التنوّع الثقافي لدى الأمّة الليبية سيصنع أرشيفًا قيّمًا لمن أراد صنع مزاجه بغنوة ليبية - Huna Libya
غنّاوة وشتّاوة وراب! article comment count is: 5

الأغنية الليبية وتجاذبات التراث والحداثة

قد يكون أوّل ما يتبادر إلى ذهنك عندما تسمع عبارة (الأغنية الليبية) هو الأغنية الشعبية، مثل: المرسكاوي والزكرة، أو قد تكون من هواة الموروث الشعبي فما تفكّر به هو غنّاوة العلم والشتّاوة والمجرودة!

وهُناك من الشباب المُعاصر من يسمع هذه الألوان كلّها من الأغنية الليبية على حدٍّ سواء، بل ويعتبر أغاني الراب، التي نشطت على الساحة الليبية في العقد الأخير، من الأغاني الليبية التي تُحسب على هذه الثقافة.

وبين هذه وتلك، أردنا أن نرى رأي من يمتهن الغناء الليبي بأنماطه المتنوّعة، من الشباب، ومعرفة أسباب اختيار كلّ منهم لنمط معين.

صورة شاب، يجلس في خيمة - الأغنية الليبية
الشتّاي/ عبد الله عابد – تصوير أنس انويجي

الغنّاوة والشتّاوة

البداية مع الشتّاي عبد الله عابد (27 سنة) من منطقة مرتوبة (30 كم جنوب درنة) والمعروف على مستوى امتداد المنطقة، من الجبل الأخضر حتّى حدود مصر.

وعندما سألناه عن سبب هوايته لنمط التراث الشعبي، الذي لا يهتمّ به الكثير من شباب الجيل الحالي، خصوصا ممّن هم في عمره؛ فأجاب:

“نشأتي في منطقة تغلب عليها البداوة ويكثر فيها الشعر الشعبي؛ جعلني منذ صغري أتأقلم مع الموروث الشعبي. أعتقد أنّ جيلنا لديه الآن إقبالٌ أكثر من الجيل الذي سبقنا على الغنّاوة والشتّاوة والتراث بصفة عامّة، بحكم أنّ الشعوب لا تنسجم إلا مع فنونها وتراثها”

أمّا عن الصفات التي يجب تواجدها في الشتّاي، يقول عابد عنها:

“في نظري الأمر موهبة قبل كُل شيء, وتبدأ بصقلها بكثرة الاستماع ومن ثم المحاولة, ويمكنني تشبيه الأمر بالصيد، فبمجرّد أن تتحرّك في يدك الصنّارة لن تتركك القُدرة على الصيد”

واسترسل قائلًا جمهور هذا النوع من الفنّ تجده في كلّ مكان، لكن غالبًا ما يكون في المناطق والقُرى البدوية وليس في المدن، والشتّاوة هي بنت الغنّاوة، فالأمر يبدأ من عند الغنّاي. فعلى سبيل المثال يقول المرحوم (عبد الكافي البرعصي) في غنّاوة شهيرة له:

عزيز هو دواي وداي، ومشكاي وطبيبي وعلّتي

وينطلق منها، فيقول شتّاوة هي بنت هذه الغنّاوة وتحمل نفس المعنى، فيقول:

عزيز الغايب هو مشكاي، طبيبي والعلّة ودواي

وأنا نفسي أقول في غنّاوة:

غَلاي الخلايق ليش، بالسودة جروله كي عَمَر

وبنتها الشتّاوة أقول فيها:

فيه خلايق موش ودودة، تجري لغلانا بالسودة”

صورة شاب يجلس في خيمة وأمامه ميكروفون، وعلى يمينه يجلس رجل
الشتّاي/ عبد الله عابد، في إحدى المناسبات الاجتماعيّة، التي يُدعى إليها – تصوير أنس انويجي

وما أن توقّف عابد عن سرد الأمثلة الشعريّة، حتى أضاف قائلا: “نحن عندما نسمع الغنّاوة نشتّي على نفس الفاهق (الموضوع) الذي تناولته الغنّاوة، ويكون الأمر بشكل لَحظي ودون إعداد مُسبق، وتختلف المواضيع التي نتناولها باختلاف المناسبات التي نقول فيها الشتّاوة، فإمّا أن يكون حفل طهار (ختان) أو فرح أو حتّى زردة شبابيّة، المهم أن يكون الأمر مجمع طَرب”

نلاحظ هُنا أنّ للشتاوة أسلوبا فريدا يماثل – إن صح التعبير – أسلوب الهاشتاق على مواقع التواصل الاجتماعي، ويُقارب فنّ “المعارضة الشعريّة” في الشعر العربي الفصيح.

فقد يقول الشاعر بيتا من “الشتاوة” ليْجاريه بقية الشعراء فيها، باعتماد الشطر الأول منها، والتغيير في الشطر الثاني، وهو أسلوب ذائع بين الشعراء والرواة ويلقى في العادة استحسانا من المتلقّي ويُتناقَل بشكل واسع.

وعلى الرغم من شهرة وانتشار أنماط الموروث الشعبيّ؛ إلا أنّ نمطا غنائيا جديدا تزايد في السنوات الأخيرة، بين الشباب، وهو فنّ الرّاب، وهو ما دفعني لأختم لقائي مع عابد، بسؤاله عن رأيه حوله، فقال:

“الراب هذا ليس لنا، وأنا شخصيًّا أعترض عليه، لكن لا يمكننا إجبار أحد على الاستماع للون دون الآخر. التراث هو الأحسن، كونه فيه نوع من الأدب والاحترام وحتّى إن استمعنا إليه أمام الكِبار في السنّ فلا يوجد في ذلك عيب”

صورة شاب يجلس في زستوديو صغير، وأمامه جهاز لابتوب - الأغنية الليبية
مغنّي الراب/ مبارك الغيثي، في الأستوديو الخاصّ به – تصوير إسلام العبد

زواج عُرفي بين الفلكلور والتكنو

على الضفّة الأخرى، قمنا بمقابلة مغنّي الراب الشاب مبارك الغيثي (24 سنة) الذي اتّخذ هذا النوع من الغناء كوسيلة له للتعبير عن نفسه. وعندما سألناه عن السبب أجاب:

“كوني فتّحت في مُحيط مليء بأُناس يسمعون الراب، فكان الراب أوّل نمط غنائي أسمعه ويعجبني، فـ(الراب) يوفّر لي خيارات متعدّدة على عكس باقي الألوان الموسيقية، بحيث تتوفّر لي من خلاله مساحة أوسع للتعبير بها عن الفكرة التي تدور في ذهني”

وتحدّث عن ذائقة الشباب فصرّح: “في الفترة الأخيرة، هناك إقبال كبير من قبل الشباب على الاستماع للراب وغيره من أنواع الموسيقى الحديثة، وهذا لا يتعارض مع كون هؤلاء الشباب أنفسهم، أذنهم الموسيقية تتّسع لسماع أغاني المرسكاوي على حدٍّ سواء”

وعلّق على محاولات البعض لخلق هجين بين الفلكلور الشعبي والموسيقى الحديثة، فقال:

“هناك من قام بصنع House Music لدمج أغنية (ليش بطى مرسالك عنّي) للفنّان الراحل محمّد حسن، لكن لا أعتقد أنّه من الممكن في أيّ وقت من المستقبل أن تكون هذه الموسيقى الحديثة هي الأغنية التقليدية الليبية”.

وختم بقوله“الراب بالنسبة لي هو الوسيلة الّلي نحكي بيها ونعبّر فيها عن أفكاري ومشاعري التي لا أعرف أن أعبّر عنها إلا من خلال الراب، فعلى سبيل المثال سبق لي في أغنية عنونتها باسم (صباح الخير):

ما نسكت على حقي لا ما تكتم صوتي

خوفي نا من ربّي، عمره ما كان من موتي

يا حكومة، امتى تبدوا تشوفوا فينا، غير امتى تحسّوا بينا

راجينا الفرج والفرج كي جا ما لقينا…

فالراب بالنسبة لي وسيلة للتعبير عن النفس أكثر من كونه نوع موسيقى

ويبقي من المهمّ الإشارة، إلي أنّ فنّ الراب ينتشر بصورة كبيرة بين أوساط الشباب، سواء فتيانا أو فتياتٍ، وقد وفّرت منصّات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك TikTok بيئة جيّدة لطرح ونشر هذه المحاولات.

صورة شاب يجلس في أستوديو صغير، وأمامه لابتوب
مغنّي الراب/ مبارك الغيثي، في الأستوديو الخاصّ به – تصوير إسلام العبد

مستقبل غامض

لن تكون الأغنية الليبية استثناء، فهي ستحافظ بكلّ تأكيد على الموروث مع استجلاب مختلف الأنماط الغربية والعربية وإسقاطها كما هي، أو بتحسينات على الغِنوة بما يتلاءم مع الهُوية الليبية.

ولكن لا يمكن التكهّن بشكلٍ قطعيٍّ مصيرَ وشكل الأغنية الليبية في المستقبل، سيّما مع ثراء المكتبة الموسيقية الحالية بأشكال وأنماط متنوّعة من الغناء. ولكن الأمر المؤكّد هو أن التنوّع الثقافي لدى الأمّة الليبية سيصنع أرشيفًا قيّمًا لمن أراد صنع مزاجه بغنوة ليبية.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (5)

  1. أحسن الكاتب وأحسن شاعرنا بوعابد..
    إلا أن الراب نشاز عن مجتمعاتنا.. لأنه لن يقتصر على لحنه ورنّه، لكن سيجرجر خلفه كل ما يتعلق به بعجره وبُجره.
    لأنك إذا سمحت لرأس الأفعى بالدخول.. فلن تستطيع منع ذيلها.