الخروج من دائرة الإساءة - Hunalibya
الأثر الخفي article comment count is: 7

العنف العاطفي لدى الأمهات: أهو حقًّا حُبّ يتّسم بالقسوة؟

بعكس العنف الجسديّ، فإنه من الصعب بمكان التعرف على مرتكبي أو الناجون من العنف العاطفي، والذي وإن شمل العنف اللفظي فإن دائرته تكون أكثر اتّساعاً، وأثره خفيّ، حتى أن مرتكبه والناجي منه قد يجهلان وقوعهما في محيط هذه الدائرة، خاصّة إذا كانت الدائرة ليست إلا علاقة بين الأم وأبنائها.

للأم في مجتمعاتنا الشرقية المحافظة صورة قُدسيّة، ملائكية، نمطية، تجعل من الصعب، بل من المؤلم عليها وعلى أبنائها تقبُّل فكرة وقوعها في أخطاء تربوية، أو الاعتراف بأنها أساءت عاطفياً، فذلك يأتي غالباً دون وعي، وأحياناً بحُسن نية أُسيء توجيهها في الاتجاه الصحيح، فيتم تجاهل الأثر السلبي الذي يخلفه العنف العاطفي في الأبناء، ويُساء بالتالي إلى المجتمع ككل.

تتبّع الأثر الخفيّ

قبول المجتمع لبعض التصرفات التربوية واعتبارها واجباً تربوياً يصعّب على الكثيرين التعرف على الإساءة التربوية؛ إذ لا تُدرك كثير من الأمهات أن ما يفعلنه خطأ بحق أبنائهنّ، بل تعتقد كثيرات منهنّ بأن هذا هو الأسلوب الصحيح: تربينا على ذلك ونحن بخير!”.

والشعور العام لدى الأبناء بالذنب من نقد تصرفات بعض الأمهات يدفعهم لتفسير العنف العاطفي بأنهحبٌّ يتّسم بالقسوة“! تشاركهم الأمهات هذه القناعة، والجدّات أيضاً، فيُغض الطرف عن الإساءة، وتستمرّ. 

وما يجري في الواقع أن الخلافات العائلية أمر وارد غير أننا نفقد القدرة على تمييز الخط الفاصل بين الخلاف العاديّ والعنف العاطفي.

ومن أبرز مظاهر هذا النوع من الإساءة: 

  • إقناع الطفل الدائم بأنه غير كافي وغير جدير بالثقة.
  • لومه باستمرار حيال كل المشاعر السلبية التي تشعر بها الأم
  • ربط الحب بطاعته وبأدائه لمهام معيّنة (حُبّ مشروط)
  • تهديده المستمر بالتخلّي عنه 
  • إطلاق ألقاب مسيئة على الطفل وإلصاقها به 
  • المقارنة بأقرانه أو إخوته

كيف تحولغير المقبولإلىمقبول؟

ولأن هذا النوع من العنف أو الإساءة ضدّ فطرة الأم، فإن له دوافع، تُصنّفها مفيدة القائد الأخصائية النفسية والمعالجة السلوكيّة إلى 3 فئات وفق مستوى وعي وتعليم الأم:

أولها الأمهات اللاتي تلقين نصف تعليم، وينبع تصرفهن حين يمارسن العنف العاطفي من جهلهن بمسمى ما يمارسنه وبأثره ونتائجه.

ثانيها الأمهات المتحصلات على مستوى عالٍ من التعليم، تقول مفيدة القائد بأن بعضهنّ يتزوجن تحت ضغط اجتماعي هرباً من لقبعانس، فتكون النتيجة غالباً زواجاً لا يرقى لتطلعاتها، تعيش حياتها متحسّرة عليه، وترى حسرتها متجسدة في أبنائها من ذاك الرجل!

ثالث هذه الفئات هي الأمهات اللاتي ورثن الهوية، كما يرث المجتمع ثقافته وعاداته، فتتحول أساليب التربية الموروثة إلى قوانين وثوابت لا حياد عنها، بحسناتها ومساوئها.

وتؤكد الأخصائية النفسية أن كل ما يدفع هذه الفئات بأنواعها للإساءة إلى أطفالها هو تعرضها لضغط ما، قد يكون اجتماعياً أو اقتصادياً.

توقعات ونتائج:

في استبيان مُصغّر تم إعداده خصيصاً لهنا ليبيا، ضمّ أكثر من 160 مشاركة، تم رصد إجابات المشاركين فيه من الأبناء حيال أسئلة أريد منها تقييم العلاقة مع الأم، ومدى ممارستها للسلوكيات المسيئة عاطفياً وتأثير ذلك على أبنائها. أكثر من 60% من المشاركين تراوحت أعمارهم بين 20 و30 عامًا، 77% منهم إناثًا.

كان أكثر من ثلث الإجابات تقريباً إيجابياً، والثلث سلبيّ،

– حيث أكّد 4 من بين كل 10 مشاركين أنهم تعرضوا للّوم على حزن أمهاتهم أو فقدانهنّ سعادتهنّ.

كما أن  4 من بين كل 10 مشاركين يتعرضون للمقارنة المستمرة مع أقرانهم او إخوتهم.

فيما أكّد 3 من بين كل 10 مشاركين إحساسهم بأن حب أمهاتهم مشروط بأفعال معيّنة كحصولهم على علامات ممتازة مثلا.

أما الإجابات التي جاءت في استطلاع لرأي المشاركين عن توقعاتهم بخصوص صحة علاقاتهم بأمهاتهم بناء على إجاباتهم السابقة، فقد تراوح معظمها بينالممتازةوالجيدة، وبعضها كان أكثر تحديدًا:

علاقتي بوالدتي علاقة مريحة ومبنية على الثقة والحوار. دائما داعمة لأي قرار مهما كان وعلاقتنا نشوف فيها أننا أصحاب“.

علاقة فوق الممتازة كنا قريبات جدا قطعة من الروح ومستودع أسراري دائمة فخورة بي في كل تجمع ومناسبة“.

المثير للانتباه كانت التوقعات السلبية بصورة بيّنة، على غرار:

أدرك تماماً أنها علاقة سامة، أو تكاد تكون مبنية على الابتزاز العاطفي والشعور بالذنب

علاقة حب مشروط. أثرت على قراراتي وشككتني بقدرتي على اتخاذ هذه القرارات

أمي أكثر شخص أقنعني إني مش كافية، والفكرة هذي تخزنت عندي لسنين وأثرت في أدائي الدراسي، رغم ذكائي وشغفي بالعلم وتفوقي الدائم

علاقة مُعقدة. أعرف أنها تحبني ولكن المشكلة أنها لا تفهمني، ومهما طال النقاش لا نصل إلى نتيجة والنهاية: ياريتني عقمت ولا جبتك

علاقة مبنية على الحذر من حزنها أو غضبها بمقابل مساندتها

الخروج من دائرة الإساءة

تبدو على الأطفال المعرضين لهذا النوع من العنف علامات كعدم الثقة في النفس، أو العدائية والتنمر على أقرانهم خارج البيت، أو محاولات إغاظة الأم بتعمد فعل يثير غضبها على سبيل المثال، وقد تستمر هذه المظاهر حتى نضوج الأبناء ووصولهم سن الشباب، وفي هذه الحالة يكون لديهم من الوعي ما يكفي لإيجاد حل لسلوكياتهم الناتجة من كونهم ضحية عنف عاطفي، وتقع عليهم مسؤولية الإمساك بزمام الأمور والمُضيّ قدُمًا في حياتهم، ولكن كيف يمكن لهذا أن يحدث دون أن يتعارض مع بر الأم؟

مفيدة القائد – أخصائية نفسية ومعالجة سلوكيّة

تجيب الأستاذة مفيدة القائد: أنصح دومًا كل من بأتيني حاملًا هذا العبء بأن يضع الأمر في ميزان القوة والضعف، فأمه في عمرها الكبير من الصعب عليها تغيير شخصيتها، بل يكاد يكون من المستحيل، وهي في نفس الوقت تفقد سيطرتها على أبنائها حين يكبرون، وهي بهذا الشكل في موقف الضعف، بينما للأبناء كفّة القوة، فهم أصحاب القرار“.

وتضيف “بإمكان الناجون من العنف تغيير دفة حياتهم والمستقبل أمامهم، والتعديل في سلوكياتهم والتعلم مما فات، وبإمكانهم أيضًا إعادة توجيه أفكارهم من السلب للإيجاب ناحية أمهاتهم. أنا أنصحهم بأن يفكروا مليًّا في الظروف التي مرت بها أمهاتهم، ومعرفة دوافعها لسلوك ذلك المسلك المسيء لأبنائها أو لبعضهم، ومن ثم اكتشاف ما يبرره، وإذا عُرف السبب صار بإمكان الأبناء أن يغفروا رغم صعوبة الأمر في بعض الحالات“.

ختامًا، إن إدراك أن الطريقة التي تعاملك والدتك بها غير صحية يمكن أن يساعدك على اتخاذ الخطوات المناسبة لاستعادة احترامك لذاتك، وربما يساعدك أيضًا في إيجاد طرق لتحسين علاقتك معها، ومثلما نهتم بمعالجة الكدمات والأضرار الجسدية، فإن الكدمات والنُّدب النفسية أولى بالعلاج والاهتمام.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (7)

  1. والدتي الله يرحمها كانت متعلمة وتزوجت والدي عن حب ،ولكن ..علاقتي بيها كانت سيئة ،عمري معاها ماحسيت اني كافية او جديرة بالثقة،كانت دائما تفضح اسراري عند الاقارب والكل له حق انه يتدخل في شخصيتي وتربيتي كل الناس بالنسبه لها كانو صح وتهمهم مصلحتي الا انا غلط

  2. مقال مفيد جدا غني بالمعلومات القيمة التي قد تحدث فرقا شاسا في الحالة النفسية والنمو النفسي للاطفال ومستقبلا اجيال بهمم عالية واستقرار نفسي ووعي سوي

  3. جميل جدا ومفيد …إلقاء الضو عالمشكلة والتحدت عنها مهم جدا لامهات المستقبل اقترح عمل ورش للطالبات فى المدارس وتوعيتهن

  4. اختي الفاضلة كوثر الجهمي أسوأ قرار في العالم الابوة والأمومة والزواج كذلك بدون استعداد فهي جحيم دنيوي مدمر ظاهره فيه الرحمة وباطنه فيه العذاب