يزداد الاعتماد على التكنولوجيا إلى الحدّ الذي أصبحت فيه الخصوصيّة مهددة بالانتهاك في كلّ ثانية - Huna Libya
هل الخصوصية عبر الإنترنت ممكنة؟ article comment count is: 1

الأخ الكبير يُراقبك، الخصوصية في عصر الإنترنت

يفضّل كثيرون استخدام لفظ “واقع افتراضي” للتعبير عن الإنترنت، بوصفه فضاء مفتوحا وغير واقعيّ، يُمكن لأيّ أحد الولوج فيه، واختيار شخصيّة وهُويّة مختلفة تماما عن شخصيّته الحقيقيّة على أرض الواقع. بحيث يُمكن استبدال بياناتٍ ومعلوماتٍ صحيحة بأخرى مزيّفة. ولكن هل هذا الأمر لا يزال صحيحا حتى اليوم؟ 

يحرص الكثيرون حتى وقت قريب على إبقاء تفاصيل من حياتهم الشخصيّة بعيدًا عن أعين الآخرين داخل إطار الخصوصية، بحيث لا يعرف الناس شيئا عن شخصٍ ما؛ إلا إذا صرّح به. فلماذا أصبحنا اليوم نشارك كلّ شيء حتى لحظاتنا الخاصة، مع أصدقاء افتراضيّين، نعرف بعضهم ونجهل آخرين.

في هذا التقرير، قابلنا شابّين مختلفين في العمر والاهتمامات والخلفيّة العلمية، وسألناهم عن بعض قضايا الخصوصية في عصر الإنترنت وما الذي تعنيه لهم؟

أحد المشاركين في التقرير، يظهر وهو يتصفح هاتفه النقال - الخصوصية في عصر الإنترنت
أحمد شوقي – طالب جامعي

الخصوصيّة نسبيّة، والإنسان كائن اجتماعيّ

يتحدّث “رامي القنّاص” (مهندسٌ بقطاع الاتصالات بطرابلس) عن مفهومه للخصوصيّة، فيقول:

“في اعتقادي أنّ الخصوصية في عصر الإنترنت هي أمر نسبيّ، الشيء أو المحتوى الذي أشاركه أو يُشاركه غيري على مواقع التواصل الاجتماعي، باختلاف منصّاتها؛ هي معلومات نحن بمحض إرادتنا نقوم بمشاركتها، ولا أعتقد أنّه تمّ إجبار أحد ما، على مشاركة شيء شخصيّ لا يرغب بمشاركته “. 

وبينما يرى رامي ذلك، يتحدّث “أحمد شوقي” (طالب جامعي في مدينة الزاوية) عن زاوية مختلفة من القضيّة، وهي سؤال هل تغيّر مفهوم الخصوصية عبر الزمن؟ يقول (شوقي):

“في اعتقادي، لم يتغيّر شيء. بل وسائل مشاركة الأشياء الخاصّة هي التي تغيّرت، فرغبة البوح بأشياء خاصّة عادة قديمة وأصيلة لدى الناس في كل الحقب، يُمكن ملاحظتها ببساطة في جلسات شرب الشاي بين النساء أو الرجال، فهي تشبه اليوم منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، فهم يشاركون الكثير من تفاصيل حياتهم مع الآخرين”. 

رجل يظهر في برج مراقبة وهو يحمل منظارا

الأخ الكبير يراقبك 

يزداد الاعتماد على التكنولوجيا في العالم اليوم، إلى الحدّ الذي تصبح فيه الخصوصيّة منتهكة بشكل كبير، لأنّك في كل لحظة تحت المراقبة عبر هاتفك أو حاسوبك أو الكاميرا المسلّطة عليك، بينما تجلس في مكتبك بالعمل، أو مستلقيا على سريرك في منزلك. 

نسمع كلّ يوم عن قرصنة البيانات الشخصية لمستخدمي الانترنت وتسريبها، واستخدام ذلك لأغراض الابتزاز أو التشهير أو انتحال شخصيّة لأغراض أخرى. وهذا جانبٌ آخر يظهره التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعية عبر تطبيقاتها، عدا غرض التعارف والدردشة مع الآخرين، وهو قيمة المعلومات والبيانات الشخصيّة المعروضة من قِبل المستخدمين. 

يتحدّث “رامي عن هذه المسألة، فيقول:

” هذا الأمر بالنسبة لنا نحن الليبيّين، لا يسبّب ضررا كبيرا؛ لعدم ترابط البيانات الرقمية للمؤسسات والجهات الليبية المعنية بتقديم خدمات، مثل: المعاملات المصرفيّة والضمان الاجتماعي ورخصة القيادة. لذلك، لا نخاف من قرصنة البطاقات الائتمانية على عكس ما يحدث في أمريكا بشكل متزايد، ممّا يسبب مشكلاتٍ باستغلال هذه الحسابات البنكيّة وتوريط أصحابها في جرائم”

ثم يستدرك قائلا: “وأمّا البيانات والمعلومات التي نشاركها في وسائل التواصل الاجتماعي، لم أشهد شخصيّا حتى اليوم سوء استغلال شخصيّ لها؛ لأنني أعلم جيّدا ما أشارك به “. 

صورة أحد المشاركين في التقرير، وهو يحمل هاتفه النقال - الخصوصية في زمن الإنترنت
م. رامي القنّاص – مهندس اتّصالات، طرابلس

أما شوقي فله تجربة مختلفة عن رامي، إذ تضرّر فعلا من البيانات الشخصيّة التي ينشرها في يوميّاته. يحدّثنا عن ذلك، فيقول:

“نعم تأثّرتُ أكثر من مرّة، لكوني شخصا يحبّ مشاركة تفاصيل يومه عبر تطبيق الانستجرام، فعندما ألتقي بعض الأصدقاء أو زملاء العمل، أواجه بعض الانتقادات لأمور قمتُ بها. فهم بهذه الانتقادات، يُمارسون نوعا من الرقابة والمحاسبة إذ يتابعون تحرّكاتي أولا بأول، وهذا هو الجانب السلبي في مشاركة الآخرين خصوصياتك”

ثم ينتقل (شوقي) للحديث عن جانب آخر من استخدام الخصوصيات، قائلا:

هذه المواقع تعرف عنك ما لا تعرفه أنت على نفسك، فهي معنا لحظة بلحظة، تدرسنا وتقرّب لنا أشياء نحبها أو نرغب بها، الغوغل اليوم يقرأ الأفكار. هل هذا أمر عادي؟ مقتنع بأن أفلام ومسلسلات الخيال العلمي والتطوّر الرهيب للتكنولوجيا الذي تعرضه؛ سيكون واقعيّا وحقيقيّا يوما ما“.

تعتمد الكثير من الشركات والمؤسّسات في العالم، على بيانات مستخدمي الانترنت؛ للوصول لأكبر قدر من الشريحة المستهدفة بالمنتج المطلوب. وربّما ولهذا الغرض، نشهد تزايدا ضخما في القيمة السوقيّة لهذه الوسائط الاجتماعية، وتغيّرا ملحوظا في سياسة الترويج داخلها، فأصبحت تطلب تحديد الهُوية بشكل أكثر دقة، وكذلك طلب قيمة مالية مقابل خدمات مموّلة.

قرصنة البيانات الشخصية لمستخدمي الانترنت وتسريبها، واستخدام ذلك لأغراض الابتزاز أو التشهير أو انتحال شخصيّة، كلّ ذلك من عواقب انتهاك الخصوصية في عصر الإنترنت

فهل يمكن كبح جِماح هذا التطور، للذكاء التكنولوجي، الذي يزيل هامش الخصوصية اليوم؟ 

يُجيب “رامي” قائلا:

“نحن من نسلّم بياناتنا طواعية، الغوغل لا يقرأ الأفكار، كلّ ما في الأمر، أنّه عند تشغيل هاتفك لأوّل مرة واستخدامه، يطلب منك منح صلاحية للهاتف للوصول إلى الكاميرا و الميكروفون ومن هنا تبدأ السلسلة اللامتناهية من التنازل عن الخصوصية وتبدأ تشعر بأنك مراقب”

“فقد تمّ معرفة ما تحبّ وما تكره، ويتمّ إرسال الإعلانات للمنتوجات التي ترغب في اقتنائها أو الأشخاص الذين تستغرب كيف يتمّ اقتراحهم في قائمة الصداقة، بينما شاهدتهم صدفة هذا الصباح. هذا التأثير قويّ، ولعلنا سمعنا بذلك خلال اتهام الرئيس الأمريكي ترامب باستغلال قواعد بياناتٍ شخصيّةٍ لمستخدمين، مقابل الترويج لحملته الانتخابية”. 

صورة هاتف نقال وعليه قفل

خاتمة

الخصوصيّة في زمن الإنترنت، مفهوم متغيّر، ويصعب وضع حدود له؛ خصوصا وأنّ المستخدمين وبكلّ طواعية هم مصدر هذه البيانات.

والمتخصصون في مجال البيانات الرقمية ينصحون التقليل من الاعتماد على الأجهزة الإلكترونية بالقدر الكافي الذي يحفظ للمرء خصوصيّته. وكذلك عدم التساهل في إعطاء صلاحيات للتطبيقات، حتى معروفة المصدر، أو التعامل مع جهات غير واضحة وإرسال المعلومات الشخصية لها. 

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)

  1. العلم شئ مقدس قائم على الدقة ويجب النت الا يكون بديلا عن التوثيق والبحث العلمي والكتاب بل امتدادا لهم وإلا صار كشعير البياع