article comment count is: 6

الزواج الإجباري في ليبيا: بين مجتمع ظالم وقانون غير حاسم

لا شيء يحطّ من إنسانيّة الفرد أكثر من الإكراه على فعل شيء لا يريده، ولو كان بسيطا؛ كارتداء قميص لا يحبّه أو الجلوس مع شخص لا يقبله. فما بالك لو كان ذلك الفعل الذي يُكرَه الفرد عليه قد يحدّد نوعيّة ما تبقّى من حياته، أو يهدّد وجوده؟ وهو الإجبار على زواج شخص لا تريده، أو لم تختره بحريّة.

سنناقش في هذا التقرير قضيّة الزواج الإجباري في ليبيا أو الزواج بالإكراه أو الزواج القسري Forced Marriage، من حيث مفهومه وخلفيّاته مع تعداد بعض أشكاله المُشاهَدة في المجتمع الليبيّ، من الناحيتين القانونية والاجتماعية. مع الاعتراف أنّ هذا النوع من الزواج هو استثناء، وبعض أشكاله أخذت في الانحسار في السنوات الأخيرة.

هذه الأشكال رغم انحسارها مقارنة بعقود مضت؛ إلا أنّها – للأسف الشّديد – لم تختفِ بالكامل بعد، وهناك ضحايا لها في الخفاء أكثر من العلن، بمبرّرات ثقافيّة ودينيّة واقتصاديّة؛ سيّما وأنّ سلطة الثقافة المجتمعية لا تزال قادرة وحاضرة وقاهرة.

بعض الضحايا يجهل أساسا، حقه الإنساني والقانوني في الاختيار، وبعضهم ضحيّة تساهل القانون أصلا، إذ أنّ المشرّع الليبي لم يحسم أمره في بعض المسائل المتعلقة بأشكال الزواج الإجباري في ليبيا الأمر الذي أوجب علينا ضرورة تكثيف جهود التوعية ومحاولة الخروج بتوصيات قانونية للحدّ من ذلك.

فتاة محجّبة تبكي - الزواج الإجباري في ليبيا

الزواج الإجباري: أن تعيش مقهورا

يعرّف الإجبار على أنّه “إكراه شخص على أمر يمتنع عنه؛ بسلطة قاهرة”.

والزواج الإجباريّ يدخل ضمن هذا التعريف؛ إذ هو إجبارُ عقد الزواج دون الرضا الكامل من أحد طرفيه أو كليهما، من قبل شخص آخر أو جهة لها سلطة عليهم، بشكل مباشر أو غير مباشر. وعادة ما تكون هذه الجهة هي الأسرة، وأحيانا المحاكم المختصّة.

على الورق، وفي الإطار العام، نصوص المشرّع الليبيّ تعلي كثيرا من شأن الحريّة بمختلف مجالاتها وأشكالها. أبرز هذه النصوص قانون 20 لسنة 1991 بشأن تعزيز الحريّة الذي تنصّ مادّته الأولى: “المواطنون ذكورا وإناثا أحرار متساوون في الحقوق ولا يجوز المساس بحقوقهم”.

بينما تنصّ المادة 25 منه، بشكل خاصّ على حق اختيار الزوج والتراضي عند العقد فجاء فيها ” لكل مواطن ومواطنة الحق في تكوين أسرة أساسها عقد النكاح القائم على رضا الطرفين ولا ينحل إلا برضاهما أو بحكم من محكمة مختصة

إلّا أنّ هذه النصوص فضلا عن كونها نصوصا فقط مع غياب سلطة/إرادة لتنفيذها؛ لها ثغرات يتخذها المجتمع ذريعة لبعض الممارسات التقليدية الضارّة؛ مثل قضيّة زواج القصّر أو تزويج ضحيّة الاغتصاب بالمجرم المعتدي، بحكم محكمة مختصّة؛ الأمر الذي يُعدّ تقنينا لبعض أشكال الزواج الإجباري.

امرأة عليها ملامح البكاء والحزن - الزواج الإجباري في ليبيا

الإكراه مرفوض، مهما كانت ملابساته وذرائعه

تتعدّد أسباب الزواج بالإكراه، بذرائع العادات والظروف الاقتصاديّة والتأويلات الدينيّة والتضحيات والحفاظ على السمعة وصون الشرف وغيرها، وذلك من قبل صاحب السلطة القاهرة (غالبا الأسرة)

في الغالب، لا يتمنّى أيّ من الأهل ضرر أولاده، بل العكس تماما، قد يظنّ أنّ إجبارهم نابعٌ من قصد نفع الأولاد، بحجّة أنّهم – أي الأهل – أحرص على مستقبل أبنائهم منهم، وأدرى بمصلحتهم. وفوق ذلك، وفي أحايين كثيرة؛ يكون الضحيّة جاهلا بحقوقه القانونيّة، وحقّ الاختيار المكفول له.

أيضا، من الناحية العمليّة، لا يكون دائما الإكراه على الزواج بشكل مباشر. فقد يكون الزواج بالإكراه هو إكراه على الزواج من أساسه. إذ الإجبار يحدث بشكل غير مباشر، بضغوطات أسريّة وتواطؤ ثقافة جمعيّة.

يُلاحظ ذلك بشكل أوضح في معاملة المجتمع (الأسرة والمحيط) للمرأة. إذ يتمّ تربية المرأة على أنّ الزواج هدف حياتي، وغاية يجب أن تصلها كلّ امرأة بأيّ ثمن، الأمر الذي يجعل من الأنثى عبء على أسرتها. إضافة إلى أنّ الثقافة المحليّة تمارس وصما اجتماعيّا تجاه اللواتي لم يتزوّجنَ أو تأخّرن في الزواج، وكأنّ الزواج أمر ضروريّ ومحوريّ لا يكتمل الإنسان إلا به!

صورٌ وأشكال من الزواج الإجباري في المجتمع الليبيّ

لتسهيل تصوّر القضيّة، قمتُ بتقسيم بعض أشكال الزواج الإجباري في ليبيا إلى قسمين، القسم الأول: أشكال تتمّ تحت الغطاء القانوني ويشمل شكلين رئيسين: إعفاء المجرم بالاغتصاب من جنايته (سقوط الجريمة) إذا عقد (تزوّج) الفاعل على الضحيّة، وزواج القصّر (من هم دون السنّ المؤهلّة للزواج في نظر القانون والعلم/الطبّ).

القسم الثاني: أشكال تتمّ تحت الغطاء الاجتماعيّ، منها: التحجير، إجبار الأرملة ذات الولد على الزواج من أخ زوجها المتوفّى، وزواج البدل، وغيرها.

فتاة جالسة تبكي، وعلى الجدار رقم مادة 424 من قانون العقوبات الليبي

أوّلا: أشكال الزواج الإجباري تحت الغطاء القانوني:

  • زواج المغتصبة: 4 جرائم بقانون واحد

نتيجة حملات توعويّة عديدة -رغم بساطتها، وعفويتها- أصبح الكثيرون يعلمون، ويرفضون المادّة 424 عقوبات ليبي التي تنصّ:

“إذا عقد الفاعل (المغتصب) زواجه على المُعتدى عليها؛ تسقط الجريمة والعقوبة وتنتهي الآثار الجنائية سواء بالنسبة للفاعل أو للشركاء”

ولاحظوا كلمة الشركاء ويُقصد بها عند تعدّد المجرمين القائمين بجريمة الاغتصاب، وفي حال عقد أحدهم على الضحيّة لا تسقط العقوبة عليه وحسب، بل عليهم جميعا مهما تعدّدوا.

وعند التعمّق أكثر في تحليل هذه المادّة المسيئة، يُلاحظ أنّها تبرّر وتساهم في 4 جرائم دفعة واحدة:

الأولى: إعفاء مجرم معتدٍ يستحق العقوبة أو مجرمين في حال تعدّدهم.

الثانية: إجبار الضحيّة على العيش مع مضطهدها وسالب كرامتها، وما في ذلك من ضرر عليها؛ نفسي وجسدي ولفظي وعاطفي.

الثالثة: منح المجرم غطاء قانونيا وعرفيا لممارسة جريمة الاغتصاب، وهذه المرّة الاغتصاب الزوجي.

والرابعة: هذه الزيجات اضطرارية، ومصيرها الطلاق، وتزيد من ثقل العنف الاجتماعي والقانوني الممارس على الضحيّة.

أطفال، قصّر، قاصرون، قاصرات - الزواج الإجباري في ليبيا

  • زواج القصّر: انتهاك براءة الأطفال

من أكثر أشكال الزواج الإجباريّ انتشارا في ليبيا، خصوصا بعد سنة 2011 والتغيّرات القانونيّة التي أحدثها المشرّع البرلماني الليبيّ (المؤتمر الوطني العام، مجلس النوّاب) هو زواج القصّر؛ لا سيّما الإناث (القاصرات).

سبق لمنصّة «هنا ليبيا» في إحدى تقاريرها النقديّة مناقشة زواج القاصرات من الناحية القانونية والمجتمعية بشكل لا مزيد عليه، يعفينا من التكرار.

ولكن تلخيصا وتوضيحا، فإنّ المشكلة القانونيّة لزواج القاصرات في ليبيا، تنبع من مسألتين:

الأولى: إباحة المشرّع الليبيّ تزويج وليّ أمر القاصر نيابة عنها، بعد إذن القاضي:

رغم اعتبار المشرّع أنّ من هم دون السنّ القانونيّة غير كاملي الأهليّة قانونا، فكيف يَسمح القانون بمن يراهم غير مؤهلين لقيادة سيّارة أو السفر مفردا، بقيادة أسرة وتأسيس منزل، واختيار شريك حياة بشكل عقلاني ومتزن؟

الثانية: السنّ القانونيّة لأهلية الزواج: ينصّ قانون رقم 14 لسنة 1984 على أنّه “تكتمل أهليّة الزواج ببلوغ سنّ العشرين

وبغضّ النظر عن الاختلاف التشريعيّ في تحديد سنّ اكتمال الأهليّة للزواج بين شرق ليبيا وغربها لانقسام الجسم التشريعي المعتمد بين الجهتين (20 عاما شرق ليبيا/18 عاما غرب ليبيا) إلا أنّ إجازة المشرّع الليبيّ زواج من هم أقلّ من ذلك، بإذن وتقييم القاضي، يجعل من تحديد السنّ القانونية للزواج تحصيلا لحاصل وليس علاجا للقضيّة.

طفلة تبكي، وأمامها أحد ألعابها - زواج القاصرات في ليبيا

وكما جاء في توصيات حملة #سادنا_عنف لمشروع «هنا ليبيا» العام الماضي، ضمن الحملة الدولية السنويّة لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي بالشراكة مع UNFPA Libya

فإنّ الحلّ الجذري والمنطقي لقضيّة زواج القاصرات في ليبيا؛ يشمل بشكل أساسيّ أن يصل الشخص (ذكرا وأنثى) السنّ القانونية لأهليّة الزواج، والرفض المطلق لزواج من هم دون ذلك، فحينها يكون إذن القاضي ملغيّا ولا حاجة له أساسا. إضافة إلى ضرورة إرجاع السنّ القانونيّة لأهليّة الزواج إلى 20 عاما على الأقلّ، كما نصّت التشريعات – قبل تعديلها.

ثانيا: أشكال الزواج الإجباري تحت الغطاء الاجتماعي:

هذه الأشكال يقف فيها القانون مقيّدا، وعاجزا عن التدخل بشكل مباشر للحدّ منها. وسنتحدّث عن التحجير وابتزاز الأرملة، ونترك أشكالا أخرى مثل: زواج البدل حفاظا على اختصار المقال.

  • التحجير: قلوب من حجر

التحجير هو أن يحجُر الفتاةَ أحدُ أقاربها (عادة ابن عمّها) أو يحجزها باعتباره أولى الناس بها! مقدَّما على غيره! وله الحقّ فيها! وإن كان ذلك ليلة زفافها.

ورغم انحساره في السنوات الأخيرة؛ إلا أنّ هذه العادة المسيئة لا زالت تمارس في الكثير من المناطق والقرى في ليبيا حتى الآن.

ولا نحتاج إلى مناقشة الامتهان الإنسانيّ والحقوقيّ والخطأ الأخلاقي والقانوني لهذا الشكل من الزواج الإجباري في ليبيا.

ولكنّنا سنكتفي بنصح من تتعرّض إلى هذه الإساءة إلى الذهاب فورا إلى منزل أحد كبار عائلتها الحكماء، والتصريح مباشرة بشكل صريح وبصيغة واضحة لا تحتمل اللبس، عن الرفض التام، وأمام أكثر من شخص، فهذا سينهي المسألة تماما في حال استدعت الحاجة إلى تدخّل قضائي.

امرأة تجلس حزينة في ثياب رفافها - التحجير في ليبيا

  • ابتزاز أرملة

هناك تقليدٌ قديم، لا يزال ساريا في بعض مناطق ليبيا، حيث يتمّ الضغط/اللوم على المرأة الأرملة ذات الولد، للزواج من أخ زوجها المتوفى. ذريعة هذا التصرف في الظاهر رغبة أسرة المتوفى الاهتمام بأولاده وجعلهم قربا منهم، وألّا يربّيهم شخص “غريب” على حدّ اعتبارهم.

هذا الشكل من الزواج الإجباري في ليبيا له إشكاليّات وتداخلات، يجب التنبيه عليها:

الأولى: يعتبر شكلا من الزواج الإجباري، الذي قد يشمل الطرفين. حيث يجبر الذكر/أخ الزوج المتوفى، هو الآخر على الزواج من أرملة أخيه، دون اعتبار لاختيارهما وقرارهما.

الثانية: ذكرنا أنّ السّبب في الظاهر رعاية الأولاد، ولكن هناك سبب قد يكون خفيّا، وهو حفظ ورثة الأخ في أرملته وأولاده، سواء بنيّة الإشراف أو السيطرة عليها. وهذا ملاحظ بكثرة في قضايا المحاكم الابتدائيّة. وما لم يبّلغ عنه أعظم.

الثالثة: النظرة الدونية للمرأة، باعتبارها تحتاج سندا ورجلا، ولا تستطيع أداء مهامها لأولادها وحياتها إلا برجل. وهذا ظلم مجتمعي فالأرملة لا تموت بموت زوجها.

مجسم ألعاب على هيأة عروسة وعريس، وقلب مكسور

خاتمة

تعديل القوانين بداية ولكن ليس كفاية، ومن الضّروري الاستمرار في الوعي والتثقيف، الحملات التوعويّة، وتثقيف الرأي العام بالقضايا الحقوقيّة قد يساعد على تغيير القوانين والمفاهيم والحدّ من هذه الممارسات؛ فالوعي خير مفتاح للتغيير. الحملات الموجّهة للمجتمعات التي تبرّر أو يكثر فيها أشكال من الزواج الإجباري خطوة يجب دراستها.

في الوقت نفسه، على المشرّع الليبيّ أن يكون مواكبا للتغيّرات التي تطرأ على الواقع، ويجدّد نصوصه بما يتواءم معها، ويسدّ الثغرات القانونيّة التي قد تستخدم لتبرير الممارسات الضارّة.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (6)

  1. ممتاز ممتاز ❤ اشكر من كتب هذا المقال جدا رائع،قضية الزواج الأجباري من واجبنا جميعا التحدث عنها والتوعية بشأنها وسن قوانين صارمة لها
    اشكركم مجددا.

  2. فعلا التوعية شئ مهم
    لاحظنا في السنوات الأخيرة منشورات على مواقع التواصل الإجتماعي تقلل من شأن المرأة بالمنشورات التي يعتبرونها فكاهة هو في الأصل ميعرفش أنه يقلل من شأن المرأة حتى أقرب الناس ليه زي أمه و خواته و هذا ناتج عن الجهل و إنعدام الثقافة للأسف فالتوعية شئ ضروري جدا الأجيال بإختلافها تتربى على حقوق الإنسان و حقوق المرأة و نبذ ثقافة التمييز ضد المرأة و غيرها من الظواهر السلبية في المجتمع

  3. ليس فقط الزواج الاجباري هو زواج سئ بل الزواج في ظروف مدمرة والزواج بدون مودة والزواج الهروب من واقع أي كالهارب من الرمضاء الى النار فالزواج السئ كمن يبدل اوثان لاتضر ولاتنفع ولكن مصدر تامل فني للمرئ بتوحيد مشوه قائم على الفوبيا والعصاب والتعتير في أمور الدنيا قبل الاخرة وليس توحيد سليم قائم على الامن والاطمئنان وتيسير أمور الدنيا والاخرة والسكينة والرحمة

  4. الحب أروع شيء في الوجود والحب الذي كان بين عمر الكاسح ومنى في مسسل دراجنوف ارقى أنواع المحبة لانه تخطى العقد الأيديولوجية والسياسية التي بين عمر الكاسح ومنى التي كانت من الثوار وقال لها مقولته الشهيرة عند سكرات الموت انتي احلى حاجة صارتلي فهي افضل من مقولة الحاخام المعتوه في فيلم الضيوف الذي يصلح لمستشفى قرقارش حينما رحلت زوجته سارة حينما عرفت ماضيه الذي كان يخفيه عنها وبدا يولول ويقول ماذا فعلت لاستحق غضبك يارب فشتان بين الحب الجميل المتكافئ والمتخطي حواجز النص السياسي والمراهقة السياسية وبين زواج معاتيه في مستشفى قرقارش او الهواري في فيلم الضيوف اليهودي المعتوه فهل يستوي مسلسل دراجنوف الليبي في حبه الجميل النقي الطاهر والرومانسي في ان واحد مع زواج المجانين سارة والحاخام موشي في فيلم الضيوف