عمال شركة الواحة للنفط يتظاهرون في طرابلس للمطالبة بإقالة رئيس مجلس إدارة الشركة بدعوى الفساد في شهر أكتوبر 2011 ANP
article comment count is: 0

سالم أبوظهير يكتب: المحسوبية الليبية

“ألق بالمفاتيح يا ابن أرقم فإنا سنجد غيرك”. هذا ما قاله – بغضب – عثمان بن عفان رضي الله عنه لخازن بيت مال المسلمين زيد بن أرقم، الذي جاءه باكيا يطلب استقالته من عمله، احتجاجا على أمر الخليفة بصرف مائتي ألف درهم من بيت المال لزوج ابنته يوم عرسه، تحت بند وسياسة صلة رحم الخليفة بآل بيته وأقاربه، فيما اعتبره الناس تأسيساً صريحاً لمبدأ المحسوبية التي كانت سبباً من أسباب ثورة البعض على عثمان رضي الله عنه، وتعلق خصومه الطامعين في الحكم من بعده بها. وقُلبت هذه المحسوبية من جانب الخليفة الثالث فيما بعد كل أعماله الخيرة لصالح المسلمين، إلى أعمال يشوبها الشك والريبة من مقصدها، حتى وصل الأمر أن يتهامسوا في ما بينهم عند قيامه بتوسعة المسجد النبوي بأنه يوسع مسجد النبي ويترك سُنّته!

منذ ذلك التاريخ تقريبا والمحسوبية سبب مهم من أسباب الفجوة بين الشعوب وحكامها، واتسعت الفجوة بين الحاكم والمحكومين حتى تحولت تدريجيا لتاريخ حافل من الانتفاضات الشعبية السلمية والمسلحة، والثورات على الحكام الذين كان ديدنهم المحسوبية والوساطة والتحيز لأقاربهم وأصهارهم، وتكليفهم، وخصّهم بالعطايا والوظائف. ومنذ ذلك التاريخ، تحولت المحسوبية أيضا لسلاح خبيث يرفعه من يريد في وجه خصمه دونما اعتبار للمنطق، فتحول القميص الذي رفعه الأمويون أقارب عثمان على المنابر ليتخدوه شعارا لهم ليمكنهم من الوصول للحكم، إلى مثل سائر على كل من يستعمل كلمة الحق في سبيل الباطل.

وفي تاريخ ليبيا القريب والمعاصر، كانت هذه المحسوبية المقيتة سببا رئيسيا في تأخر تقدم الدولة الليبية حينا، أو فشل قيامها أحيانا أخرى. الملك إدريس السنوسي الذي حكم سبعة عشر عاما، رغم ما قيل عن ورعه وزهده وتقشفه، إلا أن محاباته لأقاربه ربما كانت سببا من الأسباب التي عجّلت برحيله، والأمر تقريبا لا يختلف عند معمر القذافي الذي حكم البلاد اثنين وأربعين عاما، كان  فيها شديد الحرص على أن يوحي لليبيين والعالم بأنه لا يملك في الدنيا سوى ناقته والخيمة، فيما تكفل الإعلام المتخصص في (الشهدرة) والفضائح بنقل ما يقوم به بعض حاشيته وأقاربه وأبنائه من تسلط وعنجهية وسطوة داخل ليبيا، ونقل حفلات بذخهم وإسرافهم خارجها.

ويستمر الحال في عهد فبراير المجيدة، وتكبر كرة المحسوبية والوساطة فيها بلا رقيب ولا حسيب ولا رادع، ليمتهن بعض من يعتقد أنه من قادتها وشارك فيها المحسوبية على أصولها، فيصبح المراهق الذي حمل ابن عمه السلاح في وجه نظام القذافي وكيلا لوزارة مهمة، ويصبح ابن الوزير سفيرا، وابن السفير وزيرا، وتتفرع المحسوبية الليبية وتتخذ صورا متعددة من المحاباة والوساطة وعدم المساواة، وتتفشى في المجتمع وتفتك به فتكا شديدا، حتى بات من المستحيل أحيانا أن ينجز المواطن مصلحة تخصُّه مهما كانت حقا له دون الاستعانة ببارونات المحسوبية والوساطة من أصحاب النفوذ والسلطة لإنجاز مصلحته، والحصول على حقه!

وتدريجيا تحولت المحسوبية من ظاهرة عارضة تصيب أي مجتمع إنساني إلى شكل من أخطر أشكال الفساد المالي والإداري في ليبيا، وإلى أزمة حقيقية من مظاهرها انعدام هيبة القانون، مما يتطلب بذل جهد مضاعف من أجل زيادة وتفعيل دور الرقابة الإدارية والمالية لمكافحة هذا الوباء والتخلص منه، ومن الشوائب المتعلقة به من وساطة واستخدام امتيازات الوظيفة لأغراض شخصية، وإساءة استخدام السلطة وعدم إحقاق العدالة والمساواة، حتى نقترب كثيرا من التأسيس لمرحلة بناء دولة المؤسسات والعدل والقانون والمساواة، هذه الدولة المنشودة التي قدم الكثير من مواطنيها أرواحهم وضحوا بالغالي والنفيس من أجل أن تقوم.

وبدون القضاء على المحسوبية الليبية المقيتة، وممارسة الشفافية في أبهى صورها يصبح قيام الدولة في ليبيا أمرا بعيد المنال إن لم يكن مستحيلا في ظل وجود هذه الأقليات التي تمارس المحسوبية بكافة صورها وأشكالها و(على مفاصلها)، ومستعدة للموت من أجل استمرارها، لأنها تعلم جيدا أن مجرد الاقتراب من التأسيس لدولة لا محسوبية فيها يعني فقدانهم لمناصبهم الحكومية المرموقة وامتيازاتهم المالية العالية وسلطاتهم السياسية المهمة.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية