الأهمّ من الحصول على المال، معرفةُ كيفيّة إدارته: ماذا نفعل به وكيف نُنفقه بذكاء، وليس كيف نحصل عليه فقط - Huna Libya
Your Mental Wealth article comment count is: 3

بين الإنفاق والادخار ، كيف يُدير الليبيّون أموالهم ؟

المال موردٌ حرجٌ في حياة كل منا؛ فهو وسيلة وغايةٌ في الوقت نفسه، نعملُ لجنيه ولكنّه ليس الغاية نفسها، بل نجدهُ وسيلة للحصول على أشياء أخرى، ارتبطت سعادتُنا أو رُبطت بها. المالُ والسعادة عنصران لم تحدّد علاقتهما معاً بعد لحُسن حظنا.

وكثيرا ما تتسمُ علاقتنا بالمال بالحيرة؛ بين القلق من تمحور حياتنا حوله، وتحوّلنا إلى كائنات ماديّة تقيسُ نجاحها وقيمتها بما لديها من مال وسلعٍ فخمة، وبين عدم السعي خلفه والتحرّر من استعباد المادة لنا، ثم إيجاد أنفسنا أمام معضلاتٍ ماديةٍ، تعرّض مبادئنا وأفكارنا للتصدّع أو حتى الانهيار.

شخص يناول كريدت كارد إلى شخص آخر - الإنفاق والادخار

إدارة الموارد: توازن القلق والاستمتاع

تمثّل المرحلة العُمرية لكلّ شخص، مُحدِّدا مهمّا لموقع المال في حياته؛ فبالنسبةِ لشابّةٍ أو شابٍ يختلف موقع وأهمية المال عنه بالنسبة لأمٍ أو طفلٍ أو رجلٍ مسنٍّ.

كما أنّ تمضية شبابك في زمن حربٍ يجعل الكثير من الأمور البديهيّة والبسيطة في الظروف المعتادة أسئلة عسيرة؛ هل نستمتعُ بما لدينا ونُنفقه دون القلق من المقبل بحثاً عن فسحةٍ في زمن الضغوطاتِ والمِحن؟ أم ندّخر وننفق بحذرٍ لأننا في زمن الأزماتِ حيثُ الحذر والاحتياط مضاعف؟

إنّ إدارة الموارد المالية واتخاذ قرارات بين الإنفاق والادخار كطلب سلفةٍ أو تغيير مهنتك أو تغيير سيارتك، جميعها قرارات غير سهلة حتى في الظروف المالية والمهنية المستقرة؛ إلا أنها تزداد تعقيداً مع كثرة الحسابات التي يمرّ بها ربُ الأسرة أو الشاب والشابة العاملة في ظروفٍ اقتصادية معقدةٍ كالتي نعيشُها .

يقول رجل الأعمال والكاتب الأمريكي “روبرت كيوساكي” مؤلّف كتاب (أبٌ غنيّ أبٌ فقير): “إنّ الأهمّ من الحصول على المال، معرفةُ كيفيّة إدارته. وإنّ أهم دروس يجب أن تعلّمها لنا المدارس بطريقة أو بأخرى هو ماذا نفعل بالمال؟ وكيف نُنفقه بذكاء؟ وليس كيف نحصل عليه فقط“.

ويؤكّد “كيوساكي” في كلّ القصص التي يسردها في الكتاب، أنّ هناك العديد من السلوكيات المتعلقة بقراراتنا المالية، يمكن اكتسابُها أو تعلّمها إن أردنا ذلك، ورغم أن الكتاب يحصر العالم والمُتع في المال والتجارة والسوق، غير أن به بعض النصائح والقصص القيمة حول هذا الموضوع.

عملة معدنية متناثرة، بورصة - الإنفاق والادخار

من جهةٍ ثانية، ترتبطُ مهاراتنا في إدارة مواردنا؛ بطبيعة شخصيّاتنا إلى حدٍ كبير.

يقول الباحث في علم النفس الاقتصادي، الأمريكي “براد كلونز” في كتابه “Mind Over money”: “إن القرارات المتعلّقة بالمال هي في جزء كبير منها لا تخضعُ للمنطق، وإنما للعاطفة. وإنّ ما ننفقه أو ندّخرهُ غالباً يكون متأثراً بدافع عاطفي“.

وإذا أردنا وضع قائمة نصائح لترتيب الأولويات وإدارة المصروفات، بما يتناسب مع المدخول، فلن يكون هناك الكثير من الابتكار؛ فالكتب والمقالات تنصح دوماً بوضع خطة مالية لكل شهر، وتصميم نفقاتك ومستوى عيشك وفق مصروفك وليس العكس، وتوزيع شراء الأشياء المهمة على أكثر من شهر حتى لا ترهق ميزانيتك.

جميعُها تبدو أفكارا بديهية، لماذا لا نطبّقها إذاً؟!!

تجارب واقعية

خلال السنوات الخمس الماضية، شهدت الأحوال الاقتصادية في ليبيا تغيراتٍ غير مسبوقة، بدأت بهبوط سعر الدينار والنقص الحاد في السيولة النقدية، واستمرّت بتأخر مواعيد المعاشات، والغلاء الذي لم ينتهِ، حتى بعد تحسّن قيمة العملة.

وقد أفاد تقييمٌ لسوق أسعار السلع التموينية وغيرها، في بعض المدن الليبية، لشهر سبتمبر الماضي (09/2019) أنّ مقدار ما تنفقه الأسرةُ في مدنٍ كطرابلس وزوارة والعزيزية على السلع الغذائية الأساسية يفوق 600 دينار شهرياً.

فيما سجّلت مُدُن الجنوب الليبيّ ارتفاعاً كبيراً في الأسعار يفوق ألف دينار في الشهر، على السلع الغذائية الأساسية؛ لاسيما أوباري والقطرُون وغات، ولا تعد هذه الأسعار مستقرّة أو نهائيّة إذ سبق وارتفعت أسعار الخضروات ومواد التنظيف في طرابلس، ارتفاعاً كبيراً مع بدء النزاع المسلح (حرب أبريل 2019) جنوب المدينة، بسبب مشاكل في وريد السلع.

وتتضاعف هذه الأعباء بالنسبة إلى النازحين عن بيوتهم أو من هم بحاجة إلى دفع إيجار سكنهم، إذ شهدت أسعار العقارات في البيع والاستئجار ارتفاعاً كبيراً .

صورة تظهر محل خضراوات

تشرحُ (إكرام) وهي أمٌّ عاملة لستة ابناء، تعيشُ منذ تزوّجت – كأغلب العائلات الليبية – في الطابق العلوي لبيت أسرة زوجها. تشرح كيف تغيّرت طريقة إنفاق راتب الأب والأم بعد الغلاء والحرب، وخاصة بعد نزوح الناس عن بيوتها:

“لقد أصبحنا نؤمن ونطبق فكرة عش يومك، ولا ندخر الكثير للغد، وبعد أن كانت مدخراتنا لشراء بيتٍ يسعُنا ويُريحنا كما كنا نحلم، أخرجنا مدخرات عمرنا لتوسعة البيت بزيادة غرفة أو اثنتين”.

تؤمن (إكرام) أنّ دور الأمّ في إدارة مصاريف البيت بنجاح هو دور جوهري؛ وتعطي أمثلة على طريقتها هي وزوجها في التوفير:

حيث تتولى هي التخطيط لمصاريف الشهر المتعلقة بالأكل والمدارس ومتطلبات الأولاد: “وأشرف بنفسي على تحديد ميزانيتها بمعرفتي، وخُطتي للمصاريف تخضع دوماً للتعديل والمراجعة لترتيب الأولويات“. فيما يرتّب زوجها المصاريف الأخرى التي يقوم بها بنفسه، كصيانة السيارة أو لأثاث البيت أو غير ذلك.

وتواجه العديد من الأسر مشكلة لدى الموازنة بين أولوياتهم؛ ففي الحديث تبدو الفكرة سهلة أنْ تحدّد ما تحتاجُه أكثر وتشتريه أولاً. لكنّ الأم التي تواجه في ذات الأسبوع، ابناً يحتاجُ معطفاً، وابنةً تحتاجُ حذاءً، وآخرُ يحتاجُ نظارة طبيةً بشكل مستعجل، هل يمكنها اتخاذُ قرارٍ سهلٍ في حالٍ كهذه؟

صورة امرآة تظهر مخفية وجهها بين يديها وهي جالسة على مكتب - بيت الإنفاق والادخار

في تجربةٍ أخرى يروي “ح.ل”  (32 سنة) وهو شابٌّ مقبلٌ على الزواج، شكلاً آخر للحيرة في حياته.

(ح.ل) لم يعرف حتى الآن، إلى متى سيُؤجّل موعد زفافه، وقد أضحى بيتُه المستقبليّ في مسرح الاشتباكات. وعند حسابه تكلفة استئجار بيتٍ لمدّة ستة أشهر كان المبلغُ مكلّفاً جداً بالنسبة له. يقول:

نحطّ فلوسي في الكري، كأنّي نلوّح فيهم في الهوا.. أني الحق خدمت وتمرمدت، وخاطري يوم نتزوّج يبدا عندي حوشي ملكي وبروحي حتى لو صغير

اشترى (ح.ل) شقة صغيرة في ضاحية صلاح الدين، جنوب طرابلس، ولكن للأسف، لم يتمكّن منذ أسابيع حتى من الاطمئنان عليها، وعلى ما بها من مفروشاتٍ بسبب الحرب.

تتراوح الأولويّات بالنسبة للمقبل على الزواج، بين تجهيز البيت، وشراء لوازمٍ للعُرس والحفل، وكسوة العروس، وينتقدُ (ح.ل) نفقات البيوت الليبية على المناسبات، لكنه يعود للقول إنها فرحة العُمر وتستحق ذلك؛ “على شن نصرفو احني الليبين، مع الحرب والنكد معادش عندها العيلة وين تغير جو إلا في الأعراس.. خلّي يفرهدو..”

كمبيوتر، قلم، مخططات

إنّ التحديات الاقتصادية والحواجز المعيشية، التي يتخطاها ربُ أو ربّة الأسرة الليبية، ويتأقلم معها؛ يُفترض أن تجعل منه خبيراً في إدارة ماله ووقته وحياته، وتجعل منه أكثر قوةً، وهو السر ربما في صمودنا بعد كل أزمة، وخروجنا منها بصبرٍ لم نعهدهُ في أنفسنا؛ بما يشبه مبدأ “ما لا يقتلُك يقوّيك” أو كما يقوله الليبيّون “اللي ما يقتلش يسمّن“.

ولكنّ النجاة والصمود ليست مجرد مُضي الوقت عليك ومرور الأزمة، بل تتحقق نجاتنا باجتيازنا الحواجز بنجاحٍ عبر تجاوز كل أزمةٍ دون الانجرار إلى مصادر رزق غير مشروعة، وعدم استسلامنا للديون لدرجةِ العجز، وألّا نتوقّف عن الابتكار والخروج بحلولٍ ناجحةٍ ودروسٍ دون استسلام في كل مرّة.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (3)

  1. كل التحية والاحترام للوردة الناضرة نجوى وهيبة فانتي بلسم يشفي قلب كل مكلوم ويعطيه قوة وحيوية

  2. ياليت الجميع يستفيد من المقال وياليت يكون في كورسات ادارة مالية وادخار انا وحدة من الناس في احتياج ماس لها