التغيير الاجتماعي مرحلة حتمية لأي مجتمع، فكيف الحال في مجتمعنا الذي يعيش فترة عصيبة، سياسيّا واقتصاديّا - Huna Libya
إنسان البعد الواحد article comment count is: 1

ثقافة الاستهلاك في المجتمع الليبي

نعيش اليوم في عالم صعب، حيث المادّة هي المعيار لكلّ شيء، فقيمتك مرتبطة بحجم الأموال التي تملكها، وملابسك التي ترتديها، وهي تكفي لتحديد وجهة النظر التي ستؤخذ عنك من شخص غريب، يراك لأوّل مرّة.

عاشت ليبيا الحديثة تحوّلات سياسية اقتصاديّة مختلفة على مدى سبعين عاماً، ساهمت بشكل كبير في تغير النمط الاستهلاكيّ في المجتمع وترسيخ ثقافة الاستهلاك فيه، كان هذا التغيير في السابق يحدث بوتيرة بطيئة.

ثمّ امتلكت الدولة موردا هاما تمثّل في نفط وغاز وفرّ لها مخزونا من الثروة، حوّل اقتصادها مع الزمن لاقتصاد ريعي قائم على بيع هذا المنتج الوحيد، واستيراد كلّ ما يُمكن استيراده. وتبنّت نظاما اشتراكيّا استحوذ على كل القطاعات والخدمات لفترة زمنية طويلة، على حساب تبنّي سياسة اقتصادية واضحة ومنهجيّة، افتقدناها اليوم في الظروف التي تعيشها الآن.

صورة تظهر حقائب وملابس فاخرة - ثقافة الاستهلاك

الاستهلاك التفاخري. كيف تحوّلت الموضة إلى أسلوب حياة؟

تهتّم الشركات بعرض منتوجها من البضائع، وترويجها للمستهلكين، وراء شاشات التلفاز وشاشات الهواتف المحمولة، وأصبح للتسويق مناهج علميّة يتمّ تطويرها عاما تلو آخر. وتظهر ذروة التسويق جلياً في الموضة، تلك الكلمة السحرية التي تفتح الأفواه وتفرّغ الجيوب من الأموال.

وقد ساهم الإعلام بشكل كبير، في لعب دور المؤثر الهام في المجتمع. يكفي أن تدفع شركة ما لممثّل مشهور، مبلغا من المال نظير إظهار منتوجها في الفيلم السينمائيّ أو المسلسل؛ حتى يتدافع الجمهور لشراء ذلك المنتج، مهما كلّف سعره. طالما أعطى شعورا مزيّفا بالسعادة، وأصبح دليلا على الرقي والتحضّر ورمزا للأناقة.

ساهمت هذه العوامل، في إخراج ذوق الفرد من مسألة شخصية إلى مشاع، وبالتالي؛ فإنّ مقدار استهلاكه ليس ملكاً له، بل ما يحدّده المجتمع، الذي أصبحت فيه المكانة الاجتماعية لأفراده، تظهر وفق ما يمتلكه من منتوجات استهلاكية، وفق منظومة اجتماعيّة (ثقافة الاستهلاك).

صورة لواجهة محل/دكان ملابس، لماركة مشهورة، وعليه صورة ممثلة عالمية ترتدي إحدى منتوجاتهم - ثقافة الاستهلاك

وإذا نظرنا حولنا، وفي منازلنا؛ لوجدنا أنّنا نكدّس الكثير من الأشياء غير الهامة لنا، وقد تفوق قدراتنا المالية، وذلك لنيل الرّضا وسط المجتمع، وأن نظلّ في نظر الآخرين ضمن الطبقة الاجتماعية المرفّهة.

هذه النزعة الاستهلاكية (ثقافة الاستهلاك) أصبحت حمّى ووسواسا قهريّا أصاب أغلب المجتمع، ولنا في مناسباتنا الدينية والاجتماعية خير دليل؛ تغيّر شهر رمضان من شهر العبادة إلى مهرجان شراء وأكل وبالمثل فإن الأفراح تحوّلت من تعبير عن السعادة في أجواء عائلية صادقة إلى كابوس يصيب الأسر.

فمنذ اليوم الأول للقاء العائلتين، يتم تجهيز قائمة محدّدة من الأوامر والمظاهر الواجب تواجدها بالترتيب، من نوع أواني التقديم إلى أصناف المشروبات والحلويات، مرورا بالهدايا الواجب تقديمها في أوقات معيّنة.

وإذا تطوّر الأمر إلى عرس، يلزم المرء دفع مبالغ طائلة للبقاء في نظر المجتمع ضمن تصنيفاته للرفاه والفقر، شراء عدد معيّن من المجوهرات والملابس، إلى إقامة هذه الليلة في صالة خارج المنزل، فيلجأ البعض إلى الديْن والأقساط التي تكبّلهم وهم في بداية حياتهم الأسرية لسنوات قادمة.

ورغم كل الظروف الاقتصاديّة التي تعيشها بلادنا، من ندرة السيولة النقدية وتأخرها، فنجد أنّ ثقافة الاستهلاك المرتبطة بالتفاخر؛ تطوّرت مع وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعجّ بصور صاخبة لمناسبة عدّة مثل عيد ميلاد، تخرّج دراسي، بل حتى احتفال بطلاق، فهذه الوسائط الاجتماعية تغذي كل يوم هذه الظاهرة وتحولها لهوس جمعي.

صورة تظهر خزانة ملابس، وبها ملابس مكدّسة ومتراكمة، ومبتعثرة

البساطة… ثقافة ووعي أم اضطرار

لعلّ البساطة هي أكثر معنى قريب للمصطلح الإنجليزي MINIMALISM / ميناماليزم.

يصف هذا المصطلح سلوكَ البشر تجاه ما يملكون، ومدى حاجتهم لها. ومع اختلاف الألفاظ، جميعها تصبّ في مصلحة أن يكون الفردُ على درجة من الوعي الكامل نظير استهلاكه، بحيث يكون الوعي هو المحرّك الرئيس لهذه الأشياء وليست هي المتحكمة فيه. بمعنى آخر، أن يملك المرء لا أن تملكه هي.

قد يرى البعض أنّ أصحاب مبدأ البساطة، يبالغون فيه، لكنّ هذا المبدأ أصبح ملحّا هذه الأيّام، مع الوضع الاقتصاديّ الخانق الذي نعيش فيه، من غلاء الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية للعملة المحليّة ممّا يستلزم منا إجراء تقشّف فوري.

من صور هذه الاجراءات؛ ترتيب أمورنا المالية بناءً على الأولويات والضروريات، وليس على السائد وما يطلبه الجمهور، والتنظيم إذا دخل شيء زانه وحسّنه. أي أننا نتوقف للحظات ونفكّر ألف مرة قبل شراء هاتف محمول بمبلغ يكفي سلعا غذائية لمدة شهر كامل.

وكذلك الأمر في شراء الملابس، علينا أن ننظر إلى خزانة ملابسنا وكميّة الأثواب التي لم نعد نرتديها، إما لأنّنا اشتريناها دون هدف أو نمى لدينا شعور الحاجة إلى شراء شيء جديد، فكيف تتحوّل هذه الملابس من ستر عورة الإنسان إلى رمز للتباهي والتفاخر؟

يمرّ مجتمعنا بفترة عصيبة سياسيّا واقتصاديّا، وإن كان هذا الوضع الحالي غير كافٍ لإعادة النظر في أسلوب حياتنا، والوقوف بصرامة تجاه النزعة الاستهلاكية المجنونة، فإننا سنكون مجبرين على ذلك في فترة ما، وعند ذلك، قد نعجز عن توفير الضروري من المتطلبات اليومية.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)