بين العيب والضعف والتهمة والإثم وقلة الأدب، متى يتصالح الليبيّون مع الحبّ؟ - Huna Libya
الحبّ يمشي متخفيا article comment count is: 13

الحب حاجة أم عيب؟ عن العاطفة في المجتمع الليبي

كتب طه حسين يوما، إلى زوجته سوزان، يقول: “بدونك، أشعر أنّي أعمى حقًا، أمّا وأنا معكِ؛ فإنّي أتوّصل إلى الشعور بكلّ شيء، وإنّي أمتزج بكلّ الأشياء التي تحيط بي“.

الحبّ، تلك الكلمة الجميلة والمُرعبة، الدافئة والمضلّلة، في آنٍ واحد، شعورٌ قد يدفع البعض إلى تقديم حياة كاملة، لقاء الحصول على قضمة واحدة منه. هذا التقرير، سيسلّط الضوء على مفهومه بمختلف أطُره، والقيود المجتمعيّة له، مستعرضا بعض القصص والمواقف، التي تستحقّ أن تروى.

صورة دبدوب وبين قدميه قلب أحمر

الحبّ، لغز الحياة

رغم اتفاق النّاس على الشعور بالحبّ، واختلاف أسباب الوقوع فيه؛ إلا أنّه يظلّ من أكثر العواطف إثارة للجدل حول مفهومه، شعورا غامضا ومفرطا في الخصوصيّة متى ما كانت المشاعر صادقة. سُئل مرّة، أحد الكتّاب، عن الحب، فأجاب : “الحبّ يخدعنا حتى ننجب الأطفال“.

وعند ذكر “الحبّ” قد يكون أوّل ما يخطر على البال، العلاقة العاطفيّة بين الرجل والمرأة فقط. ولكن في حقيقة الأمر، يملك الحبّ أكثر من إطار ولا يقتصر على علاقة الذكر بالأنثى وحسب، بل يشمل حبّ الذات، مرورا بحبّ الآخرين (كالأسرة)، وانتهاء بحبّ الأشياء.

فالحبّ كفعلٍ وشعور غير مشروط، وتكوين رابطة تُشعِر الإنسان بوجوده وأهميّته؛ يتجلّى بشكل واضح في علاقة الأمّ بولدها منذ كونه جنينا في أحشائها ونموّه أمامها يوما بعد يوم، أكثر من أيّ علاقة أخرى.

بد زجل وفي يدها أغلال/أصفاد، ممدودة نحو يد امرأة

القيود المُجتمعية للحبّ

في معظم المجتمعات المنغلقة على نفسها، والتي للعادات والتقاليد سلطة كُبرى وسطوة فيها، يُوضع التعبير عن الحب في العلاقات الاجتماعيّة للكيان الواحد، في آخر القائمة؛ كون هذه العلاقات، على اختلافها؛ فعلٌ مُحرجٌ لا يجب التصريح به أو الإعلان عنه، أو لعدم وعي هذه المجتمعات تمامًا بأهميّتها وضرورتها.

من بين هذه المجتمعات؛ المجتمع الليبيّ، الذي يَظهر الحبُّ فيه بعدّة أشكال، بعضها في شكل تعاملات تدلّ على الحبّ والعناية، من غير اعترافٍ لفظي صريح، والبعض الآخر في شكلٍ خجول لا يظهر إلا في المواقف الحرِجة، أو الظروف الخاصة.

تعليقا على ذلك، تقول السيدة (ن . ل) : الحشمة تعتبر ثقافة، تنشأ من العادات والتقاليد الليبيّة القديمة، التي يتوارثها الشعب الليبي، جيلا بعد جيل، تنشأ وتترعرع في الأسرة الواحدة وترتبط بالمجتمع أيضًا … هناك قِلّة ممّن يخرقون هذه العادات، نتيجة أسباب قد ترجع إلى دخول ثقافات أخرى من مجتمع آخر”

أمّا السيّد (ج . ع) فيتحدّث عن العوائق الاجتماعية للتعبير عن العاطفة، من تجربة شخصيّة، قائلا:

“أتذكّر مناسبة عُيّنت فيها مسؤولًا تنظيميّا؛ كنتُ فخورًا جدًا بما قدّمت وقتها، حتى إنّني ركضت مُسرعًا حينما لمحت أمي في الزحام؛ لأحتضنها وأعبّر لها عن مدى سعادتي بقدومها، فما كان منها إلا أن لفظتني بعيدًا عنها – وقالت لي: (حوّل يا ولد الناس، العرب يحقّوا فينا) – مخافة آراء الناس من حولنا كوننا من مدينة محافظة .. كانت لحظة مؤلمة حينها

صورة قلب متكسّر وفي أطرافه مجسم رجل وامرأة

الليبيّون وطرق التعبير عن الحبّ

في استطلاع رأي مصغّر، من أجل إعداد هذا التقرير، ضمّ عيّنة محدودة جدا، حول أهميّة الحبّ وضرورة الإقرار به، وُجد أنّ الغالبيّة العظمى تعترف بأهميّة الحب، وتقرّ بوجوده على ألّا يتجاوز هذا الإقرار حدّا مُعيّنا.

يرى أحد المُستطلَع آراؤهم، أنّ “هنالك دائمًا شيء ما يبقى عالقًا في منتصف المسافة، بحيث تبقى العاطفة محصورة في نطاقٍ ضيّق بين الآباء والأبناء، أو حتى بين الأشقاء أنفسهم؛ مرٌحب بها ولكنها مُستهجنة

على عكس ذلك؛ يرى آخرون، أنّ العاطفة موجودة ومُعلنة، وإن كانت تتأثر تأثرًا مُباشرًا بكيفيّة تنشئة الفرد، وأنّ الحب موجودٌ في مجتمعنا المحليّ وبشكلٍ مُعلَن ومُرحَّب به بكل أنواعه، ولا يُعَدُّ ضيفًا غريبًا في غير محل ترحاب أو مُقيمًا استنفد كل سُبله ليكون ظاهرًا ومتحصّلا على كلّ التقدير”

أب يحتضن ابنته ويقبّلها -

يقول الشّاعر الليبيّ الشابّ مهنَّد شريفة في حوار خاصّ:

” لا يزال النّاسُ في بيئتنا المحليّة، يتوارثون نظرة، أقلّ ما توصف بها؛ أنّها تزدري المشاعر بالطرائق السويّة، سواء علاقة الزوج بزوجه أو علاقة الأب بأبنائه، أو حتى من خلال التواصل الإنساني بين الأصدقاء؛ وهذا ينعكس على مفردات اللغة الجارية على الألسن؛ فقد يستعيض الصديق بلفظ المعزّة حينما يرغب في سياق ما، التعبير عن مدى عواطفه اتجاه صديقه”

ثم يضيف: “لدى شريحة آخذة في الاتساع، يُعَدّ الحبّ ضربًا من ضروب الإثم الذي يتوجّب على مُرتكبه الاستتابة؛ وبعضهم يخنق تعريفه للحُب في تصنيفٍ بليد؛ فهو في صحيفة تعريفه يراه وجهًا آخر للضعف، والأجدر مُداراته”.

الحُبّ يمشي متخفّيا

بين العيب والضعف والحاجة العاطفيّة للحب، قد يُضيّع الإنسان والفرد في المجتمع الليبي عُمرًا كاملا في البحث عن أذنٍ صاغيةٍ تسمع تعبيره، أو جَرأةٍ طاغيةٍ تسمح له البوح عن مكنونات نفسه، ولو لأقرب الناس إليه.

تقول اختصاصيّة الطب النفسي والعقلي الدكتورة يُسرى عمار عن ذلك:

“الحبّ في المجتمع الليبي حقه مهضوم؛ فطبيعة مُجتمعنا القاسيّة والجافّة؛ جعلت الحبّ في محل الضعف، فأصبح من العيب أن يقول شخص ما (أنا أحبك) أو أن يُظهر الحب بصورة لطيفة. وهذا لا يعني أنّه غير موجود؛ فعلى سبيل المثال: قد يُظهر الزوج الليبي الحبّ لزوجته من خلال التمّلك والتسلّط تحت مُسمى الغيرة بين الأزواج، وقد تعزل الأم أطفالها عن العالم بدافع الحب والخوف”

“الحبّ موجود في مجتمعنا، ولكنه موجود بطابع الألم، ومتى ما كان الألم موجودًا كطريق للحب، يصير لزامًا علينا أن نغيّر الطريق إلى طريق آخر، حتى نتحصّل على الحبّ بصورته الصحيحة، الحب من دون ألم، الحب الذي يجعلنا ننضج ونتطور ونحبّ أنفسنا أكثر، والذي يجعلنا نتواصل مع أرواحنا”.

رجل ومرأة وبينهما طفلتهما
المخرج السينمائيّ أ. محمّد المصلي، مع زوجته و(حبيبته) أ. نهلة، وطفلتهما المشاغبة، تتوسّطهما.

هل سينتصر الحبّ دائما؟

“متى ما حَلّ الحب، حلّ السلام، وخضّبت الأرض يديها بالحِنّاء، وعلت زغاريد الفرح، وصفّقت أهازيج السماء”

كانت هذه كلمات المخرج السينمائي الأستاذ “محمد المصلي” عندما سألتُه عن قصّة حبّه مع زوجته وأمّ أولاده “نهلة” التي حرص أثناء لقائي به، على الإشارة إليها باسم “حبيبتي“.

يقول المصلي: “درست أنا وحبيبتي نهلة بنفس الكلية، وكُنا صديقين مُقرّبين، ولم أنتبه حتى وجدتني واقعاً في غرامها. حبيبتي نهلة كانت من مدينة مختلفة تمامًا عن مدينتي، والأكثر تحديًا من هذا، هو علاقة مدينتي بمدينتها التي لم تكن على خير ما يُرام”

يصمت المصلي قليلا، مع بسمة على شفتيه، يحاول إخفاءها، ثم يقول مسترسلا:

“استغرقتُ حوالي سنة كاملة، لأتقرّب من عائلتها؛ شقيقها الأول فالثاني، ومن ثم الثالث الذي تشجّعتُ واعترفتُ له بمشاعري تجاه أخته. وبعد أن تقدّمتُ رسميًا لخِطبتها؛ مرّت السنة الأولى والثانية على خطبتنا بسلام، حتى جاءت الحرب ثانية عام 2014 في مدينة طرابلس. ولأنّ وضع مدينتينا يزداد سوءًا بسبب الصراع الدائر، كُنتُ أنا من جهتي أحارب من أجل نهلتي ومن أجل الحبّ“.

“أتذكّر كلّ محاولات أقاربي وهم يحاولون ثنيي عن الزواج من حبيبتي نهلة؛ لأنّها من مدينة لا تتفق مع مدينتي، ومن الضّروري التنازل عن حبيبتي وخطيبتي. في النهاية، ربحت القضية وتزوّجت من حبيبتي، التي أصبحت اليوم زوجتي وأم طفلتي؛ وإن كنتُ سأعيد التجربة مرة أخرى؛ سأختار حبيبتي نهلة مرّة ثانيّة وثالثة .. إلى ما لانهاية؛ الحب ينتصر دائمًا”

ويبقى السؤال قائما: هل سينتصر الحبّ دائما؟ لنأمل ذلك.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (13)

  1. المرحوم غالب هلسا من اكثر الأشياء في حياته التي منعته من الزواج هو انه مر بقصة حب في حياته وبقي اعزبا حتى يجد فتاة او امراة بمواصفات تلك المراة التي احبها كم يفتقد الفكر العلمي الجدلي قامات عظيمة كالمرحوم غالب هلسا والشهيدين وصفي التل وناهض حتر ولكنهم رحلوا وبقي الفكر العلمي الجدلي اسيرا لتخاريف فؤاد النمري ومطلب العلمي وطفولية الجبهة الشعبية والكاتب البستاني الذي يعتبر الهوية الوطنية معادية للطبقة العاملة فله في خلقه شؤون

  2. حب الوطن هو شيء رومانسي رائع اختي الفاضلة وخاصة حينما يكون الانسان في الغربة فحينما كان الهشيد ناهض حتر في مغتربا في لبنان فترة التسعينات وفي يوم السابع من شباط 1999 تاريخ وفاة المغفور له الملك حسين رحمه الله كتب الشهيد ناهض حتر حزينا بطريقة فنية مسرحية تراجيدية يا ايتها الالهة الطيبة تايكي ويا معبودة زيوس ويا حارسة عمان احفظي الأردن الغالي ويرد الصدى الفضاء بقوة البقاء للاردن مجاوبا على حزن الشهيد ناهض حتر وهو يقول البقاء للاردن

  3. من الحب تولد الأشياء الجميلة، الحب لغة مشتركة للتواصل بين مختلف اللغات، الحب شعور لطيف يجمّل كل المشاعر التي يلمسها❤

  4. الحب في بلادي مجرد شهوة…ولا اعمم بالمطلق ولكن نسبة الذي يرون ان الحب هو طقس نمارسه في الخفاء ونعبر عنه وباساليب لاترتقي لمعناه الحقيقي نسبة كبيرة وان كان هذا الحكم جائر في مجمله وتفصيله فان مانراه من تنوير في عقليات المجتمع الليبي من خلال صور مختلفة وان كانت شحيحة ولكنها تعبر عن حبها بكل اريحية وجرأة متمثلا في حب الخالق عزوجل الاشخاص والاشياء مادية او معنوية..في رأيي الشخصي أن الحب هو الرضا هو علاقة سليمة تتمثل في القناعة بالمحبوب أيا كان والتغاضي عن العيوب الحب هو ان نتغافل عيوبنا وزلاتنا ونسير قدما

  5. قد يكون اختي الفاضلة التعبير الفني المسرحي التراجيدي للشهيد ناهض حتر وهو يخاطب اوثان تاريخية قديمة فيلادلفيا ومعبودة زيوس وحارسة عمان وتايكي بصورة مبالغ فيها حتما وهي اكيد الشهيد ليس معتوها ليعتقد انها تضر اوتنفع ويعرف قيمة الواحد الجبار الذي لايعجزه شيء ولكنها صورة تراجيدية فنية تاريخية لاغير ولكن تلك الايقونة النثرية المسرحية قد تكون بها عاطفة ووقار ورباطة جاش تجاه النائبات اكثر من توحيد معتوه لحاخام في فيلم يصلح لمستشفى قرقارش يتحدث عن المتدينين اليهود وهو يقول لله حينما هجرته امراته سارة وكان يقول ماذا فعلت لاستحق غضبك يارب فشتان بين توحيد مشوه خيالي قائم على الوهم والخوف والفوبيا ووثنية تراجيدية فنية بها الرومانسية والحب ورباطة الجاش والحنين الى الوطن الحبيب

  6. اختي الفاضلة سندس الحب دائما يقوي الرجل فحينما يتذكر الانسان حبيبته يجعل الشيطان تحت حذائه ولا يستطيع تدمير معنوياته فحينما أتذكر حبيبتي حتى لوكانت متزوجة تلك الفتاة التي احبها أكون دائما همتي عالية والمعنويات عالية

  7. الحب عند الرجل يختلف عن الحب عند المرأة. لذلك تفشل اغلب علاقاتنا. بينما تنجح علاقتنا مع الاهل والاصدقاء.

    اعتقد اننا بحاجة الي التفكير في مصطلح اخر، وترك الحب في حاله.

  8. جميل جدا .. ربما الحب في مجتمعنا يعترف به الجميع دون الإعلان عنه ،كأنه شيء يجب أن نخبيه فقط ، و الغريب اننا في الموسيقى والكلمات الشعبية للشعر الليبي يقال كلمات تصف الحب وحال العاشق ،وتجد من يتلدد بها و يهيم ،ولكن هذا نفسه لا يستطيع ان يقول زوجتي او حبيبتي وينعتها فقط بالبيت أو العويلة !، تناقض غريب ، ربما لأننا هكذا تربينا