتمع بالنسبة لرجاءتقريبا مسؤول عن 70 % من قراراتها، في هذه الحالة تحديداً. فعلى الصعيد الشخصي، لم تقوَ رجاء لسنوات على اختيار أبسط المعطيات.

فتتندّر على حالها: لدرجة لعند الآن مرات واجد مانعرفش نختار أي شي، حتى مثلا الحاجات البسيطة مثلا نبي نشري شي وهو في منه لونين مانعرفش نختار اي لون نبي!” 

هنا تتعقّد الأمور. غياب الحزم في الاختيار بين الأشياء المادية (من ملبس وطعام وأشياء أخرى ذكرَتها لي) كامنٌ في أمزجة الأشخاص ونظرتهم للعالم، عموماً. في حالتي، مثلًا، لا أعير الانتباه لعديد الخيارات التي لا تمس صحتي الجسدية أو النفسية. 

لكن ما يشكّل عائقًا لرجاء هو الإفراط في حماية الأطفال. هذا متأتّ في صورة الفرض، حيث يبات التخيير تهديداً على حياة الأطفال، كما يرى الأهل. فتغيب الإرادة وتظلثقتك في خياراتك مهزوزة. وفي خضم المخاض هذا،لما تبدا تفكر صح، حتقدر تختار بثقة أكثر.” وإيجاباً تختم أفكارها: حاليا، خياراتي 99% أنا المتحكمة الاساسية فيهن“.

ولئِن كانت الطفولة جوهر الموضوع، فإضافةً إلى رجاء، يرى محمد كفكوف طفولته مشابهةً، وإن اختلفت خلفيته جنساً واجتماعًا وبيئةً. 

يقول محمدالطفولة كانت عادية جدا. ما عنديش فيها أي قرار نتخذه بنفسي، مثلًا كيف نلبس أو كيف نطلع، كله من العائلة“.

 تخرّج محمد من كلية الفنون والإعلام، بجامعة طرابلس، وعاد إلى مسقط رأسه، قصر الأخيار. ما زال يؤلف ويغني الرّاب باللهجة العامية، منذ دخوله المدرسة الثانوية. 

وهي الفترة التي كتب عنها،في مرحلة المراهقة كذلك، كنت في معظم الأحيان نتخذ في قرارات بنفسي بس ترجع علي بالعقوبة. مثلا، كالهروب من الحصة أو الذهاب للعب كرة القدم في المساء من غير مشوره أبي. ولكن في هذه المرحلة كان لي حرية واحدة وهي شراء ملابسي والاعتناء بمظهري بنفسي“. 

ولنقل إن هذه ظروف عالمية. ولكنفي السنة الـ 21، كان لي حرية القرار في أي شي أريده، إذا كان صحيح أو خطا. ولكن هناك بعض العوائق من العائلة التي لا تنتهي”.

محمد كفكوف

يتحدث محمد عن التحديات الشخصية،المشاكل، التي تغدو عامةً تحت أنظار الأهلحتى ولو وصلت سن 50. مثلًا، حتكون مشكلة لو غيرت شي في المنزل، أو حتى لو قلت إني نضجت وكبرت، لأنك في نظرهم لا تزال صغيرا“. 

هذا فضلًا عمّا يشكل عقبةً أمام تحرّر ربيع، الاستقلال بالسكن. فحتى الاستقلال في البيت ذاته،تغيير شي في المنزل، صار محرّمًا. ويوافق محمد ربيعًا في العمرِ أيضاً. فتكتمل الآن ثلاثية الجسد والفكر والمسكن كوحدة معطوبة. 

التحرّر فعلٌ مضني، وما أحلاه من ضنى. كما أشرت، نباتُ في أفضل الأحوال بشرًا، فيتناقص الاستقلال وتضعف القرارات. 

ليس هذا سيئًا في حد ذاته، بل كثيرٌ من الشّك أمرٌ مستحسنٌ لدى القليل ممّن يستكشفون الوعي والجمال والذات. لم نصل بعد، كليبيين، إلى أفضل الأحوال (وهي أحوالٌ ليست بالمثالية). 

قسوةُ العيشِ يسيّرها المجتمع، بيدَ أن الفردَ مسؤولٌ أيضًا. هذه الفردانية كامنةٌ في تحايل ربيع على النواهي، وفي تفكُّر رجاء الظّافر، ونراها تتّسم بمرونة الزهدِ لدى محمّد وبشرى.

اترك تعليقاً