نذهب معا في رحلةٍ نتتبّع فيها تطوّر أجيال الإنترنت عالميّا، مع إلماحاتٍ لما كان يوازيه من أحداث في ليبيا - Huna Libya
النقال لحامله article comment count is: 9

شبكة الجيل الخامس ، طفل يحبو في الخمسين من عمره

في بداية الثمانينات من القرن الماضي، وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة الليبيّة تحارب القطاع الخاصّ، وتؤمّم مشاريع الأفراد، وتستبدلها بـ(التشاركيّات) و(الشركاء) بدلا من الأجراء؛ قامت شركة فنلديّة، وتدعى نوكيا Nokia وبالشراكة مع شركة سالورا (الفنلديّة أيضا)، بتصميم وإطلاق أول شبكة اتصالات خلويّة في أوروبا.

كانت التقنية المستخدمة في تلك الشبكة بكل ماتحتويه من معدّات اتصالات؛ هي الجيل الأوّل من شبكات الاتصالات الخلويّة G1. ومنها كانت البداية.

في هذا المقال، سنذهب معا في رحلةٍ نتتبّع فيها تطوّر أجيال الإنترنت عالميّا، مع إلماحاتٍ خفيفة طريفة، لما كان يوازيه – في كلّ مرحلةٍ – من أحداث عندنا في ليبيا؛ انتهاء بإعلان شركة المدار الجديد تدشين شبكة الجيل الخامس لأوّل مرّة في شمال إفريقيا؛ بينما أنا جالسٌ على سطح المنزل، في هذا البرد الشديد، بحثا عن تغطية، من أجل إرسال هذا المقال الطويل والرائع.

شبكة الجيل الخامس

الجيل الأوّل: البيت لساكنه والنقّال لحامله

لا زلنا في فترة الثمانينات، وبينما انتشرت رياضة “التنقيز” في المنازل، وماراثون دقيق الجمعيّات في ليبيا؛ انتشرت شبكات الجيل الأوّل في العالم الغربيّ واليابان وكوريا. وتطوّرت معها تقنيات التراسل وتقنيات المعلومات IT بتسارعٍ أكبر مع كلّ عام.

هذا التطوّر، سمح لمهندسي الاتّصالات، من ابتكار طرقٍ جديدة لترقيم وتشفير موجات الصوت؛ لكي يتمّ نقلها بكفاءة أكثر، عبر أطياف (Spectrum) موجات الراديو، بعد تحويلها من إشارات تناظريّة قياسيّة (analog) إلى إشارات رقميّة (digital).

وبهذه التنقيزة (القفزة) التقنيّة، كان مهندسو الاتصالات قد اخترعوا جيلا جديدا من تكنولوجيا الاتّصالات، وباتَ واضحا بالنسبة لهم؛ ضرورة كتابة اُنموذج “ستاندرد” عالمي، ينظّم أساليب إرسال الموجات “الراديويّة” عبر الهواء في العالم.

مجموعة من الرجال والأطفال في السوق، ليبيا في الثمانينات

ولادة الجيل الثاني 2G: تصفيق اليد الواحدة

من أجل كتابة هذا الانموذج العالميّ لنظم الشبكات الخلوية الجديدة، عُقِدت عِدّة اجتماعاتٍ ومفاوضاتٍ بين الدول الكُبرى في أوروبا.

وفي عام 1987؛ أي: بعد عام واحدٍ من الغارة الأمريكيّة على ليبيا (1986) وإضافة كلمة “العُظمى” إلى اسمها الرسميّ؛ ليُصبح: الجماهيرية العربيّة الليبيّة الشعبيّة الاشتراكيّة العظمى؛ تمّ الاتفاق على حجز نطاق ترددات الـ900MHz لهذه الشبكات الخلويّة الجديدة.

وتم التوقيع على تبنِّي ستاندرد جديد أُطلِق عليه اسم Global System for Mobile communication لتنظيم شبكات الاتصالات. هذا الستاندرد يُعتبر هو الجيل الثاني G2 في عالم الاتّصالات، والذي أُضيف إليه لاحقا تقنيات (2.5G ،GRPS ،EDGE ،2.75G).

أوّل شبكات هذا النظام الجديد GSM في العالم، تمّ تدشينها في فنلندا، وتحديدا سنة 1991م وليس غريبا أن كان ذلك، في نفس سنة ولادتي المباركة. وقتها، قام رئيس الحكومة الفنلندية (هاري هولكيري) بإجراء أوّل مكالمة هاتفيّة عليها، واتّصل بصديقه عُمدة بلدة تامبير الفنلندية؛ ليسأله عن جوّه وحال الدنيا معه.

بعد تلك المكالمة التاريخية بحوالي سنة، وتحديدا في ديسمبر 1992، نجح المهندس (نِيل بابوورث Neil Papworth) بإرسال أول رسالة نصيّة قصيرة SMS في التاريخ عبر شبكة ڤودافون البريطانية، والتي كتب فيها “Merry Christmas” إلى هاتف صديقه.

شخص في يده تلفون نوكيا قديم

النوكيا: من لعبة الأمم إلى لعبة الدودة

في التسعينات، كانت ليبيا تعيش زمن “الحِصار” وتتعالى فيها أصوات “طز مرّة تانية”. وبينما كان الأخ القائد، ومجلس قيادة الثورة، يعانون من العقوبات الدوليّة، وغير قادرين على رؤية المستقبل بوضوح؛ كان هناك مجلس قيادةٍ آخر، يرى المستقبل واضحا أمامهم، ويخطّطون له بعناية؛ وهم مجلس إدارة شركة نوكيا.

فبعد انطلاق شبكات الجيل الثاني في العالم، أيقن صُنّاع القرار بنوكيا؛ أنّه منذ تلك اللحظة، يجب تركيز كلّ طاقاتِهم في صناعة هذا المستقبل، الذي أصبح من الواضح جدا، أنّ الاتصالات ستكون جزءً كبيرا منه.

وبالفعل، قامت نوكيا في التسعينات، بإعادة تنظيم وهيكلة إداراتها؛ لكي تستغلّ كلّ مواردها بالاستثمار في رؤيتها الجديدة للعالم: Connecting People.

استمرّت نوكيا في ابتكار تكنولوجيا جديدة، لمعدّات الاتصالات على مدى التسعينات. ومع حلول الألفيّة الجديدة، توالت ابتكارات نوكيا: مثل النوكيا 1100 (البيلة) والنوكيا 6230 (ملك النوكيا) ونوكيا N95. وكنتيجةٍ طبيعيّة لهذه المواكبة والابتكار؛ تضاعفت أرباح شركة نوكيا السنويّة مع مرور كل عام؛ لتصبح الشركة رقم واحد في مبيعات الهواتف النقّالة عالميا.

وكان من الواضح للجميع في ذلك الوقت، أنّ نوكيا تقترب كل يوم من تحقيق رؤيتها بربط الجميع ببعضهم.

موديلات مختلفة من الهاتف النقال لشركات مختلفة - شبكة الجيل الخامس

ولادة الجيل الثالت 3G: مكالمات فيديو لأول مرة

مع استمرار شركات الاتّصالات في تطوير معدّاتها وأساليب تقسيمها، واستغلالها لمساحات سبكترم موجات الراديو، تمكّنت هذه الشركات، ومع بداية الألفيّة الجديدة، من ابتكار طرق أفضل وأسرع وأقل تكلفة في إرسال البيانات، عبر تردّدات أكبر وقنوات أكثر (مثل: Packet Switching و WCDMA وعدة ستاندردز أخرى) لِتشهد تنظيما أدقّ وكفاءة أعلى.

ومع تطوّر كل هذه التقنيات وغيرها في تلك الفترة؛ ازداد الطلب أكثر فأكثر على سُرُعاتِ إنترنت أعلى؛ سيّما بعدما تمكّن العديد من الناس من اقتناء هواتف نقّالة بأسعار رخيصة نسبيّا.

مع بداية عام 2002، خرجت للنور أوّل شبكة من الجيل الثالت لتكنولوجيا الاتصالات، في كوريا الجنوبية، وبذلك أصبح من الممكن أخيرا، إرسال بيانات من جهاز لآخر بسرعات عالية نسبيا، تصل إلى 1Mbps في بداية الألفينات.

وتطوّرت لاحقا، لتصل إلى عِدّة Mbps بعد الوصول إلى الجيل الثالت وثلاتة أرباع – 3.75G – مع نهاية الـ2000s). ممّا سمح لأصحاب الموبايلات الحديثة – التي أصبح وجود كاميرا بها شيئا طبيعيّا – بأن يرسلوا إلى بعضهم صورا، ويتكلّموا مكالماتِ ڤيديو.

في ذلك الوقت، كانت نوكيا مُتربّعة على عرش الأجهزة المحمولة، وكانت مِثلَها، مِثل أيّ شركة هواتف نقّالة، تقليديّة، أخري؛ ترسم خططا مُستقبلية وتعدّ أفكار تصاميم أجهزة سحّابة، يمكن فتحها جانبيا وفوقيّا وتحتيّا ولولبيّا؛ لتظهر لك لوحة مفاتيح من تحت الشاشة، وما إلى ذلك من التصاميم قليلة الإبداع في نظري.

ولكن ما لم يكن في حُسبان كلّ هذه الشركات، أنّها سترمي حوصلة أفكار تصاميمها المنفّذة والمتخيّلة، في سلّة القمامة، عندما باغتتهم “رؤية” جديدة في الأُفق، رؤية بدأت تتجلّى في مخيّلات الناس، في يونيو 2007 عندما أعلن ستيڤ جوبز للعالم: أن شركة آبل Apple أعادت إختراع Reinvented التلفون، وبأنّها أطلقت على اختراعهم الجديد، اسم iPhone.

صورة ستيف جوبز، وهو يحمل جهاز آيقون، وخلفه شعار آبل

iPhone : الجهاز الذي غيّر عالم الاتصالات إلى الأبد

شركة آبل Apple بدأت ثورة الهواتف الذكيّة، بعد أن صنعت هاتفا دون أزرار، وافتتحت مِنصّة الآب ستور App Store لعامة الناس.

فبعد تحرير المستهلكين أولا، والمهندسين المصمّمين ثانيا، من القيود التي فرضتها أزرار لوحات المفاتيح التقليدية، وقيود احتكار بضعة شركات عملاقة لصناعة التطبيقات Apps في السابق؛ فُتِح المجال أمام الملايين من الهواة والمبدعين، ليُطلقوا العَنان لمخيّلاتهم، ويصمّموا الملايين من التطبيقات – بعضها مفيد، وبعضها تافه، وبعضها فوق التفاهة – بطريقة سهلة وعملية.

وبفضل كلّ هذه الحريّة وبراح الإبداع؛ تحوّلت رؤية عالم الاتصالات تدريجيا من (ربط الناس) Connecting People إلى (ربط كلّ شيء) Connecting Everything، وتشكّلت في مخيّلات الجميع، الرؤية المستقبليّة البعيدة، الجديدة للعالم: Internet of Things إنترنت الأشياء.

ولادة الجيل الرابع 4G: من توفير الصوت إلى توفير الإنترنت

أحدث ظهور الآيفون، ثورة في الهواتف الذكيّة، نتجَ عنها تطوّرٌ في تقنيات إرسال البيانات، عبر سبكترم الراديو بشكل كبير.

إذ بفضل استعمال أساليب عالية الكفاءة في استغلال سِعة Bandwidth (الوسط الذي يربط بين الملايين من الأجهزة المتصلة بالانترنت)؛ أصبح من الممكن إرسال بيانات أكثر بسرعات أكبر ومشاكل أقل.

ومع الطلب المتزايد على إنترنت أسرع وأفضل جودة؛ تغيّر اُنموذج عمل (Business Model) شركات الاتصالات, من شركات توفّر خدمات تهاتف “صوت/Voice” إلى شركات توفّر خدمات إنترنت عالي الجودة بشكل أساسي.

وبعد عدة “تنقيزات/قفزات” نوعيّة في عالم تقنية المعلومات IT، تمّ إعادة اختراع شبكات الاتصالات الخلوية، بِبُنيةٍ تحتيّة، جديدة كليا ومبنيّة على أساس IP (بروتوكول الأنترنت). وبهذا؛ وُلِد الجيل الرابع (4G LTE) الذي جلب لنا ڤيديوهات سلِسة، ونتفلكس بجودة HD, وما إلى ذلك من كماليات حياة “الدلع” وجماليّاتها.

صورة تظهر كلمة 5G وحولها مجموعة من الأجهزة التي يمكن ربطها عبر شبكة الجيل الخامس - إنترنت الأشياء

شبكة الجيل الخامس: إنترنت الأشياء Internet of Things) IoT)

فلسفة شبكة الجيل الخامس، تجاوزت رؤى من سبقها من ربط الناس ببعضهم أو مكالمات وفيدوهات عالية الجودة دون تقطيع؛ لتصل إلى إنترنت الأشياء IoT بمعنى: أن تتصل أنتَ و”أشياؤك” و”أشياء” الآخرين مع بعضكم البعض؛ لكي تكوّنوا جميعا شبكة ذكيّة ومنظومة متكاملة تشتغل بالجميع ولصالح الجميع.

أي أنّ سيّاراتك ومصابيح ومكيّفات منزلك، وإشارات وكاميرات مدينتك، وحتى ثلاجتك وأنظمة ريّ نباتات مزرعتك ومزرعة جارك؛ وكل أشيائك مربوطة بالإنترنت؛ لِكي يتمّ استخدام هذه البيانات من “أشيائنا” في تحسين وزيادة كفاءة منظومات حياتنا اليومية. 

خاتمة

وسط سباق المبتكرين في كاليفورنيا والسويد والصين وغيرهم، للوصول إلى شبكة الجيل الخامس وتحقيق رؤية إنترنت الأشياء؛ أعلنت شركة المدار الجديد تحصّلها اليوم على حقوق “التجكتير/التباهي” Bragging Rights, بأنها أول شركة في شمال إفريقيا، تُطلِق – تجريبيّا – شبكة الجيل الخامس في نفس اليوم الذي انقطعت فيه شبكة الـG2 على كامل ربوع الوطن. وفي الوقت ذاته أيضا، لا زلتُ لا أمتلك تغطيةً في الدور الأرضي من منزلي.

الجيل الخامس، أسلوب حياة جديد، ولا يتحقق بشكل صحيح دون تغييرات جذريّة في ثقافة المجتمع، بتضمين ثقافة التكنولوجيا في حياتنا اليومية. وبالطبع لا يتمّ كل هذا، دون بنية اتصالات تحتية جديدة كليا، وباهظة الثمن.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (9)

  1. في ليبيا جل مناطق صارت فيها جيل 4 اما في اقصى جنوب ليبي وبتحديدآ منطقة القطرون شبكة فيها جي 1 وميزال حتى اتصال فيها تعبان لدرجة لا توصف