إخفاقات التفكير في فهم الطبيعة - Hunalibya
تصورات خاطئة article comment count is: 0

حيض بيولوجيّ وآخر خُرافيّ

نظرت الشعوب القديمة إلى الحيض على أنّه ظاهرة تستوجب الرّيبة والحذر. لطالما تعامل الأسلاف مع الأنثى فترة حيضها على أنّها ملعونة أو في أحسن الأحوال مصابة بعَطَب دوريّ يستلزم العزل.

تَـجنّب الأسلاف لمسَ دم الحيض وابتعدوا عنه دفعًا لشرّه! جاءت هذه النظرة مع مغالطات أخرى امتداداً لإخفاقات التّفكير البدائيّ في فهم الطبيعة.. لقد اعتمد الأسلاف على إمكانات متواضعة لتفسير ظاهرة الحيض ما أدّى إلى سوء تقدير.

الواقع أنّ كثيرًا من هذه الأفكار والممارسات الـمًبرَّرة بضرورة هذه الأفكار ماتزال شائعة في مجتمعاتنا، وإنْ بطريقة أقلّ سذاجة.

خُرافة الدّم الفاسد:

ماتزال بعض التصوّرات المعاصرة ترى أنّ الحيضَ دمٌ فاسد يطرده جسم الأنثى لأسباب صحيّة، والواقع ألّا وجود لشيء في جسم الإنسان يمكن تعريفه على أنّه دم فاسد. فالدّم كلّ الدّم هو في الحقيقة (نسيج ضامّ) من خلايا تؤدّي وظيفتها التي تستوجب أن يكون قوامُه العام سائلًا لا صلبًا.

وعلى رغم أنّ لكلّ خليّة من خلايا الدّم متوسّط عمر محدّد إلَّا أنّه لا وجود لفترة صلاحيّة كاملة لنسيج الدّم يمكن القول بعدها إنّ هذا الدّم منتهي الصلاحيّة أو إنّه دم فاسد.

يمكن السؤال أيضًا عن لماذا نفترض فساد دم الأنثى في مرحلة ما من عمرها دون افتراض فساده في باقي فترات حياتها، أو دون افتراض أنّ دم الذّكر أيضًا يفسد ويستوجب إخراجه هو الآخر بطريقة ما!

تبرير خُرافيّ للعزل:

بيولوجيًّا، دمُ الحيضِ دمٌ طبيعيّ مثله مثل أيّ دم ناتج عن جروح أو تسلّخات. لا صحّة للنّظر إليه على أنّه سائل قذر.

إنّ مصدر هذه الفكرة الخاطئة على ما يبدو هي التصوّرات القديمة التي نسبت قوى شرّ غامضة لدم الحيض واعتقدت بنجاسته واحتوائه سمومًا ماديّة ومعنويّة، لقد تصوّر الأسلاف أنّ قطرات دم الحيض يمكنها أن تسبّب يباس المحاصيل وذبول الأزهار وإفساد الأطعمة، بل أيضًا جعل الكلاب مسعورة.

وُظِّـفَت هذه التصورات في محاولات تطويع سحريّ لقوى الطبيعة؛ كالسّيطرة على الآخرين بوضع قطرات من دم الحيض في طعامهم، أو تسخيره لإصابة أحدهم بالجذام أو في حالات معاكسة علاج أحدهم من الجذام. كما استعملوا حيض الزّوجة لتوجيهها شخصيًّا لطاعة زوجها.

شكّلت كلّ هذه التصوّرات الخرافيّة مبرّرات ثقافيّة لقمع المرأة وعزلها ومنعها من لمس الغذاء ومصادر الماء بحجّة قذارتها المعنويّة (النّجاسة).

خرافة فساد الأطعمة:

ثـمّة نسخة حديثة من الزّعم الـخُرافيّ القائل بمقدرة دم الحيض على الخراب وإفساد الأطعمة.

تقع هذه النّسخة المعاصرة في فكرة مفادُها أنّ للحيض تأثيرًا سلبيًّا على مهارات المرأة في إعداد الطّعام.

لا يحدّد المؤمنون بهذه الخرافة من الليبيّين وجيرانهم موضعَ هذه الإخفاقات ويحصرونها في حكم عامّ على مذاق طبخ المرأة الحائض الذي بحسب هذا الزّعم يكون في الغالب غير مستساغ.

لكنّ أفكارًا مماثلة سائدة في ثقافات أخرى تحدّد الوصفات التي قد تخفق المرأة الحائض في إعدادها: فشل إعداد السّوشي مثلًا، أو تعثّر اختمار العجين أو فساد المخلّل، أو فشل تماسك منتجات الحليب كالكريم والمايونيز وغيرها.

خُرافة ضرورة تجنّب الماء:

تمتدّ خُرافة القذارة المعنويّة (النّجاسة) في فكرة حديثة مُـحسّنة ظاهريًّا ترى بضرورة ابتعاد المرأة عن الماء فترة حيضها، وتبرّر هذا بأن للماء تأثيرًا سلبيًّا على سلاسة تدفّق الدّم. بل يشاع أيضًا أن الماء يضرّ بسلامة الشَّعر.

يميل آخرون إلى أنّ للأمر أسبابًا مناعيّة، والواقع وإن بدت الفكرة الأخيرة تقبل الصحّة ظاهريًّا لا يمكن أبداً أن تكون مُبرّرا خاصًّا لعزل المرأة عن الماء لأسباب صحيّة، وكذلك الأفكار السّابقة لها.

إنّ الصّحيح هو العكس هنا من النّاحية الطبيّة؛ فإهمال المرأة لنظافتها فترة حيضها يعرّض مناطقها الحسّاسة للإصابة بفطريّات ومسبّبات أمراض أخرى، كما أنّ الابتعاد عن الاستحمام يقلّل من انتعاشها ونشاطها.

ولهذا ينصح الأطباء بالحمّام الدّافئ الذي يضمن الاسترخاء، وينطبق الأمر أيضًا على السّباحة؛ فلا الماء يلمس المناطق الدّاخليّة ولا دم الحيض أصلًا ناتج عن جرح، وليس ثـمّة أيّ دليل علميّ على أنّ تأثير الاستحمام فترة الحيض مختلف عن تأثيره باقي أيّام الشّهر.

إنّ هذه الأفكار التي تأخذ أحيانًا شكلًا طبيًّا زائفًا هي امتداد لمبرّرات قديمة عملت على عزل النّساء فترة حيضهنّ عن مصادر المياه خَشية أنّ يسمّمن المنابع وتجنبًا لشرّهنّ الـمُفترض.

خُرافة التّزامن:

من الافتراضات الخاطئة والشّائعة عن الحيض أن الفتيات اللّائي يشتركن في السّكن أو يخالطن بعضهنّ أنهنّ يُبرمجنَ بيولوجيًّا لتتزامن دوراتُهنّ.

وتستند فتيات في توكيد هذه الملاحظة إلى تجارب شخصيّة، فيما يميل آخرون إلى إضفاء تفسيرات ذات صبغة علميّة كافتراض أن سبب هذا التغيّر العابر للجسد هو تأثير الفيرمون، والذي يختلف عن الهرمون في كونه مركب عضوي معقد ينقل الإشارة من كائن إلى آخر.

والواقع أنّه ليس ثـمّة أيّ دليل علميّ يدعم هذا الافتراض، بل إنّ التّجارب الشّخصيّة لا يمكن أبدًا اعتبارها تجارب علميّة لأنّها عرضة للاختراق وسوء التأويل والانحياز الإدراكي ولأنّها غير قابلة للتعميم.

يشاع بين الفتيات الليبيّات لفظَ العادة تغير والجملة تعني أن الدّورة الشهريّة للفتاة تَشعُر بالغيرة من دورة الفتيات الأخريات، ويكون سياق هذه العبارة عادةً الحديث عن دورة إحداهنّ، فتتجنّب الأخريات باقي الحديث الذي قد يجلب عليهنّ دورتهنّ (نستعمل مصطلح دورة هنا للتّعبير عن فترة الحيض فقط).

بالتّأكيد لا تفترض الفتيات أنّ للدّورة وعيًا منفصلًا يجعلها تتفاعل مع الواقع، بل إلى قابليّة تأثّر فسيولوجيا فتاة ما بعامل خارجي مفصول عنها متمثّل في جسد فتاة أخرى.

إن لهذه الفكرة الخاطئة أيضًا جذور خرافيّة قديمة كانت ترى الحيضَ مرضًا نسائيًّا مُعديًا.

وأنّ العدوى تنتقل من امرأة إلى أخرى دون فهم طبيعة هذا الانتقال العابر للأجساد.

الحيض ببساطة إجراء بيولوجيّ دوريّ مرتبط بتهيئة جسد الأنثى لاستقبال جنين محتمل.

إن استمرار تداول معتقدات خُرافيّة بنُسَخ مختلفة هو مُحصّلة حَتميّة لاستمرار الفهم الخاطئ لطبيعة الحيض ولفيسيولوجيا الدّورة الشهريّة.

اترك تعليقاً