المرسكاوي أكثر الأنماط الغنائية انتشارا في فزان، ويُجمع الكلّ على كونه الأهم في المنطقة - Huna Libya
في التنوّع ثراء article comment count is: 3

الموسيقى الفزانية تنوع وتلاقح وأصالة

تعدّدت الأنماط الغنائيّة بفزّان (الجنوب الليبي الغربي)؛ بسبب اتساع الرقعة الجغرافية للمنطقة، ووقوعها على أهمّ طرق القوافل في الأزمان السالفة. تلك التجارة التي أكسبت فزّانَ أهميّة كبرى لكلّ من يمرّ بها من التجّار والحكّام.

ولعلّ هذا أيضا، أكسب المنطقة تنوّعا في الآلات الموسيقيّة التي اشتهرت في المنطقة، فالقوافل القادمة من جنوب الصحراء أو الشمال، كانت تحمل معها أدواتٍ ومعارفَ لم يطّلع عليها السكاّن المحليّون. ومع مرور الوقت صارت هذه المعارف – ومن بينها الموسيقى – أصيلة في المنطقة، بعد أن وقع عليها التطوير والتحديث والمواءمة مع البيئة الفزانية.

رجلات يرتديان لباسا أبيضَ، وعلى خصرهما نطاق، يرقصان - الموسيقى الفزانية

كانت مدينة مرزق عاصمة الإقليم (140 كم جنوب غرب سبها)، ومستقرّ حكّامه لمئات السّنين، وتتعزّز فيها نظريّة أثر القوافل التجاريّة في تميّزها الموسيقي، كما يقول الباحث علي محمد باوه،

يقول باوه: هذا الأمر ناتجٌ من أنّ القوافل كانت تصل مرزق بعد أشهرٍ من المسير الطويل عبر الصحراء، وتمكث في المدينة لأيّام، قبل أن تستأنف مسيرها شمالا والعكس كذلك. وكان التجار ومن يُرافقهم في هذه القوافل، بحاجة للسمر والترويح عن النفس، وهو ما دفع سكّان مرزق لتوفير كلّ سبل الراحة لروّاد مدينتهم.

ليست الموسيقى والغناء فحسب، بل الخانات (أقرب ما تكون للفنادق) الي تعتبر إقاماتٍ للتجّار ومخازن السلع وزرائب المواشي، فضلا عن إقامات الرقيق الذين يقع جلبهم من جنوب الصحراء، وانتهاءً بأماكن السمر واللهو.

وهو ما برع فيه سكان مرزق حتى صار يعرف باسمهم، الغناء المرسكاوي، والذي تكوّن بمزيج من الفصاحة الشعرية العربية والثقافات المحلية بالمنطقة، فضلا عن موسيقى جنوب الصحراء، وموروث تجار الشمال.

هذا الخليط أوجد الموسيقى والغناء المرسكاوي، الذي يُعدّ أبرز أنماط الغناء في فزان وأبرز أنواع الموسيقى الفزانية.

امرأة ترتدي ثيابا تقليديّة للجنوب الليبي، وترقص وسط مجموعة موسيقية من الرجال - الموسيقى الفزانية

يقول الفنان الشعبي عبد السلام سيدا إنّ الغناء المرسكاوي يُؤدَّى عبر لحن محلي على مقام متعارف عليه بين الجميع في المنطقة، وكما يشير باحثون يتميّز المرسكاوي بميزتيْن أساسيّتيْن:

أولهماالموّال والذي عادةً ما يكون مصحوبا بموسيقى الناي أو الطبل الخفيف، ويتمّ خلال الموال تهيئة المغنّي للدخول في أجواء الأغنية، ويكون الموّال مكوّنا من أبياتٍ شعريّةٍ تصلح لبداية أيّة أغنية، وكثيرا ما يكون الجميع يحفظون هذه المواويل ويشاركون المغنّي في أدائها، كقولهم:

ونا اليوم من ريتها زاد دايا *** وكذّاب من قال يعرف دوايا

ثانيهما: ما يعرف شعبيّا بـ(التبرويلة) وهي حركة سريعة تكون في نهاية الأغنية، وعادة ما تكون من ذات اللحن، غير أنّها ذات إيقاع راقص يصل بها المغنّي إلى نهاية العمل، كقولهم:

اوه يا نايا، او يانا *** ما صاير فيّا، او يانا

نارك يا بنيّة، اوه يانا *** ما دارت فيّا، اوه يانا

صورة وجه رجل كبير في السن يرتدي نظارات، ويعرف بالمزمار - الموسيقى الفزانية

يعتمد الغناء المرسكاوي عادة على الجميع، غناءً وعزفا وترديدا وتصفيقا. فالكلُّ في حضرة هذا الغناء يعتبر مشاركا فيه.

أساسه الطبل الذي يُحْدِثُ صوته طربا في النفوس، يتبعه المزمار الذي لا يتوقف عازفه عن النفخ فيه طوال الحفل. يأتي بعد ذلك الراقصون، وهم في الغالب من الجمهور، الذين انسجموا وطربوا مع الغناء ولم يتمالكوا أنفسهم، إلا وهم يتوسّطون الحلقة، وسط تصفيق وحماس الجميع.

من أشهر أغنيات المرسكاوي في ذاكرة الموسيقى الفزانية:

عرجون البلح مدلّي *** يرقا للسما ويولّي

إن كان في السّما نرقاله *** وإن كان في السما ننزلّه

هذه الأجواء كانت تُطرِب تجّار القوافل، وتنسيهم متاعب رحلة أشهرٍ طويلة عبر الصحراء، ومتاعب الرحلة التي تنتظرهم. فيحملون من مرزق ذكريات لا يَسْهُلُ نسيانها، وهو ما ساعد في انتشار الغناء المرسكاوي، ليصل إلى مدن الشمال الليبيّ، كطرابلس وبنغازي والبيضاء.

وفي العقود المتأخّرة برع فيه فئة من الفنّانين المحليّين من مدن الشمال، مثل: علي الجهاني، وليد التلّاوي، عبدالجليل القندوز، مفتاح معيلف، شادي الجبل، السيّد بومدين، مفتاح بوحليقة، ونيس الدرسي، فوزي اصغيرونه، وغيرهم.

وإلى الشّمال من مرزق، وتحديدا في مدينة سبها، التي كانت أقلّ شأنا من مرزق، فيما يخصّ كونها ممرا للقوافل ومستقرّا للحكام المحليّين.

نشأ غناء محلّي ظهر بين المزارعين، حيث كان نشاط الزراعة النشاط الأساسي لسكّان أحياء المدينة القديمة، ويعتمد هذا اللون على الطبل المصنوع من جلد الإبل، وفي فترات اعتمد على البرميل الجرماني الذي ظهر فترة الاحتلال الإيطالي؛ فصار من أدوات الموسيقى المحليّة.

في سبها، يمتاز الغناء بكونه معتمدا على قصيدة متكاملة، لا يمكن الفصل بين أبياتها، فهي قصّة متكاملة وحالة شعورية تُنْقلُ كما هي، كقولهم:

مرحوم من حازها في دياره *** ومولاي عاطيه مبرك نهاره

وقولهم:

مرحوم من حاز ريم الصحاري *** والمشّاط بالمستكة والغماري

وتُغنّى هذه الأهازيج عادةً في أوقات العمل بمزارع المدينة وأحوازها، ومع الوقت أصبحت مادّة الأفراح والمناسبات.

امرأة كبيرة في السنّ تعدّ نسجا

في خمسينيّات القرن الماضي، بدأت مدينة سبها في أخذ مكانتها كعاصمة للإقليم، وتحديدا سنة 1951، عندما بدأ والي فزّان عبد الجليل سيف النصر في نقل دواوين الولاية ومؤسّساتها للمدينة.

بعد ذلك، شهدت سبها زخما في مختلف مناحي الحياة، ومنها الفنيّة، فتعزّز فيها الغناء المرسكاوي مع انتقال العديد من عائلات مرزق إلى سبها، وظهر أيضا فيها الغناء الهوني الذي صاحب استقرار العديد من عائلات الموظّفين بالولاية، الذين جلبهم سيف النصر من مدينة هون (350 كم شمال شرق سبها).

لحق ذلك دخول أنماط غنائية من وادي الشاطئ (75 كم غرب مدينة سبها) والبوانيس (80 كم شمال شرق سبها)، بعد أن صارت المدينة جاذبة لهم، وهو ما أكسب الثقافة الغنائية في الجنوب ثراءً لم يُسبق له قبل ذلك. فتجد المرأة المرسكاوية القاطنة سبها تجيد غناء مرزق، وأهازيج سكّان سبها، وتقاطيع غناء وادي الشاطئ، وأناشيد الهوانة، والعكس كذلك مع الفئات الأخرى.

وهو ما يؤكّده الفنّان الشعبي محمود النمّار، إذ يوضّح أنّ الأنماط الغنائيّة في مدينة سبها كانت خليطا من كل الثقافات التي وردت للمدينة، مع ذلك يمكن تحديد ثلاثة أحياء تميّزت بألوان غنائية خاصة، وهي: حي الجديد ومعه محلّة النزيلة، وحي القرضة، وحي حجارة. هذه الأحياء كانت أصل مدينة سبها.

يضيف النمّار أنّ كلّ من وردوا للمدينة من مختلف المناطق، كان عليهم أن يمزجوا غناءهم بغناء هذه الأحياء، فكانت الموسيقى التي نسمعها طوال أكثر من سبعين عاما عبر الأجيال.

مجموعة من التوارق في لباسهم التقليدي يقومون برقصة جماعية

وسط كلّ ذلك، ازدهرت الموسيقى التارقية، والتي رغم حفاظها على استقلاليّتها وخصوصيّتها؛ إلا أنها تمازجت في بعض الصور مع الغناء الفزاني، خاصة في منطقة النزيلة بسبها ومدن إدري الشاطئ ووادي عتبة، وهي المناطق التي كان يعيش فيها أعراقٌ مختلطة من العرب والتوارق المحليّين.

لكن مع ذلك، ظلّ اللون المرسكاوي أكثر أنماط الموسيقى الفزانية انتشارا، ويُجمِع الكلّ على كونه السّمة الأساسيّة للغناء والموسيقى في المنطقة. حتى مع تطور الزمن وتعدد أساليب التسلية وإمضاء الوقت وإظهار الفرح؛ إلا الغناء المرسكاوي ظل النمطَ الأهمّ الذي يعبّر عن فرح أهل الجنوب وطربهم، بل صار يعبّر عن فرح بقية مناطق ليبيا ويطربون لسماعه ويحفظون أغانيه وألحانه.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (3)

  1. كان يجب ان تكون هدف ثورة فبراير تتمحور حول دسترة فك الارتباط لحماية الهوية الثقافية والوطنية والنسيج الديموغرافي