article comment count is: 2

زواج بلا روح؛ قصص ليبيّة عن الزواج الإجباري

الزواج الإجباري هو عيشٌ بالإكراه، وزواجٌ ينتهي قبل أن يبدأ. وجمع شخصين لا يربط بينهما شيء سوى القهر.

وللزواج الإجباري أشكال عديدة، سبق التطرق إلى بعضها من ناحية قانونية واجتماعية على منصة «هنا ليبيا» ضمن حملتها #من_حقي_نختار بالشراكة مع صندوق الأمم المتحدة للسكان ليبيا UNFPA Libya.

ولكنّي في هذا التقرير، سأسرد لكم قصص بعض ضحايا وناجيات الزواج الإجباري في ليبيا لتعلموا معاناتهم. وقد قمتُ بناء على رغبتهم بتغيير أسمائهم، كما قمتُ بحذف أسماء مدنهم، وإعادة صياغة المقابلات لتكون بصيغة المتكلّم.

صورة تظهر فيها فتاة باكية، وجنبها عنوان القصّة: أبي كيف أسامحك - قصص عن الزواج الإجباري

أبي، كيف أسامحك؟

اسمي “ملاك” سأبلغ من العمر 20 عاما أغسطس القادم. أنا وابنتي ولدنا في نفس الشهر، بل بيننا أيّام فقط، وستبلغ هي 3 أعوام. لعلّ بعضكم يستغرب، هل صرتُ أمّا وعمري 17 عاما؟!

نعم، زوّجني أبي رغم اعتراض أمّي، وعمري 16 عاما، وأنجبتُ ابنتي وملاذي، وعمري 17 عاما، والتي نجت هي الأخرى من الموت بأعجوبة، أثناء ولادتها. يبدو أنّنا عائلة كُتِب عليها الشقاء. ولولا ملاكي الحارس لما استطعتُ تجاوز أسوأ أعوام عمري.

نحن عائلة مكوّنة من 6 بنات وابنين. أختي الكبرى لم تتزوّج بعد، وعندي أختان أكبر منّي تزوّجتا. وبكلّ صراحة لا أدري على وجه الدقة، لماذا استعجل والدي زواجي! لا أستطيع القول إنّنا عائلة ميسورة الحال، لكننا الحمد لله عائلة مستورة، لم ينقصنا شيء، مثلنا مثل غالب معارفنا. فهل يراني والدي لهذه الدرجة؛ عبء؟

أمر زواجي لم يكن قابلا للنّقاش، ولم يكن في يدي أو يد أحد، سوى أبي الذي قرّر فجأة ذلك وحدّد الشخص والعائلة. توقّفي عن الدراسة سنتان – بفعل الحرب والمشاكل التي تعانيها مدينتي وأسرتي – وعدم استكمالي المرحلة الثانوية؛ يبدو أنّه شجّعه على ذلك.

لن أكذب عليكم، صحيح في بداية الأمر رفضتُ الفكرة والشخص، ولكنّي بعد ذلك، رضوخا لقرار أبي، وإلحاح أمي المتكرر، ونميمة من حولي، تقبّلتُ الفكرة، وظننتُ أنّها الصواب، وأنّني فعلا جاهزة، وأنّ أهلي أدرى، بل فرحتُ في عرسي مثل أيّ فتاة ليبية أخرى.

لكن، ومنذ الأيّام الأولى للزواج أدركتُ صعوبة الأمر، وفداحة الخطأ الذي ارتكبته وجناية أهلي عليّ. لم يكن لي استعداد على شيء، وهناك أمور لا أودّ الحديث عنها.

صديقاتي دخلن الجامعة، وأنا لم أبدأ حياتي بعد. مهمّات الزواج والمنزل كانت صعبة. كنتُ دائم المرض والإعياء، الأمر الذي لم يقدّره زوجي السابق، ظنّا منه تخاذلا منّي في مهمات المنزل التي لا يشاركني فيها.

بعد مشاكل عديدة، تمّ طلاقي، وعمري 19 عاما، وبين يديّ طفلة لم تكمل العامين، ولم يزرها والدها منذ ذلك الحين، ويكتفي فقط بإرسال 380 د.ل كلّ شهر كنفقة تخيّلوا!!

عدتُ لأعيش مع أسرتي، التي تحوّل العيش معهم إلى جحيم آخر، كأنّي ضيف غير مرغوب فيه، أو أنّي المذنبة، ولا يريد أحد تحمّل مسؤولية فشل زواجي، لا أبي الذي أجبرني وأنا قاصر، ولا طليقي الذي دمّر حياتي.

كنزي الوحيد في هده المحنة أنّي أعدتُ اكتشاف أختي الكبرى التي تساندني دائما وتدافع عنّي وتهتم بي وابنتي. أفكّر في العودة إلى المدرسة واستكمال تعليمي. ترى هل سيسمح لي أبي بذلك؟

للمزيد حول هذا القضيّة، طالع: زواج القاصرات في ليبيا؛ طفولة مغتصبة وتشريع غائب

صورة فتاة، يضع شخص ما يده على فمها، مع عنوان القصة: ابن عمّي الذي سرق فرحتي

ابن عمي الذي سرق فرحتي

لن أخبركم باسمي، ولكن في الغالب البعض منكم سمع عنى العام الماضي، أو على الأقل سمع بقصّتي وقضيّتي؛ الفتاة التي “حجّرها” ابن عمّها ليلة زفافها.

أطمئنكم الآن، أنّي تزوّجتُ الرجل الذي أحبّه وأعيش معه، ولكنّي لن أسامح ابن عمّي الذي سرق فرحتي وسلب منّي بهجة عمري.

تقدّم ابن عمّي لخطبتي بناء على نصيحة أهله، عدّة مرّات وطيلة سنوات. خصوصا وأنّ زواج الأقارب يكثر في مدينتي وعائلتي. بيّنتُ موقفي بشكل حاسم وحازم، كلّ مرة؛ أنّي لا أرغب به وغير موافقة عليه.

لم يكن هناك تجاه رفضي المتكرّر، أيّة ردّة فعل تذكر، ويتقبّله الجميع، خصوصا وأنّي كنتُ لا زلت طالبة جامعيّة. بعد التخرّج، وتقدّم أحد زملائي لخطبتي، وموافقتي، تحوّل الأمر إلى عداء معلن، من عائلة عمّي تجاه عائلتنا. توقفت الزيارات بيننا، لم يحضروا حتى حفل الخطوبة، كثُر القيل والقال، وأشياء أخرى،

لم يتجاوز الأمر العداء الاجتماعي، حتى جاءت ليلة عرسي، والذي سبقه كما تعلمون، وكما تحلم كل بنت، تجهيزات واستعدادات وفرحة عامرة غامرة.

كانت ليلة الخميس، وكنت أرتدي الفيلّو وسط عائلتي وأحبابي وأصحابي، سمعتُ ضجيجا وحركة غريبة، ثمّ ساد الصّمت فجأة. في البداية لم يخبرني أحد بشيء، لكن بدا الأمر واضحا، أنّ هناك شيئا كبيرا حدث أو يحدث. مرّت عليّ أصعب دقائق عمري، كنتُ أفكّر هل حدث لأبي أو أخوتي شيء؟ كدتُ والله أموت في مكاني.

بعدها علمتُ أنّ ابن عمّي، دخل خيمة الفرح، ومعه أخوته وأبوه، وأحد أخوة أبي غير الأشقاء، وقالوا إنّهم “يحجّرونني” لابن عمّي. بعض الحاضرين ضحك منهم وعليهم، والبعض رفض تصرفهم، لكنّ تشابكا وعراكا حدث بينهم وبين أخوتي، كاد أن يُخرِجَ الأمر عن السيطرة، واضطرّ آهلي تأجيل الفرح، والذي حدث بعد أيّام وفي حضور بسيط واختصر في ليلة واحدة.

لن أسامح ابن عمّي ولا أهله، ما حييت، ولا زلت حائرة: ما المبرّر لكل هذا؟ وكيف يرضى شخص يحترم نفسه إن كانت له مروءة ودين على أن يتزوج فتاة لا تريده ومجبرة على العيش معه؟

هل من المعقول أن يرتضي شخص الزواج ممّن ترفضه ولا تحبّه؟

في النّقد السّاخر لهذه الظاهرة، طالع كوميك: التحجير؛ مشهد من العصر الحجري

صورة رجل حائر وحزين وجنبها عنوان القصة: تزوجت امرأة لا أحبها - قصص عن الزواج الإجباري

تزوجت امرأة لا أحبّها

لا أدري لماذا تتعب نفسك بمعرفة قصّتي، فقد مرّ عليها سنوات، وتقريبا يعرفها كلّ شخص يعرفني أو سمع بي في المدينة. قصّتي ليست بهذا التعقيد كما أنّها ليست بالشيء الغريب، بل أظنّ أنّ القصّة شائعة جدا جدا في ليبيا.

ولكن بالطبع لم يفعل كلّهم مثلما فعلتُ أنا، أنا نادمٌ والله لتردّدي وعدم إنهائي الأمر مبكرا، وأحمّل أهلي جزء من المسؤولية. والحمد لله أنّ الأمور بالنّسبة لي ولها، انتهت على خير؛ وإلا والله ما كنتُ لأسامح نفسي أبدا.

البعض يدعوني بالبطل والآخر بالنذل، وبعض أفراد عائلتي ظنّوا – ولا يزالون – أنّي مسحور. بل سمعت مرّة من ينشر أنّي صاحب ميول مختلفة، لماذا؟ لأنّي يا محترم ببساطة، تزوّجتُ امرأة لا أحبّها، ورفضت الدخول بها.

عندما بلغت 28 بدأ أهلي مثل أيّ أهل تقريبا في ليبيا، في الحديث معي تلميحا وتصريحا، حول ضرورة التفكير في الزواج، وعَرض بعض الخيارات وكأنّنا في سوق! في البداية لم ألتفت للأمر، لكن الأمر انتقل بعد ذلك إلى الضغط النفسي والإجبار خصوصا بعدما قرّر أخي الأكبر الزواج، فوجب الزواج عليّ، لأسباب اقتصاديّة، كما تعلم، فالتكاليف عالية.

هي قريبتي، ولا أجد فيها أبدا ما يعيب، ولكنّي ببساطة لا أحبّها، ولا أجد شيئا يجذبني نحوها، ولا أرى أيّ توافق فكري بيننا أو اهتمامات مشتركة، بل أعتبرها كأحد أفراد أسرتي، لمعرفتي بها منذ الصغر. وأخبرتها بذلك من أوّل يوم بعد الخطوبة.

أخبرتني أمّي أنّ الأمر عادي، وأخي سيتزوّج إحدى قريباتنا أيضا. حاولتُ التعالي على نفسي وجاريت أهلي، وطوال فترة الخطوبة ومن ثم الاستعداد للفرح، كانت عندي مخاوف، أنّي أرتكب خطأ في حق نفسي، وقبل ذلك، أرتكب خطأ كبيرا في حق هذه الإنسانة الطيّبة، التي لا أبادلها أيّة مشاعر.

لقد مررتُ بمعاناة نفسيّة وصراع داخلي لا أستطيع وصفه. كنتُ بين نارين؛ الجناية على هذه الإنسانة الطيّبة، سواء تزوّجتها أو رفضتها. حتى وصلتُ درجة لا أستطيع فيها المجاراة، وقرّرتُ ليلة عرسي، ألا أدخل. لم يعلم بذلك في البداية، إلا أهلنا. حدثت مشاكل عائليّة بسبب ذلك، ولأنّ الجميع كان يعلم منذ البداية أنّي لستُ راضيا بشكل كليّ، خفّف موجة العداء.

لا أريد الدخول في التفاصيل، ولكن الحمد لله، لطف الله بنا، أنا متزوّج منذ عامين، مع فتاة أحبّها، وأفخر أنّها ستكون أمّا لأولادي قريبا. أمّا قريبتي فقد تزوّجت في نفس عام مشكلتي معها، من شخص يبدو أنّه كان يحبّها منذ زمن. بصراحة لم أزرهم أو أرها منذ يوم فعلتي، حياء وخجلا مما فعلت.

نصيحتي للآباء والأمّهات: لا تهملوا الحب، الحب هو من يعمر البيوت الود هو ما يؤثثها، لا تستهينوا بقوة الحب على استدامة العلاقات، وطريق الإجبار نهايتها النار التي ستأكل الطرفين.

للمزيد حول هذه الظاهرة، طالع: الزواج الإجباري في ليبيا؛ حقٌّ ضائع وحياة تعيسة

صورة تظهر فيها يد ذكر تحمل الأصفاد تحاول تقييد يد أنثى - قصص عن الزواج الإجباري

خاتمة

هذه عيّنة فقط من قصص كثيرة لضحايا وناجي الزواج الإجباري في ليبيا، باختلاف مدنهم وتنوع جنسهم وتباين أسبابهم. الإجبار له وسائل متعدّدة مباشرة وغير مباشرة، كما أنّ له أسبابا متشابكة. علينا جميعا أن نضع أنفسنا مكان هؤلاء، لنعرف حجم الضّرر النفسي ونوع الحياة التي عليهم التعايش معها أو فيها. ويبقى المبدأ ثابتا #من_حقي_نختار

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (2)

  1. الحب هو أساس السعادة حتى التوحيد القائم على المحبة والاحترام والطمانينة يكون نهايته السعادة والوفق في الدنيا اما الغالب عليه الخوف والقهر والعين البصيرة واليد القصيرة والقلب المدمل من القضاء والقدر يكون نهايته مستشفى الفحيص في الدنيا وفي الاخرة مرفوع عنه القلم كنهاية الحاخام موشي المعتوه في فيلم الضيوف