الوصم الاجتماعي لحالات الإصابة أو الاشتباه بكوفيد؛ وكأنّها تهمة؛ كان أشدّ وطأة تجاه كبار السنّ - Huna Libya
ليسوا زائدين عن الحاجة article comment count is: 0

المسنون وكورونا في ليبيا؛ بين الإهمال والوصم

قد يبدو الحديث عن جائحة كورونا الآن، مُكرّرا، بعد مرور أكثر من 8 أشهر على الصدمة الأولى؛ خصوصا والنّاس حاليّا تتبنّى استراتيجية التجاهل بدلا من التعايش الذي يستوجب عودة الحياة العامة إلى طبيعتها ما أمكن، مع أخذ التدابير الوقائية والاحترازية، وهذا ما لا نراه للأسف.

وعلى الرغم من أنّ آثار الجائحة في ازدياد من حيث ارتفاع أعداد ضحاياها (تغمّدهم الله بواسع رحمته) وتعطّل الأرزاق أكثر من بدايتها؛ إلا أنّ الغريب في الأمر، وبدلا من أن يزيد الحذر والاهتمام والتوقّي، حدث العكس، فما زاد النّاس إلا استهتارا وإهمالا، جهلا أو تجاهلا، في كارثة لا تزال مضاعفاتها مستمرة ومفتوحة على مستقبل مجهول.

في هذا التقرير، سنخصّص الحديث عن بعض آثار جائحة فيروس كورونا على إحدى فئات المجتمع المهمّشة صحيّا واجتماعيّا وخدميّا؛ وهم كبار السن.

المسنون وكورونا
المسنون وكورونا

عندما تخوض حربا؛ وحيدا وأعزلا

بصفة عامة، لا يتلقّى المسنّون عادة اهتماما خاصّا في مجتمعات ما يعرف بالدول النامية -ومنها ليبيا طبعا- على عكس الدول المتقدّمة، والتي تولي لهم اهتماما كبيرا، لأسباب بنيوية وديموغرافية عديدة، حتى أصبح لهم -على سبيل المثال- تخصّص دقيق في الطبّ اسمه طبّ المسنّين Geriatrics.

في ليبيا الأمر أسوأ، لأنّ النظام الصحّي بشكل عام مهترئ، وخدمات الرعاية الأساسيّة لجميع الفئات العمرية تكاد تكون غائبة، وسط استغلال القطاعات غير الحكوميّة للمواطن، من غير ضابط، واستشراء الفساد.

يحدّثنا د. إبراهيم بن جابر طبيبٌ عام بإحدى مستوصفات العاصمة الليبيّة طرابلس: “المفروض أنّ المستوصفات هي خط الدفاع الصحي الأول، يقصده النّاس للكشف والمراجعة والمتابعة، والمفروض المستشفيات تُخصَّص بس للطوارئ والإيواء”

ويسترسل: “لكن في ليبيا، المستوصفات مهجورة، ومفيش اهتمام بيها، وعقود من غير حضور، وعاجزة عن تقديم أيّ خدمات صحية حقيقية” ثمّ يعرّج على موضوع التقرير:

“كبار السن من أقلّ النّاس متابعة في المستشفيات رغم أنّهم أحوج النّاس لها وقلّما تجد أحدهم من غير مرض مزمن. من أسباب العزوف، الإرهاق المصاحب لعمليّة الكشف، والسمعة السيئة للقطاع الصحي في ليبيا، غياب الإمكانيات، إهمال النّفس، إيثار الآخرين على أنفسهم، وعندما اجتاحت كورونا ليبيا لم تكن نتائجها الكارثية على المواطنين مستغربة، خصوصا كبار السن.” 

المسنون وكورونا
المسنون وكورونا

المسنون وكورونا: هل هم مواطنون زائدون عن الحاجة؟!!!

من أين كانت البداية؟

ما أن بدأت جائحة كورونا، حتى تباينت ردود أفعال الناس تجاهها. في البداية كان هناك اتجاهان بارزان؛ الاتجاه الأوّل نفيُ وجود المرض أو التقليل من شأنه فيما بعد، وهؤلاء أحد أهم أسباب مضاعفات الكارثة ويتحمّلون جزء كبيرا من المسؤولية الاجتماعية. الاتجاه الثاني، من يقرّ بوجوده مع سياسية (الحذر دون الهلع).

الاتجاه الثاني بلا شكّ أكثر نضجا وصوابا، ولكن لُوحظ وقوع بعضهم في خطأين كبيرين، الأوّل٬ الطمأنة المبالغ فيها وغير المستندة على الحقائق، والثاني: استخدام أسلوب “المدينة الأفلاطونيّة الفاضلة”

فقد لُوحِظ أنّ من طرق طمأنة النّاس بمرض كوفيد19 أنّه “يقتل كبار السن فقط” وأنّك إذا لم تكن كبيرا في السنّ فلا داعي للقلق” الأمر الذي جعل هناك تصوّرا مغلوطا في أذهان النّاس أنّ المرض لكبار السنّ هو “تذكرة للموت” وأنّ إصابتهم نتيجتها الحتميّة الموت.

الوصم الاجتماعيّ المرافق للمصابين بهذا المرض، الذي يجعل المريض ينفي عنه الإصابة وكأنّها تهمة، أصبحَ أشدّ وطأة تجاه كبار السنّ، حيث شمل الانتقاص والاتهام مع تهديد مباشر بالرحيل.

يحدّثنا د. محمد عبد الهادي (طبيب بإحدى أقسام العزل الصحّي بالعاصمة الليبية طرابلس) عن بعض القصص المحزنة التي عاينها بنفسه، قائلا:

“في بداية الجائحة، كنتُ ضمن الفريق الطبّي الذي يأخذ عينات المواطنين وحالات الاشتباه، الجميع لاحظوا أنّ الكثير من كبار السنّ يأتون في حالة نفسيّة مزرية، حتى إنّ بعضهم دخل غرفة العناية، وتبيّن فيما بعد أنّ نتيجته سلبيّة!! وما أدخله العناية الكلام الذي يسمعه عن المرض. الذي مارسوا اضطهادا معنويّا في كوفيد تجاه كبار السن، أعتبرهم مجرمين، واعذرني على الوصف

قصص كثيرة سردها د. عبد الهادي عليّ، لكن حجم المقال منعني من ذكرها جميعا، من بينها أنّ امرأة كانت تعاني من ضيق في التنفس دون أيّة مضاعفات، ولكنّها بدأت في إخبار الطبيب المتابع، وصايا يبلغها لأبنائها، حاول الطبيب طمأنتها وأنّها بصحّة جيّدة ولا شيء يدعوها لذلك، ولكنها بدت وكأنّها مستسلمة للموت. الحاجّة ماتت في نهاية اليوم بكلّ سكون. رحمها الله” يقول عبد الهادي.

كبار السن، كورونا، العنف النفسي، العنف الاجتماعي
المسنون وكورونا

المسنون وكورونا: للعنف أكثر من وجه

تعدّ مرحلة الشيخوخة –وفقا لجمعيّة علم النّفس الأمريكيّة– أحد المراحل العمرية هشاشة وحساسيّة، على عكس الشائع.

الأمر الذي يحتّم بصفة عامّة تعاملا حذرا ومراعيا لطبيعة هذه المرحلة الصحيّة والاجتماعيّة، فما بالك ونحن وسط جائحة عالميّة لها آثارها النفسيّة الزائدة، وفوقها هناك وصم وتهديد يستهدفهم (كبار السن) بشكل مباشر؟ الأمر الذي يجعل كبار السنّ أبرز ضحايا كوفيد19 على كلّ الأصعدة؛ صحيّا ونفسيّا وخدميّا واجتماعيّا.

تقول د. هند إبراهيم (طالبة ماجستير الطبّ النفسي بمصر) إنّ أبعاد الصحّة النفسيّة -بشكل عام- غائبة في ثقافتنا رغم أنّنا أحوج ما نكون لها، و”بالذات لأنّ الصحة النفسية لها آثار جسدية كثيرة بعضها جادّ ويمكن أن يؤدي إلى الموت

وعن الآثار النفسيّة للجائحة، على كبار السنّ تحديدا تقول: “ناجمة عن كميّة الرسائل التي تلقاها كبار السنّ حول كونهم الأكثر تهديدا والأكثر هامشيّة واستغناء” ولكنّها تستدرك كلامها بملاحظة شخصيّة لها، فتقول:

“ومع ذلك، ورغم كلّ هذه الرسائل، لم يشكّل الوصم أثرا نفسيّا لكبار السنّ في ليبيا، مقارنة بأثر العزلة الاجتماعيّة في نفوسهم، فالبعد الاجتماعيّ في حياة كبار السنّ يظلّ أساسيّا ومحوريا ويبلغ ذروته (بعد التقاعد، استقلال الأبناء، التخفّف من كثير من واجبات الإعالة، الشعور بعدم جدوى وجوده)

“فقد فرضت الجائحة على كبار السنّ وأولادهم والمحيطين بهم، عزلة لازمة، منعتهم من ممارسات يومية حياتية قد يراها الآخرون غير مهمّة، مثل: الذهاب للمسجد، زيارات الأصحاب، الجلوس أمام المنزل رفقة الجيران، لمّة الأحفاد في المناسبات الدينية والاجتماعية والأعياد”

تقول د. هند “هذه نشاطات أساسيّة لكبار السنّ، قد يجهل أهميّتها الآخرون. وحِرمانهم -الضّروريّ- منها، بسبب الجائحة، سيُحدث عدم اتزان، وهذا ما يجب أن ينتبه له المحيطون بكبار السنّ، بتعويض الجانب الاجتماعيّ المغيّب”

من التالي؟

بفعل العولمة المكانية، أصبحت الأوبئة أكثر جائحة عن ذي قبل، فبعد أن كانت جائحات مثل هذه تحدث كلّ 400 عام (الكوليرا) ثمّ كل 100 عام (الطاعون) أصبحنا نراها كلّ 10 و5 أعوام ((الإنفلونزا، بنُويْعاتها Serotypes المختلفة والمتطورة والمتزايدة والمتحوّرة)

ومن يدري فقد تكون -لا قدّر الله- بشكل سنويّ سيما وهناك إشارات حول إعادة الإصابة بكوفيد19، وارتفاع متناوب في عدد الإصابات والوفيات.

ما الذي يعنيه ذلك، باختصار؟

يعني أنّ صحّة الفرد واستجابته المناعيّة -تحديدا- سيكون عليها المعوّل، البدء في نظام حياتي صحّي بداية من الأكل والرياضة، نهاية إلى كلّ ما يعزّز المناعة نفسيّا وعضويّا. والاهتمام بمن حولنا، بصحّتهم وأسلوب حياتهم وضمان أخذهم لأدويتهم وبشكل صحيح، وعدم التفريط في المراجعة الدوريّة. خطوات لا بدّ منها.

وللأسف، النّاس لا يتعظون، فهل يجب أن نفقد أحبابنا حتى نعرف قيمتهم؟!

اترك تعليقاً