منع الحمل أيضًا لا يتعارض مع الإيمان بقسمة الأرزاق - Huna Libya
الرزق الموعود article comment count is: 6

“يجي ورزقه معاه”.. ماذا إن حِيل بينه وبين رزقه؟

يعتقد أحدهم –نتيجة سوء فهم- بأنّه موعودٌ بمصدر دخلٍ جديد سيهبط عليه من السّماء، مع كلّ شهادة ميلاد جديدة تُضاف إلى كتيّب العائلة الخاصّ به، فيكثر من النّسل رغم فقره أو عدم أهليّته.

لاحقا، يستنجد طالبًا العون والمساعدة من الدولة أو من فاعلي الخير، فهو بلا راتب منذ 8 أشهر، ولديه 10 أطفال لا يجد لهم مكانًا يُؤويهم، او لقمة تسدّ جوعهم، فأين ذهب رزقهم؟

لا أحد يجرؤ على طرح السؤال، خوفًا من اتّهامه بالكفر، ولا أحد يجرؤ على نصحه بالتريّث واللجوء لعملية تنظيم النسل/الأسرة كي لا يُتّهم بضعف إيمانه بقسمة الأرزاق.

من وسائل منع الحمل

ليس التنظيم قطعا للنسل، ولا قتلا للأولاد

ما لا يدركه كثير منّا، أنه ثمّة فرق بين مصطلح “تنظيم النّسل” و”تحديد النّسل“.

تنظيم النّسل عمليّة فردية يقرر فيها الشريكان –باتفاقٍ ورضا- التوقّف عن الإنجاب؛ لأسباب شخصيّة؛ لدفع أضرار مُحققة دون تحقيق العقم الكامل.

وهو ليس بالأمر المُستجدّ أو المستورد، فهو موجودٌ لدى الأمم قديمًا، والعرب من بينهم (حتى قبل الإسلام واستمرّ بعده) إذْ وُجد ما دلّ على تطبيقه.

وقد سُمّي عند العرب “العزل” بدلًا من التنظيم كما هو شائع لدينا اليوم. ولم يُعتبر العزل/التنظيم عبر التاريخ وأدًا أو قتلا لسبب بسيط؛ وهو عدم حدوث تلقيح من الأساس، والجناية لا تكون إلا على كائن حيّ، لا على فكرة!

أما تحديد النسل فهو سياسة عامّة تتبنّاها الدولة أو ما في حكمها لمنع الحمل دون موافقة أصحاب الشأن، بل يُفرض عليهم قانونًا، وذلك بإلزامهم عددا معيّنا من الأطفال. وهو دعوة لقيتْ رواجًا في أوروبا إبان الثورة الصناعية، وتم تبنّيها من عدة دول، ويُنادى بها في دول أخرى حتى يومنا هذا.

وحديثنا في هذا المقال يندرج تحت التنظيم لا التحديد، لماذا كثير منّا يحتاجه؟ ومتى علينا اللجوء إليه؟

مراجيح فارغة

نعم، ثمة أطفال يموتون تحت الميزاب

قال بعض الحكماء عندنا قديمًا: “تعال تحت الميزاب وقول الحال حال الله“. وفي الثقافات الأخرى ما يرادف هذا المثل؛ لكنّها حكمة لا تجد آذانًا مُصغية، أو أفهامًا متفتحة.

فكثير من البشر يُصرّون على الوقوف بأطفالهم تحت الميزاب، في ليالي الشتاء، ظانّين أن صلواتهم وحدها ستكفي لإيقاف شلال المياه، أو لإحضار مظلّة تقيهم منه، أو ربما لتغيير موقع الميزاب عوضًا عن أن يغيروا هم مواقعهم!

بسبب هؤلاء؛ يموت ملايين الأطفال جوعًا، ويُعاني الملايين من التقزّم بسبب سوء تغذيتهم أو تغذية أمهاتهم أثناء حملهن بهم، مما يؤثر على صحتهم وبالتالي على تحصيلهم العلمي، حياتهم وعملهم، وبالتالي على ذريتهم التي ستعاني تباعًا من التقزم!

بسبب هؤلاء؛ يعمل ملايين الأطفال حول العالم في ظروف مأساوية لإعالة أُسرهم ويُحرمون من حقّهم في التعليم، أو يلتحق آخرون للطريق الأسهل والأقرب للموت؛ بانضمامهم للميليشيات المسلحة في الدول التي تعاني من نزاعات وحروب.

تموت ملايين النساء بسبب الولادات القريبة المتكررة، وسوء الأنظمة الصّحّية في التعامل مع الولادات، أو بسبب كونهنّ مراهقاتٍ، وهنّ في أفضل الأحوال يعانين من تدهور صحتهن وصحة مواليدهنّ.

بإمكان المهتمّ الاطّلاع عن قرب على كل هذا بالأرقام عبر التقارير السنوية لمنظمة اليونيسيف المُتاحة على شبكة الإنترنت. كلّ هذا الحرمان الذي يُعانيه الأطفال حول العالم، لا تتحمّل الدول والمنظمات الإنسانية أعباءه بقدر ما يتحمّلها الوالدان.

ولعلّ أوّل خطوة في طريق تحمّلهما المسؤولية هو وعيهم بحجمها، أما توفير هذا الوعي وتمهيده للأبوين فهو مسؤولية المجتمع، وهو ما يحاول هذا المقال إضافته.

أم حامل خلفها شريك حياتها ويمسكون في زيديهم حذاء طفل صغير

اختبر أهليّتك قبل قرار الإنجاب

ولكن دعنا عزيزي القارئ نعرف: أيَصْلُح الإنجاب بنا جميعًا من الأساس أَم لا؟

هذا السؤال لمصلحة المولود لا لمصلحة الوالد، فإن كان الزواج في حد ذاته يخضع لشروط وضوابط؛ فما بالك بجلب إنسان جديد إلى هذا العالم؟ هل تأهّلك للزواج يعني ضمنيًّا تأهلك لإحضار طفل آخر؟ ما الفرق!؟

لفرق أن الجناية التي قد يرضاها البالغ في نفسه، ليس لأيّ طفل في العالم ذنب تحمّلها وقبولها.

فالطفل غير مسؤول مثلًا عن:

  1. انعدام الوعي والتعلّم: فما يحتاجه الطفل بعد ولادته ليس طعامًا وفراشًا وحسب، بل يحتاج إلى الوعي والإدراك التّام من أبويه بوسائل وأسباب المنع إن وُجدتْ، وإلى بيئة صحيّة نفسيًّا ومادّيًّا، ووَسَطٍ أُسري يوفّر له الأمن والطمأنينة، وبيئة تضمن له الحصول على حقّه الطبيعي في التعليم والعناية الطبية.
  2. عدم تحمّل المسؤولية: الأولى بالمُقبل على الزواج أن يكون ذا حِسٍّ عالٍ بالمسؤولية، متمتّعًا بكامل قواه العقلية، فما بالك بالمقبلين على الأبوة والأمومة. ليس من الصحيح أن يُزوّج الرّجل مثلًا بحجّة “بالك يعقل”.
  3. عدم القدرة على التربية: فليس كل من يملك القدرة على التناسل بقادر على التربية، التناسل فعل حيويّ، والعناية الأوّلية بالمولود ردّ فعل طبيعي للوالد والوالدة، أمّا فعل الأمومة أو الأبوّة الذي يستوجب التربية السليمة فهما ما يُفرّق بين الإنسان والحيوان.

صورة أب يحمل بين يديه ابنه المولود حديثا

متى يصبح التنظيم ضرورة؟

الأصل في الزواج تكوين أسرة لمن يجد في نفسه الأهليّة لذلك، والنسل واحد من أهم مقاصد الزواج، هذه طبيعة النفس البشرية، ومادام الأصل هو الإنجاب، فإن تنظيمه (منعه المؤقت) يكون بناءً على أسباب وظروف، إن زالت زال معها المنع،

من أهمّ هذه الأسباب:

  1. إذا كانت الأم مُرضعة.
  2. أن يكون في كثرة الأولاد إرهاق للأسرة وتشتيتها، ووقوع ربّها في المحظور مادّيًّا، كقبوله الرشوة أو السرقة لإعالتهم.
  3. الخشية من تدهور صحة الأم الجسديّة أو على حياتها، إذا عُرف بوجود خطر بالتجربة أو من طبيب.
  4. إن كانت الأم تعاني إرهاقًا نفسيًّا بسبب تعدد الأبناء، وعدم تقبّلها لحَبَلٍ جديد وطفل آخر، إذ لا يجوز إجبارها حتى ترضى وتستعيد عافيتها.
  5. الخشية من ألا يأخذ كل طفل حقه من الحنان والتربية ولهفة الاستقبال.
  6. وجود مرض مُعدٍ عند الزوجين، أحدهما أو كلاهما.

صورة طفل صغير

حين تنتهي حلول الأرض

خِتامًا، يجدر الذكر بأن منع الحمل لا يتعارض مع القَدَر، إذ قد يحصل الحمل رغم الموانع الطبية المعروفة، حينها يمكننا مواساة أنفسنا بأن رزقه (المادّيّ والمعنويّ) آتٍ معه لا محالة، واعتباره هديّة لا يمكننا رفضها.

منع الحمل أيضًا لا يتعارض مع الإيمان بقسمة الأرزاق؛ ولكن ليس ثمّة عصفورة تبيض قبل إعداد العُشّ بالصّفة التي تُناسب فراخها، ولم نسمع بها تنتظر رزقهم بينهم في العُشّ.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (6)

  1. وستجد بعض الناس حتى لو ألفت لهم كتب سيقول لك نفس الفكرة الخاطئة الخاصه به ويصر على أن الطفل يعيش عيشة لا ترتقى لمستوى معيشة الاطفال حول العالم

  2. شكرا لك سيدة كوثر على هذا المقال.
    الحقيقة أن معظم الأزواج خصوصا الشباب منهم لا يفقهون أهمية هذه الفكرة، فالخطوة الأولى بعد العرس هي الحمل، دون النظر لأهليتهم لتحمل مسولية هذا الطفل نفسيا وعقليا ثم ماديا!
    لامستِ فكرة مهمة جدا ومحل جدل، أرجوا أن يصل صوتك للمقبلين وللمتزوجين.

  3. اختي الفاضلة كوثر الجهمي للأسف النزعة الارادوية هي سبب أساسي للدمار في كل مستويات الحياة سواء في السياسة او الأيديولوجيا او بناء اسرة او علاج مرض

  4. الدغمائية والارادوية والتطرف الطفولي المتهور كلها أمور لم تدمر الفكر العلمي الجدلي فقط بل حتى أمور الانسان على مستوى شخصي