لأكون جيداً أحتاج لأسرة جيدة - Huna Libya
توازنات الحب article comment count is: 0

من سمم الحب في بيتنا ؟

حين يصبح السلوك المسمم للعلاقة نمطاً سائداً وليس استثناءً، تتهدد العلاقة بوجود طرف يسعى لفرض سيطرته المطلقة، عبر أساليب واضحة تارة، أو بصيغ رمزية غير مباشرة.

وحيث أن العلاقات الإنسانية الصحيحة تقوم على أسس من الاحترام والحب المتبادل، والرعاية المشتركة، بالاضافة للقدرة على مشاركة القرارات لتصبح العلاقات آمنة ومستقرة.

فقد يعكر صفو هذه العلاقات انعدام الشعور بالأمان لتنشأ مكانها العلاقات السامة، التي تتمركز حول الذات، وفرض السيطرة والهيمنة من أحد الأطراف على الآخر.

علاقات أسرية سامة

وعلى الرغم من تأكيد أغلب النظم التربوية على أهمية الأسرة في تربية أبنائها ودورها في تكوين شخصياتهم، إلا أن الأسرة قد تكون أحياناً أحد البيئات التي تصدر العلاقات السامة.

أستاذ علم الاجتماع المساعد بجامعة عمر المختار عبدالكريم مصطفى يرى أن العلاقة المضطربة بين الأهل والأبناء نتجت في ليبيا خلال العشر سنوات الأخيرة بسبب ما يمر به المجتمع من أزمات إقتصادية وحروب وعنف، ما أثر بشكل مباشر على العلاقات بين الأسرة وأفرادها.

وبين مصطفى أن مبدأ الحوار داخل أغلب الأسر شبه معدوم، بسبب العنف المجتمعي وآلياته المختلفة المحيطة بالآباء والذي يصدرونه للأبناء دون دراية أو إدراك.

أستاذ علم الاجتماع بجامعة عمر المختار : د.عبدالكريم مصطفى

ما يخلق علاقة أسرية عنيفة تعتمد على القوة والتوبيخ في التعامل وحل المشكلات، بين الطرفين الذين يتعرضان بشكل يومي لأشكال جديدة ومختلفة من العنف داخل المجتمع الواحد.

عبدالله صالح 33 عاماً حدثنا عن علاقته بأبيه وأخيه الذي يكبره بعامين فقالأكره مناقشة أبي حول أي موضوع، وأتجنب محادثته، وأتعمد عدم الجلوس في ذات المكان الذي يجلس فيه، لا أطيق كلماته، فهي ذاتها التي كان ينعتني بها وأنا صغير عند سؤالي له عن أي شئ لا أفهمه“.

يكمل صالحيمدح والدي أخي محمد طوال الوقت، ويراه الذكي الناجح، حاولت كثيراً تجنب الإحساس السيء الذي أشعر به لكني لم أستطع، لا تزال كلمات توبيخه ترن في أذني، تشعرني بأني شخص فاشل، وأرى أن ردة فعلي في تجنبه طبيعية جدا“. 

توريث السمية

يؤكد استاذ علم الاجتماع عبد الكريم أن الأهل لا يتعمدون إيذاء أبنائهم، لكنهم يرثون أساليب التربية كما تعلّموها من أهاليهم، فيرسل الآباء أنماط العلاقات المضطربة ذاتها في العائلة الواحدة من جيل إلى آخر دون إدراك.

مبيناً أنه وفقا لدراسة أجريت عام 2016 في مدينة البيضاء إثر حدوث ظاهرة الانتحار في فئة المراهقين في المدينة من قبل فرق متخصصة في علم النفس والاجتماع، تبين أنه من ضمن الأسباب المؤدية لانتحار الشباب، هو شعورهم بفراغ عاطفي كبير مع عائلاتهم، بالاضافة لغياب تام لدور الأسرة في دعم أبنائها وتوجيههم وتربيتهم بشكل صحيح.

حيث سجلت المدينة في العام 2017 بشهر أبريل وحده 15 محاولة انتحار بين أطفال ومراهقين نجا بعضهم، امتداداً لظاهرة استمرت لأشهر طوال ذلك العام.

وللحد من العلاقات المضطربة بين الأهل والأبناء قالت ولاء عياد معلمة تربوية إن العلاقة المضطربة التي تنشئ بين الأهل والأبناء يمكن الحد منها بطرق بسيطة.

من خلال التعاطف مع الأبناء وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، ومساعدتهم على اتخاذ القرارات بشكل مستقل، واحترام خصوصية الأبناء وتعليمهم عدم التدخل في خصوصيات الغير واحترامها. 

وأضافت أن الأبناء يستقبلون ويحتفظون ببعض صفات أهلهم وسلوكياتهم وتصرفاتهم بشكل تلقائي، فالأهل هم المصدر الأول للتربية ونشأة الطفل، وهي التي تؤثر بشكل كبير في تنمية شخصيتهم وسلوكياتهم.

تصف نهال محمد 28 عاماً علاقتها بأهلها بــالجافة، فتقوللا ألتقي أهلي عادة إلا في وجبات الطعام اليومية، والتي أكون مجبرة على تناولها حتى ولو لم تكن لدي رغبة، تجبرنا أمي على فعل كل ماتريده هي، لا ما نريده نحن“.

وتجد نهال نفسها مضطرة لمقارنة حياتها بحياة أقرانها فتقولأمي أكثر قسوة من أمهات صديقاتي، تعنفني أنا وأخوتي حتى على سكب الماء على الأرض، رغم إننا كبرنا على مثل تلك التوبيخات المؤلمة“.

سمية من الأبناء

من جانبها قالت الأخصائية الاجتماعية فوزية بوعزة أنه في بعض الأحيان يمارس الأبناء عامة والمراهقين بصفة خاصة العنف والسمية تجاه آبائهم كردة فعل للعنف الذي تعرضوا له خلال طفولتهم، أو لغياب الترشيد والنصح من الأهل للأبناء خلال التربية في المراحل العمرية باختلافها.

تضيف الأخصائية الاجتماعيةيوجه الأبناء الإساءة لآبائهم أيضاً، وتكون في شكل تعنيف نفسي أو لفظي، وتحدث بسبب تراكم آثار نفسية سيئة في نفوس الأبناء ما يؤثر على سلوكياتهم تجاه أهلهم ومجتمعهم“.

ويكمن الحل برأي الاخصائية فوزية باتباع الوالدين وسيلة الحوار والنصح والترشيد لمعالجة أخطاء أبنائهم بعيداً عن التوبيخ والتعنيف الجسدي.

وقد أكد استاذ علم الاجتماع عبدالكريم أن دراسة ميدانية شملت عدداً من الأخصائيين الاجتماعيين بمدينة البيضاء سنة 2016، بينت أن حوالي 87 % من المستهدفين من الدراسة رجحوا أن النصح والإرشاد أكثر الأساليب نجاحاً في ضبط وتقويم سلوك الأبناء وتحسين علاقتهم بأهلهم.  

ويقترح الأستاذ عبد الكريم عدة طرق للحد من العلاقات المضطربة بين الأهل والأبناء، أهمها التحاور مع الأبناء وعدم تعنيفهم واحتواء الوالدين لخلافاتهم الزوجية وحلها بهدوء، مع مراعاة توفير احتياجات الأبناء المادية والمعنوية والتي يؤثر نقصها حتماً على سلوكهم مستقبلا.

بالإضافة لمتابعة الأبناء في مؤسساتهم التعليمية، والمساواة في المعاملة بين الأبناء وعدم تهميشهم، وتعليمهم القيم التي تحث على التعاون والعطاء وحب الخير .

التكنولوجيا والعلاقات الاسرية

وعن دور التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في التأثير على العلاقة بين الأهل والأبناء أوضح الأستاذ عبدالكريم أن وسائل التواصل الاجتماعي قد طورت بالفعل علاقات الآباء بأبنائهم.

إذ جعلت التكنولوجيا الأبناء أكثر إنفتاحاً على حياة أقرانهم في أماكن أخرى أكثر تقدماً في العالم، ما عزز معرفتهم بالحقوق والقوانين الموضوعة لحمايتهم داخل مجتمعاتهم وحتى داخل أسرهم.

هذه المعرفة التي اكتسبها الأبناء بفضل التكنولوجيا تجعلهم يشعرون بالظلم، مايدفعهم لارتكاب أفعال مبالغ فيها أحيانا، قد تقابل بإسكاتهم وعدم التحاور معهم واستخدام القوة.

في حين أن واجب الآباء يحتم عليهم تفهم احتياجات أبنائهم ورغباتهم والتي تتغير بتغير الزمن والظروف وبتطور المجتمعات والعالم.

وتظل مسؤولية حفظ التوازن في العلاقات الأسرية مسؤولية متبادلة ومشتركة بين الأبناء والآباء، على الرغم من تحمل الوالدين العبء الأكبر من هذه المسؤولية.

اترك تعليقاً