هل يمكننا التعامل بشكل صحي مع خلافاتنا ؟ - Hunalibya
قصص واقعية article comment count is: 0

الخلافات الأسرية وتأثيرها في بناء الشخصية

في عصرنا الحالي نعيش متناقضات ومفاهيم قد تتضارب لتنعكس على علاقاتنا الأسرية، وتتسبب في الإضرار بها أحيانا أو تنميتها أحيانا أخرى، فالخلافات إذا تم التعامل معها بشكل صحي قد تكون مفيدة في تقوية العلاقات وبناء الشخصية.

العائلة الواحدة اليوم تضم أجيالا مختلفة لكل جيل منها سياقاته ومساراته وطرقه للعيش وحل ومتابعة المشاكل، ولكل منها التزاماته وأولوياته التي تتقاطع أحيانا أو تختلف أنماطها عن غيره.

هذه الاختلافات والتقاطعات لا نفهمها جميعا، وأحيانا لا نجيد التعامل معها حتى لو تفهمناها، وهنا مربط الفرس في العلاقات والخلافات الأسرية داخل العائلة الليبية.

فالجد والجدة في العائلات الكبيرة مثلا لا تروق لهم عادة حياة الأحفاد ونمط عيشهم، ويرون أن أبناءهم لم يحسنوا ضبطهم على القواعد بشكل حازم، ولا يفوتون فرصة للتعبير عن عدم رضاهم.

ويظهر ذلك في تعليق بجمل قصيرة، مع الوقت تصبح هذه الجمل والتقييمات من اللوازم المصاحبة لشخصيتهما في الأسرة، ولا ينظر لها بالكثير من الجدية، بل تتحول لنمط أو قالب أو صورة منطقية لهما.

الأب والأم قد تكون لهما ذات النظرة، ولكنهما يملكان سلطة أكثر من الجدة والجدة، فهما يملكان سلطة الإجبار أحيانا ولهما القدرة على الضغط بشكل مباشر أو غير مباشر على الأبناء من أجل التأثير على قراراتهم أو تغيير أنماط العيش التي قد لا تروق للوالدين.

أما الأبناء فهم يعيشون بشكل مختلف، ويرون أن الحياة أمامهم تفتح ذراعيها، وهم في رغبة دائمة لإظهار ما لديهم من قدرات وطاقات سلبية كانت أم إيجابية، ولكنهم أيضا يواجهون منظومة متكاملة من العيب والجائز وغير الجائز بحسب المفاهيم المجتمعية المليئة بالتناقض وأحيانا الغرابة.

هذا المشهد عام ولكنه لا يعتبر مدخلا واحدا للولوج إلى عالم الخلافات الأسرية، ففي الجيل الواحد ستجد الكثير من الاختلافات، وهي لاترتبط دوما باختلاف الثقافات أو السياقات المجتمعية، فلكل فرد أهواءه وانتماءاته وهويته الذاتية، التي لا يشترط أن تتشابه مع غيره وإن كان فردا في أسرته ويلاقي معه ذات التفاعلات والأحداث وتفاصيل المعيشة.

تقول س م وهي موظفة بإحدى المصالح الحكومية المحلية بسبها أن حياتها وتفاصيلها كانت دوما تحت المجهر، تخصص حديثها عن الملبس مثلا، فعندما كانت تعيش في منزل أسرتها كانت ترتدي القميص والبنطال والوشاح، وتخرج مع أشقائها أو والدها وهي بهذه الهيئة ولم يكن أي منهم يعترض، لكن بعد زواجها كان عليها أن ترتدي جلبابا أو عباءة، في ذات الوقت عندما تزوج أحد أشقائها فرض على زوجته إرتداء الجلباب او العباءة، مع إنه لم يكن يتحدث معها قبل الزواج في ذلك.

تبتسم س وهي تتحدث عن أول زيارة لبيت أهلها بعد الزواج وهي ترتدي الجلباب رمقتني أعينهم بالدهشة للمنظر الجديد، ولكنهم لم يركزوا في أن هذا اللباس لم يكن من اختياري“.

وأوضحت أنها لم تعترض وتكيفت مع الأمر، وهو ما لم يقع من زوجة أخيها الذي تزوج بعدها بثلاثة أشهر، تقول سلم تقبل أن تلتزم بالجلباب أو العباءة، وحين عارضت أخي استشهدت بزي بقية أخواتي وأنهن لا يرتدين الجلباب، وأن لباسهن كان مثل لباسها“.

هنا تظهر أحد المفاهيم المجتمعية التي تجعل اللباس علامة على المكانة الاجتماعية للمرأة، فالفتاة غير المتزوجة عند بعض العائلات لديها نمط معين في اللباس، وهو يختلف عن المرأة المتزوجة، التي يجب أن يكسوها الوقار والهيبة، الذيْن لا يمكن تصورهما إلا في الجلباب أو العباءة، تقول سشقيقي لم تقنعه حجة زوجته فيما يخص أخواتي، بل استشهد لها بحالتي وهي أنني كنت أرتدي زيا وغيرته عن طيب خاطر بناءا على طلب زوجي وأسرته“.

تكمل س حديثهاحين عدت للبيت يومها راودني تساؤل حول ما فعلته منذ تزوجت، وتساءلت لو طُلِبَ مني النقاب هل سأوافق، وهل يجب أن أكون وفق رغبات زوجي، فأنا لم أطلب منه أن يرتدي زيا معينا، ولا أمنعه من التعطر عند الخروج من المنزل، لم يخطر أصلا ببالي مثل هذه الطلبات، وأيقنت أن زوجة أخي كانت أكثر صدقا مني وأشد تشبثا بخصوصيتها وما تراه مناسبا لها.

ماعاشته س هو ذاته ما يفكر به الشاب محمد، والذي يقول لم أختر تخصصي الجامعي، كنت أحب أن أدرس التاريخ وتعلقت به منذ الصغر، كنت أشاهد المسلسلات التاريخية، واقرأ كتب التاريخ، ولكن والدي كان يريد أن يكون لنا طبيب في العائلة من أجل الوجاهة الاجتماعية“.

لم يدافع محمد عن حلمه في دراسة التاريخ، واستسلم لحجة والده بأن التاريخ من السهل تعلمه بالقراءة والمطالعة، ومارس عليه الضغط بفكرة أن رضا الوالدين هو ما سيبارك اختياره.

يقول محمد كانت فكرة الرضا قوية بما يكفي لتغيير موقفي ودخولي للطب، وأنا الآن في السنة الرابعة، ومدرك تماما أني لست في المكان الذي أردته، أجلس أحيانا وأواجه نفسي إلا أني أشعر بأن الأوان قد فات“.

علينا قبل كل شئ أن ندرك اختلاف ذواتنا، وإن تشابهت أو توحدت ظروف معيشتنا، فجميعنا نعاني تدني الخدمات وضعف المؤسسات التعليمية، وتدني الخدمة الصحية ومشاكل الأمن والسيولة النقدية وهموم الوقود والغاز والخبز وغيرها، ولكن مع ذلك تختلف طرق تعاملنا مع هذه الأزمات، وطرق معالجتنا لها.

وينطبق هذا على الأفكار والرؤى التي ينتهجها بعضنا، فتأثير التعليم والقراءة والاطلاع والسفر والمخالطة ليس واحد على الجميع، وبالتالي لن تتشكل ذات الأفكار وذات المعارف التراكمية لديهم جميعا بنفس القدر والكيفية والقدرات.

في الأسرة الواحدة عالم جميل من الاختلافات إن أحسنا استثماره سيكون مشهدا فسيفسائيا ممتعا، وإن نظرنا له بعين الفكر الجمعي فسيكون بؤرة للعديد من الخلافات والتباعد، فهل ندرك ذلك وننظر لعلاقاتنا الأسرية بشكل أكثر تفهما واستيعابا؟ ولا ضير في أن نلجأ لأهل الإختصاص من المرشدين النفسيين وأخصائيي مهارات التواصل، فالفائدة المرجوة تستحق أن نتعب لأجلها.

اترك تعليقاً