تقع فترة المراهقة بين مرحلتين أكثر ثباتًا الطفولة والرشد - Huna Libya
في بيتنا مراهق article comment count is: 1

جناح غير منكسر، عن مرحلة المراهقة وتشكيل الكيان

“هذا ما يفكّر فيه الجميع: أنا لا أنتمي إلى هنا. هذا ما يقوله كل فردٍ منهم بينه وبين نفسه… هم محقون، وماذا بعد؟”

في غمرة الحديث تُخفض السيّدة (إ.ب) صوتها وتهمس خِشية أن تسمعها ابنتها ذات 14 ربيعًا وتقول: ” في وقتنا كان كلّ شيء مختلفا، جيل توّا واعر بكل، ومتمرد ويبي يفرض سلطته ورأيه علينا في كل شيء؛ احنى قبل، أيّ حاجة يقولها والدي أو والدتي تنسمع وتتنفّذ من غير نقاش!”

تؤمن السيدة (إ.ب) كما يفعل العديد من الناس، والآباء على وجه الخصوص؛ أن مرحلة المراهقة ما هي إلا فترةٌ عاصفة في حياة الفرد، وبوّابة عظيمة للتحوّل إلى إنسان راشد مستوفٍ شروط الوعي؛ ولكن قد يغيب عن البعض منهم، الكمّ المستحق من الأساسيات السليمة والبيئة المناسبة لهذا العبور الكبير.

زجاج مكسور - مرحلة المراهقة

عن أكثر الفترات توترًا

تقع مرحلة المراهقة بين مرحلتين أكثر ثباتًا؛ فهي تتأرجح بين مرحلة الطفولة ومرحلة الرشد؛ إذ يدرك الإنسان فيها أنه قد انفصل عن عالم الأطفال ولكن دون أن يكون في مقدوره التصرّف تمامًا كالكبار، سواء من نواحٍ اجتماعيّة أو اقتصاديّة.

يكون مقدار التشتّت أكبر لدى الفئة التي لم يتمّ إعدادها نفسيًا أو معرفيًا بالشكل الكافي، قبيل الدخول في هذه المرحلة الحسّاسة، فمع بداية التغيير الفسيولوجي (الجسماني) والنفسي تبدأ فورة الهرمونات في تسلّم دفة القيادة.

تبعا لذلك، تتغيّر أفكاره، وميوله وتتعدّل/تتشكّل كثيرٌ من اتجاهاته، ويتبع ذلك ميلٌ للتحرر من سلطة الكبار إلى الاستقلال بكيانه وشؤونه الخاصّة التي لا تخضع لرأي غيره ممّن هم أكبر سنًا كإثباتٍ لكينونته، ومحاولة لتثبيت موضع قدمه في مرحلته الجديدة من حياته التي تخضع لسلطته فقط.

فتاتان تتمشّيان جنبا إلى جنب في حديقة

الديناميكيّة النفسيّة

يرى البروفيسور وعالم النفس “هاجهرست أنّ لمرحلة المراهقة مطالب أو مهام معينة قد يفصح عنها المراهق أو قد لا يفعل، كي ينمو نموًا سليمًا.

كما يرى أيضا، أنّ مُسايرة الآباء لهذه المطالب يسهّل نمو الفرد ويجعل عبور هذه المرحلة أكثر سهولة، ومن دون أيّ تصدّعات في هُويّته أو أيّ من أجزائها.

وفيما يتعلق بهذه المطالب، يعتقد هافجهرست أن رغبة المراهق في تحقيق علاقات جديدة وأكثر نضجًا من رفقاء السن من الجنسين من أكبر المطالب وأهمها.

كما أن إيجاد الدور الملائم اجتماعيًا يُعدّ أكثر المطالب تعقيدًا، خاصة بالنسبة للمجتمعات المغلقة، والتي تتبع نظامًا أو تقليدًا معينًا لكل جنس من دون طرح لأكبر عدد ممكن من الخيارات، أو إتاحة المجال له؛ لاتّخاذ الدور الأكثر ملاءمة لهُويّة الفرد في هذه المجتمعات.

الإصرار على تحقيق الاستقلال العاطفي أو المادي يشكّل أيضًا صراعًا شاقًا لسببين؛ يقع أولها على الوالدين في الظن منهم أن طفلهم المدلّل بدأ يخرج عن سلطتهم بالتمرد على قراراتهم وآرائهم. وثانيهما يقع على الابن في هذه المرحلة الحرجة، بتجاوز مرحلة الطفولة لمرحلة مختلفة أكثر مسؤولية؛ وهو ما يجب على الآباء قبوله والتماهي معه لتسهيل هذه الفترة عليه.

د. يُسرى عمّار
د. يُسرى عمّار – اختصاصيّة في الطبّ النفسي

مراقبة عن كثب

في مقابلة مع الاختصاصيّة النفسية د.يسرى عمار وسؤالها: حول ما إذا كانت علاقة الفرد بوالديه في مرحلة المراهقة تساهم في تكوينه وتؤثر على شخصيّته، أجابت:

“مرحلة المراهقة تعتبر من أكبر الفترات رعبًا بالنسبة للوالدين؛ لأنهما سيكونان على وشك اكتشاف شخصيّة جديدة في ابنهما لم يألفاها من قبل، أو ربما تكون نسخة مصغّرة عن أحد الوالدين في فترة مراهقته، ولكن في زمن وشكل مختلف تمامًا”

هكذا بدأت د. يُسرى حديثها، وهي تختار كلماتها بعناية. توقّفت قليلا قبل أن تسترسل، بنبرة صوتها الهادئة، المعتادة:

“تأثّر المراهق بأحد والديه سيكون واضحًا على شخصيّته في المستقبل. فعلى سبيل المثال: نجد أنّ أكثر الأشخاص تقبّلا لتكوينهم الشخصي خلال فترة سنّ الرشد هم أولئك الذين ربطتهم علاقة قوية مع آبائهم/أمّهاتهم”

“على عكس الفئة التي لم تحظَ بعبور سهل لتلك المرحلة، ولم يُجهّزوا بالشكل الكافي لتقبل تلك التغيّرات التي شكلت شخصيتهم اليوم، ناهيك عن أنّ هذا التأثير سواء كان بالسلب أو الإيجاب؛ سيمرّر للجيل التالي .. لأبنائه وأحفاده من بعده، وهكذا”

صورة فتاة تجلس على كرسي في حديقة مع أمّها - مرحلة المراهقة

يوما ما كنتُ هناك، ولا زلتُ خائفا

نظريات الديناميكا النفسيّة  تطرح أهم نقاط القوة التي تساهم بشكل كبير في تكوين هويّة الفرد. من بينها نظرية عالم النفس “جون بولبي” الذي بيّن أن التعلق بمقدّم الرعاية يوفر الأمان، الحماية والسلامة، والتي تعتبر أشياء ضرورية لفرص الفرد في البقاء.

يروي السيّد (س.س) أحداث فترة مراهقته التي أخذت منحنى منحدرا بعض الشيء، فيقول:

والدي كان يوبّخني بشكل مستمر في فترة مراهقتي حتى لا أسلك طريق خاطئًا، لن أقول أنّه عنفني بالشكل الحرفي، ولكن في بعض الأحيان كان يقوم بتكبيل يديّ عندما أرفض الانصياع لرغباته أو أن أحاول ممارسة حياتي الخاصة كمراهق مندفع”

“اليوم أصبح لديّ ابنٌ في عمر المراهقة تقريبًا، ومتحمّس بشكل كبير محاولاً إثبات نفسه، أحيانًا بتبنّي أفكار معيّنة، وأحيانًا أخرى بسلوكيات لا تتماشى مع عاداتنا، وهذا بطبيعة الحال أمر مقلق لأي أب”

شاب يقف في حديقة

يأخذ السيد (س.س) نفسًا عميقًا، وملامح الحزن والقلق أصبحت بادية على وجهه، ويردف بالقول:

” لا أريد أن أصل إلى نفس النقطة وذات الأسلوب الذي استخدمه معي والدي وقتها، أنا خائف على ابني وأخشى أن يكون أسلوب والدي معي هو الأسلوب الصحيح للتوجيه خاصة في هذا الوقت المتسارع والذي أصبح فيه كل شيء مُتاحًا!”

وعند سؤالي ما إذا كان يرى طريقة والده هذه في تهذيبه ودعمه، سليمة بالنسبة له، أجاب:

“في هذا العالم أجمع لا يوجد والد واحد تقريبًا يرغب في أن يستخدم أسلوبا خشنا مع طفله لتقويمه، ولكن أحيانًا قد تضطر لأنك خايف!”

مراهقو اليوم فتحوا أعينهم على الحرب والموت مبكّرا، الأمر الذي يزيد من توتّر مرحلة المراهقة وحساسيّتها. فالغلطة الأولى لمراهق ما، قد تكون الأخيرة له. وغلطة آخر قد تفسد عليه ما تبقّي من عمره.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)

  1. الحقيقة هناك مساحة يجب أن تتوفر للمراهق..مساحة الاستماع ومساحة الخطأ ومساحة التجربة ولكن يجب اصطحاب مرحلة التوجيه…فمسألة التحكم في كل شهواته ليس حلا