قرار الإنجاب كلّي للوالدين، ويجب أن يتم بشكل عقلاني ومشترك وتوافق بينهما مع تخطيط مُسبَق - Huna Libya
قرار مصيري article comment count is: 6

لماذا لم أنجب طفلا بعد؟

منذ أوّل شهر من زواجي؛ تلّقيتُ سؤالا لم أتمكّن من الإجابة عنه، فمنذ طفولتي تعلّمتُ ألّا أتدخل في خصوصيّات الآخرين أو الذي يفعلونه في حياتهم، حتى وإن كانوا أقرب أقربائي. وهو خيار – كما يبدو – سأندم عليه، فيما تبقّى من حياتي.

كان السؤالُ متكوّنا من 4 كلمات فقط: “مافيش حاجة في الطريق؟”

بعد ذلك، تكرّر هذا السؤال، ومع مُضيّ الأيّام على زواجي ازداد حِدّة وشِدّة، وأصبح يُواجهني أينما ولّيتُ وجهي، حتى إنّني وجدته ذات مرّة في خانة كتابة المنشورات على الفيسبوك بدلاً من سؤال “بماذا تفكر؟”. قرّرتُ عندها أن أحارب السؤال بالإجابة عنه ولتكن إجابتي “لا لم أقرّر بعد ذلك“.

وكما كلّ حماقاتي التي ارتكبتها، عرفتُ أنّ هذه الإجابة بالذات غير مستحبّة لدى مجتمعي، فدخلتُ في نقاشاتٍ طويلة وعقيمة مع أقارب وضعتهم في القائمة البُنّية. ولهذا قرّرتُ كتابة هذا المقال، وإرساله لكلّ من يسألني “مفيش حاجة في الطريق، وعلاش“.

شاب يبدو محاصرا، وحوله مجموعة من الأصابع تشير إليه - قرار الإنجاب

لمن القرار اليوم؟

في البدء، أريد التأكيد على أنّ قرار الإنجاب سواء من حيث الفعل أو العدد أو التوقيت؛ هو أمرٌ خاص جدّا، ولا يحِقّ لأي إنسان أن يتدخّل فيه، حتى أقرب النّاس، وإن كان بحسن نيّة.

قرار الإنجاب يتعلّق بالخصوصية الفردية والاستقلال التامّ للزوجين، كما يكفله نظريّا القانون والعُرف الدولي، بل حتى الدين يحمي هذه الخصوصيّة، في إطارها العام بالنهي عن “التدخّل فيما لا يعنيك” والخاص بالحثّ على ضرورة الحفاظ على خصوصيّة الزوجين وقرارتهما وما يجري بينهما.

ولكن عمليّا، وبحكم طبيعة التركيبة الاجتماعيّة، وسطوة العرف، وتسلّط العادات، أصبح البدهيُّ غامضا، ومحلّ نظر. ما قد يجعلني مضطرّا لتوضيح الواضحات.

خصوصا لأولئك الذين لا تهمّهم خصوصيّة غيرهم، من ذلك النوع الجالسين على ركابات الشوارع؛ حاملين كرّاستهم الثقيلة، يقيّدون فيها متى ومع من وكيف ذهب فلان وعِلان، وبماذا يفكّرون، وما الذي يفعلونه، وكم جمعوا من ثروة.

امرأة تمسك جوارب أطفال وفي عينها رغبة الإنجاب ورجل يمسك مرضعة وفي عينيه الارتياب

المسؤولية والعقلانية

قرار إنجاب الأطفال يجب أن يكون قرارا عقلانيا، بعيدا عن العاطفة؛ فله من العقبات التي قد تحكم حياة إنسان آخر، وعلى الأب والأم تحمّل مسؤولية هذه العقبات.

ولأننا لم نولد بهذه المسؤولية فِطريّا، خصوصا في مجتمعنا؛ فعلى الزوجيْن أن يأخذا وقتهما الكافي للنضج العقلي، ودراسة قرار الإنجاب وتحليل كافة سياقاته وظروفه، دون عجلة، أو استسلام لضغوطات.

والأهم أن يكون وقت هذا النّضج العقليّ، خارج بيت الأهل، حيث إنّ ذلك في الغالب؛ فرصتهما الوحيدة لذلك، وأن يتعلّما أوّلا مبادئ الاقتصاد وقواعد بناء أسس الأسرة، وتعلّم العيش سويا، مهما كلّف ذلك من وقت، قبل أن يقرّرا، وبشكل مشترك، الوقت المناسب لإنجاب الأطفال.

ولأنني وزوجتي العزيزة، عِشنا أكثر من ربع قرن كجُزء من عائلة أخرى، خالييْن بشكل كبير من الكثير من المسؤوليات العائلية؛ لذا قررنا أنّ نتعلّم الحياة من جديد، قبل اتخاذ قرار الإنجاب، وهو قرارٌ في رأيي، على الجميع اتباعه.

أيضا، الزواج في مجتمعنا؛ مُقامرة. هُناك العديد من المخاطر والتحديات، على مختلف المستويات، ستواجه الشريكيْن؛ نفسيّا واجتماعيا واقتصاديّا وجسديّا وعاطفيّا، ما يعني، وبكلّ واقعيّة، أنّ هناك احتماليّة (نسبتها كبيرة في ظرفنا الحالي) أنّ الزواج قد ينتهي، ومن المؤسف أن يأتي طفل إلى منزل لم يتعلّم فيه والداه أن يكونا مستقلّيْن أو أن يتعايشا معا.

تنظيم الأسرة، التوازن الاقتصادي - قرار الإنجاب

التربية والبيئة الصحية

لأنّي متصل بالمجتمع المحيط بي، وأعي تماما ما الذي يمرّ به الأقرباء والأصدقاء، عند إنجابهم لطفل في العام الأول من الزواج؛ يمكنني القول إنّ الكثير من الأزواج، يُنجبون الأطفال، لإثبات الفحولة، أو التفاخر، أو رغبة في الإنجاب في حدّ ذاته، مع غياب تامّ لأيّ خطة مستقبلية لحياة هذا الطفل.

الطفل مشروعٌ حيّ، طويل المدى، يجب أن يُؤخذ قرار إنجابه بجديّة قصوى ودون استهانة، وبعد نقاش مُستفيض من الزوجين، خصوصا قضايا كيفية تربيته، التخطيط لمراحل حياته الأولى التي سيعتمد فيها عليهما (ولو بوضع خطوط عريضة فقط) حتى يأتي أوان استقلاله ماديا، معنويا، نفسياً وعاطفياً عن أبويه.

في تقديري، الطريقة القديمة للإنجاب والتربية لم تعد مُجدية في عصرنا؛ فالتحديات عديدة ومختلفة، ويجب خلق بيئة صحيّة للطفل قبل قدومه، هذه البيئة الملائمة قد يصعب توفيرها في الأعوام الأولى من الزواج؛ نظراً لطبيعة سنة أولى زواج وتحدّياتها.

أقول بيئة صحية ملائمة ما أمكن، ولا أتجاهل الظروف التي تعيشها ليبيا، من حرب أهليّة، وأزمات اقتصاديّة وتعليميّة واجتماعية ونفسية وصحية، مع انهيار لقطاع الخدمات، وغيرها من الأزمات التي تواجه المجتمع ومؤسسات الدولة، والتي توجب بشكل أكبر التريّث في إنجاب طفل وسط هذه الظروف، ودراسة قرار ذلك باستفاضة.

وبصفتي شابّا في نهاية عقدي الثالث (وزوجتي العزيزة، كذلك) لم نتمكّن بعد من خلق بيئة صحيّة ملائمة لأنفسنا، فما بالك لحياة تمشي وتتنفس وتتحدث، ولا سند لها إلا نحن؟

الحرب في ليبيا

الأمر لا يتعلق بالطفولة

إنّ أصعب مراحل التربية ليست الطفولة، بل مرحلة الطفولة – رغم أهميّتها ومحوريّتها، أسهل تلك المراحل. اضطراب ساعات نوم الوالدين والتعب والإرهاق الذي سينهال عليهما في بداية حياة طفلهما، لا يُعدّ تحديا، أمام حياته اللاحقة، ابتداءً من سن 12 على أقل تقدير.

شخصيا، لا أخشى التعامل مع الأطفال في سِنّهم الصغيرة، رغم حجم المسؤولية، إذ يمكنك وضع أسس تشكيلهم كما تشاء. سيكون الطفل في هذه السنّ متأثرا بالوالدين بدرجة كبيرة، يربّيانه كما يريدان؛ إذا ما استثنينا طبعا، تأثير عائلتيْ الشريكين، وهو تأثير كبير لا يمكن إلغاؤه كليّا.

لكن يمكن لكل شيء أن يتغير عند وصول الأطفال مرحلة المراهقة، هذه السنوات تحتاج استراتيجية مختلفة يجب على الشريكيْن قبل التفكير في الإنجاب الإلمام بها والاستعداد لها. وهي استراتيجية تحتاج وقتاً لكي تنضج.

قرار الإنجاب يجب ألّا يكون عبثياً، بل مبنياً على أسس قوية ينضج فيها الشريكان أولا.

زوجة تهمس في أذن شريكها، وعلى مقربة منهم امرأة تسترق السمع

الخصوصية

كما كانت الخصوصيّة، السبب الأهم والمنطقيّ (نظريّا) للرد على أيّ شخص يُمكنه أن يتدخّل في قرار مصيريّ مثل قرار الإنجاب، دون الحاجة إلى الولوج لأيّة أسباب أخرى، فإنّه في الوقت نفسه، على الشريكين أن يوفّرا مناخاً من الخصوصية في تربية أطفالهما.

هذا المناخ لا يمكن الوصول إليه دون الاستقلال المادي والمعنوي التام عن العائلة؛ سواء الصغرى أو الكبرى (المجتمع). فعلى الوالديْن تربية طفلهما بطريقتهما الخاصّة، وبشكل مستقلّ، وفق المبادئ التي يتفقان عليها.

ونظرا للظروف الاقتصادية، سيكون هذا الاستقلال صعباً، وربّما بعيد المنال بالنسبة لي، ولكن يجب أن يكون هدفا للشريكين. فاستقلاليّتهما تمكنهما من امتلاك زمام خصوصيّتهما وخصوصية طفلهما، وبالتالي التحكّم في طريقة تربيته. مسرفٌ في حقِ أطفاله من أراد لوالديه أو والديْ زوجته أن يربوهم.

وأخيراً وكما سبق وقلتُ، يبقى قرار الإنجاب قرارا للوالدين كلّيا، ويجب أن يتمّ بشكل عقلاني ومشترك وتوافق بينهما مع تخطيط مُسبَق، ولا وجود لأية مسوّغات طبية، اجتماعية، اقتصادية أو دينية تجعلهما يُسرعان في ذلك أو يؤجّلانه، فهو أمر شخصيٌّ تماما.

رجل كبير في السن (الأب) يتحدث مع ابنه (متزوج)

في الختام صديقي العزيز أو غير العزيز؛ الذي سيقرأ هذا المقال، بعد أن أرسلته له: هذه هواجسي، ورؤيتي تجاه أحد القرارات المصيريّة في حياة الإنسان؛ قرار إنجاب إنسان آخر على الكوكب.

فآمل منك قراءتها والتمعّن فيها، وتفهّم موقفي واحترام خصوصيّتي، لعلّي أشهد يوما واحدا في حياتي يمرّ، من غير أن يسألني أحدهم “شنو منو، مفيش حاجة في الطريق!

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (6)

  1. المثل الليبي يقول”ما يكبر رأس لين يشيب رأس”. كلامك عقلان، منطقي وراكز. للأسف مجتمعنا عنده اسباب كثيرة للحث للإنجاب ولكنها كثيرا ما تكون خاطئة. اول نصيحة تعطى للعروس يقولولها اربطيه. والناس تزوج بناتها وابنائها من غير ما تعدهم للحياة الزوجية. يجوزوا الاولاد باش “يركز ويعقل” اذا هو مش راكز ومش عاقل بتخلوه يجيب انسان اخر للحياة ويزوده بخبرته؟ الله المستعان

  2. هل تأذن لي بإستخدام مقالتك لنفس السبب ؟
    مر علي زواجنا ستة أعوام تقريبا ، ومازلت وزوجي لم نقرر الإنجاب ، في العام الأول كنت أشرح الأسباب وأن قرار الإنجاب ليس بالأمر السهل إلي أن صفعني بعض الحشريين بكلمات صاعقة ك( انت مش واثقة في راجلك هذا علاش ماتبيش منه صغار ، وعلاش متزوجة امالا ، توا نزوجه بنتي وتجيبله الصغار ) بالرغم من أنهم يعلمون جيدا ان القرار مشترك بيننا ، فالأمر كان مرهقا ومتعبا جدا
    بعد ذلك إتخذت قرار عدم المسايرة وبت أرد علي الكلمة بعشر كلمات وأوضح أن الأمر لا يعنيهم وأننا نحن من سينحب ويربي ويصرف ويعلم ووووو
    والآن بت أتجاهل السؤال وكأنني لا أسمعه
    ويستر الله من المرحلة القادمة 😅

  3. بعد عشر شهور من زواجي سألتني احد الاقارب من بعيد. هل انت حامل؟
    فقلت لا.
    و اذا بها خيمة حزينة علي وجهعا و التفتت و قالت لي ان شاء الله خير و خلاص 😲😲