العمل المستقل، عمل المستقبل. العمل الذي يمزج الشغف بالحرية وتفصّله حسب حياتك وأوقاتك - Huna Libya
قيمة كلّ امرئ ما يُحسنه article comment count is: 2

قصتي مع العمل المستقل، حرية أكبر وحقوق أقل

عندما كنت بعمر 14 بدأتُ باستخدام معدّات النجارة الخاصّة بوالدي، الذي رغم كونه معلّما إلا أنّه كان يمارس النّجارة كهواية ومهارة ووسيلة لكسب بعض المال أحيانا.

بدأتُ بإتقان استخدام آلة (التورنو) وهي آلة تقوم بتدوير قطعة الخشب حول نفسها من محورين، وبعد ذلك يصبح بالإمكان تشكيلها كما يشكّل الخَزَفيّ الطين، بواسطة أداة تسمي (المربوع).

استخدمت آلة التورنو لصناعة (الزرابيط) كما نسمّيها، تلك اللعبة الخشبيّة المخروطية الشكل التي كنّا نلفّها بخيطٍ ثم نرميها على الأرض بقوّة؛ لتلتفّ حول نفسها كالزوبعة. كانت من بين أكثر الألعاب شعبيّة، للأجيال التي سبقت اكتشاف الآيباد والأجهزة الذكية، وكنتُ من أفضل صنّاعها في المنطقة.

صورة رجل يحمل كاميرا بيده وعلى ظهره حقيبة
أ. طه الجوّاشي – مصوّر صحفيّ، ومدرّب ومحاضرٌ في مجال التصوير الفوتوغرافي

ورغم أني كنت أصنع منحوتاتي الخشبيّة لألعب بها وحدي؛ إلا أنّ اهتمام الأصدقاء وزملاء اللعبة من أطفال الحيّ جعلتني أفكّر في صنع كميّات أكبر؛ لبيعها للأطفال الآخرين. وفعلاً، قمتُ بإنتاج نوعين من اللعبة، كل مُنتَج مصنوع من نوع مختلف من الخشب، ولكلّ منها سعرٌ مختلف.

هذه التجربة الشخصيّة على بساطتها، هي التي مهّدت لي فيما بعد طريق العمل الحرّ المستقلّ، بعيدا عن عبوديّة الوظيفة وقتل الشغف. فقد تبيّن لي أنّي لا أحتاج الانتظار لسنواتٍ حتى أكمل تحصيلي التعليميّ وأجد واسطة أحصل من خلالها علي وظيفة حكومية، لأكسب عيشي، وأنّ كسب المال خارج نطاق الوظيفة الحكومية أمر ممكن.

ولك أن تتخيّل وقع هذا الدرس على فتى صغير دون 14 من عمره.

لم أعرف مصطلح Freelance (العمل الحر/المستقل) إلا من سنوات قليلة، رغم أنّي أكسب عيشي كفريلانس منذ أوّل لعبة خشبيّة صنعتها وبعتها إلى يوم كتابة هذه السطور التي أعدّها خصّيصا لمنصّة هنا ليبيا، كمساهم مستقلّ. باستثناء عام واحد اشتغلتُ فيه موظّفا حكوميّا في الدولة.

كاميرا تصوير حديثة

العمل الحرّ (فريلانس/Freelance) يُقابل التعيين (الوظيفة الحكومية). وفي مجتمع يكاد يكون جلّ أفراده موظفين في الدولة يعد العمل الحرّ تحديا من عدة نواحٍ:

  • أوّلا: الناحية الاجتماعية:

حيث لا يُنظر للعمل الحرّ علي أنّه طريقة عمل جديّة ذات مستقبل، لأن احتمالية الفشل تساوي أو تزيد عن احتماليّة النجاح. ينظر المجتمع إلى العمل الحرّ على أنّه عملٌ غير آمن ولا مضمون، أو على الأقلّ لا يُغنيك عن الوظيفة الحكوميّة، والتي يجب أن تكون أوّل ما تفكّر به وتسعى إليه بعد التخرّج.

فالوظيفة الحكوميّة “التعيين” حلم كلّ مواطن، فهو الذي يضمن مبلغاً من المال مع نهاية كل شهر، لذلك يعدّ “التعيين” في المجتمع الليبي شرطا مهمّا علي الرجال، وأحد المتطلّبات المهمّة للمقبلين على الزواج.

وعلى هذه الحالة، تسير الثقافة المجتمعية في تغذية مفهوم الأمان في ثبات الدخل مهما كانت قيمته أو نوع العمل: “كول مسنّي وبات متهنّي” ويسانده مثلٌ آخر يقول “قليل يدوم خير من كثير منقطع

كلّها أمثالٌ شعبيّة تبرز ثقافة التشجيع علي القبول بقدر قليل من المال مقابل الاستقرار. لذا فمن الناحية الاقتصادية، مرتب الدولة “القليل الدائم” خيرٌ من دخل العمل الحرّ “الكثير المنقطع”

مصوّر صحفي يرتدي خوذة وبدلة واقية

  • ثانيا: الناحية الحقوقيّة:

الجانب الأخطر في اعتقادي، فيما يخصّ العمل المستقلّ في ليبيا، هو الجانب الحقوقيّ، سواء علاقة الفريلانس بالدولة (لا وجود لمرتّب تقاعدي، أو تأمين صحّي، أو إمكانيّة الحصول على قرض/سلفة ولا شراء منزل بالتقسيط) أو علاقة الفريلانس بالزبون (حقوق الملكيّة/الحماية)

فبحكم تجربتي الخاصّة كمصوّر محترف منذ العام 2009، ومصوّر صحفيّ لكبرى الوكالات الإخباريّة والإعلاميّة منذ 2011؛ فأستطيع القول وبكلّ ثقة إنّ عمل الفريلانس في ليبيا غير محميّ ومعرّض دائما، للخطر، وفقدان حقوق الملكيّة واستغلال الجهد.

للعمل الصحفيّ – على سبيل المثال – مسؤوليّات تجعل من المهمّ علي الصحفيّ، التواجد في أماكن توتّر، وخطيرة في كثير من الأحيان. ورغم ذلك، لا يوجد له تأمينٌ صحي في حال إصابته، أو تأمين على الحياة، في حال موته، لا قدّر الله.

فلا يوجد جهة ما تحمي الفريلانس (الموظّفون تحميهم قانونياً الجهة الحكوميّة التي يعملون لديها) وحتي الجهات الدولية، مثل: وكالات الأنباء، لا تحمي صحفيّيها من العاملين المحليّين، الذين دائما ما يكونون من الفريلانس.

وخير مثال على ذلك فاجعة مقتل الزميل محمد بن خليفة (يناير 2019) أثناء تغطيته لاشتباكات مسلّحة جنوب طرابلس؛ حيث لم يتم تعويض عائلته من قبل الوكالة الدوليّة التي كان يعمل معها لسنوات.

واكتفت الوكالة بالقول: “إنّ بن خليفة كان أحد مزوّدي الوكالة (فريلانس) كما كان يعمل لعدة جهات أخري” وذلك للتهرّب من المسؤولية، كي يقولوا إنّه كان يعمل مع العديد من الجهات وليس فقط معهم.

ومن خلال منصّة هنا ليبيا أدعو إلى إنشاء نقابات متخصّصة تعنى بالعاملين المستقلّين Freelancers كلٌّ في مجاله: لحصرهم وضمان حقوقهم (الأجور، ساعات العمل، التأمين، الإجازات السنويّة والمرضيّة مدفوعة الأجر، السلامة، وغيرها) وإعداد مواثيق شرف لمهنتهم، وتوحيد صفوفهم، وفرض شروط على من يوظّفونهم حماية لهم من الاستغلال أو الإنكار.

شهيد الصورة: المصوّر الصحفي محمّد بن خليفة، رحمه الله (1983 – 2019) – صورة أرشيفيّة

العمل المستقلّ، عمل المستقبل

ورغم المخاطر الاقتصاديّة والاجتماعية والحقوقيّة وحتى الصحيّة، التي تحفّ عمل الفريلانس؛ إلا أنّه في المقابل، عملٌ يسمح لك باتباع شغفك وتطوير نفسك والمضيّ قدما في مجال تحبّه، الشيء الذي يزيد من قدرتك على الإبداع.

عملتُ نحو سنة في إحدى أهم مؤسسات الدولة بليبيا، ورغم أنّ مرتبي كان جيّدا نسبيّا، مقارنة بالوظائف المشابهة، والمساوية لدرجتي الوظيفيّة، وقد تعتبر حلما لدي آخرين؛ إلّا أنّها لم تناسبني وشعرتُ أنّها تأكل منّي يوميّا.

فقد وجدتُ العمل الحكوميّ، روتينيّا مملّا، بفعل التكرار والتبلّد، واللامبالاة، وعدم التطوّر والانغماس في بيئة غير منتجة. فلا أحد يقوّم العمل السيء ولا أحد يقدّر العمل الجيّد، ولا حافز أصلا للإبداع ما دام المرتّب سيأتيك نهاية الشهر مهما كان أداؤك.

لذلك قرّرتُ ترك العمل الحكوميّ وتركت البلاد وهاجرت إلى دولة أوربيّة منذ أكثر من سنتين، فكما أنّ العمل الحكوميّ ليس لكلّ أحد، فكذلك العمل المستقلّ ليس لكلّ أحد، فهو يحتاج مواصفات من الإبداع واتباع الشغف وكره الروتين والقيود الوظيفيّة، فلا حدود للعمل المستقلّ سوى مستوى إبداعك ودرجة جهدك.

كاميرا متدلّية

حاليّا، أعمل كفريلانس، في إحدى الدول الأوربيّة، وأدفع مبلغا شهريّا، وضريبة قدرها 15٪ علي كل فاتورة أصدرها. وفي المقابل، أتحصّل علي تأمين صحّي واجتماعيّ، ومرتّب تقاعدي، وبإمكاني الحصول علي قرض لشراء منزل، ولي نقابة تحميني وتدافع عني.

الفريلانس، في الدولة التي تحترم مواطنيها، مثله مثل الموظف أو أيّ عامل آخر، يتمتع بكامل الحقوق المدنية والقانونية والاجتماعية. فمتى يأتي اليوم الذي نرى فيه ذلك، في ليبيا؟

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (2)

  1. تصور ان نقاش عليا كرجل مصنع امنع. يوم الفاتحة هو التعيين. كشرط اجتماعي. يا ناس التعيين يطلعلي في 100$ وانا نخدم اوينلاين ونتحرك ونبيع ونشري ونطلع فوق 1000$.لا لا التعيين امان وانت شن يفهمك والتعيين يضمن حقنا.طيب هل التعيين يخليك تعيش برا او يخليك تسحب فلوسك.هذاك يبي نوع فساد

  2. العمل الحكومي هو مقبرة للدفن شغفك طموحك تطورك مواهبك..حتى التأمين الذي تقدمة لك الدولة بسبب شغلك لا يعتبر تأمين !يعاني من نواقص كثيرة ليس مثل تأمينات الدول الاخرى..الدول الأخرى عند دخولك للطبيب او الصيدلية يطلب منك الAssuranceعشان ما تدفع فلوس وإذا دفعت الدولة ترجعلك..هذا لن نراه في ليبيا ف الحل 🧳💳🛫أمن نفسك و مستقبلك خارجها ولا تعتمد على دولتك في شي..