تتفرّد كل منطقة بطقس احتفاليّ خاصّ، في ليبيا، الزاخرة بالعادات والتقاليد والأعراق والثقافات - Huna Libya
في كلّ بيت قصّة article comment count is: 2

العيد في ليبيا مهرجان التنوع

تحتفظ ليبيا بتنوّع ثقافي يبرُز خلال المناسبات والأعياد، بتفرّد كل منطقة أو مدينة بطقس احتفاليّ خاصّ على كامل الرقعة الجغرافيّة الزاخرة بالعادات والتقاليد، التي دأب الليبيّون على إظهارها خلال تاريخ طويل من التمسّك بالبهجة، رغم كلّ ما تمر به البلاد من مشاكل وصعوبات.

عائلة مجتمعة، وزينة العيد، والطعام - العيد في ليبيا

تخبرنا “نهى أبوعود” (27 عاما) صيدلانيّة من مدينة مصراته، عن العيد في ليبيا وعادات عيد الفطر المبارك، في المدينة، فتقول:

“رغم أنّ عدد سكّان مصراته قليل بالمقارنة مع المدن الأخرى؛ لكن هناك اختلاف بسيط في العادات والتقاليد داخل المدينة من منطقة لأخرى، ليلة العيد هي ليلة إعداد “الفتات” والفتات المصراتي لا يشبه فتات الجبل الغربي أو فزّان، حيث يكون سمكه  أقل، وأقرب للفطيرة التي يعدّها أهل طرابلس، وهو عادةٌ لم تنقطع عن المدينة حتى يومنا هذا في كلا العيدين”

بالانتقال للحديث عن العيد في ليبيا واستعداداته في الجنوب الليبي يقول “أبوبكر مينا” (30 عاما) طالب دراساتٍ عُليا من قرية القطرون (330 كم جنوب سبها):

“في سبها أو مرزق أو القطرون، العادات تقريبا متشابهة، بحكم أنّ لديّ أقاربا ومعارف وأصدقاء في كلّ فزّان. ولكن هنا أتكلم عن القطرون منطقتي

“عندما يقترب العيد، وهو عيد الفطر المبارك في هذه الحالة، كانت الأمّهات والبنات والجيران يلتمون سويا لإعداد كعك العيد – سواء الأهالي من التبو أو المكوّنات الثقافيّة الأخرى – وفي بعض العائلات تتجمّع النّساء لإعداده في كبيرة العيد، (هكي سبرنا) مثلما تردّد تلك الجدة، وقد تكتفي العائلات الصغيرة بإعداده دون جمعه”

“عند التبو في العيد، يحبّون لبس اللون الأبيض من بدلة القرابوبو (بدلة تتكوّن من 3 قطع؛ ثوب وسروال وقطعة تلبس فوق الثوب) والاراقا (وهي مثل الجلّابيّة؛ ثوب وسروال، ولكن تخاط بزينة مختلفة وطابع خاص) ويحبّون لبس الدبي (العِمامة على الرأس للكبار والشباب، حسب الرغبة) وكذلك الأهالي من القبائل الاخرى، يلبسون نفس اللباس بالإضافة الى البدلة العربية”

امرأة تقوم بإعداد فطائر الفتات
تصوير: عبد العزيز الهاشي

العيد في ليبيا وفي طقس موحّد، يبدأ يوم العيد بالتكبيرات التي تصدح من مكبّرات المساجد، وذلك بعد شروق الشمس بقليل، فيخرج النّاس إلى الصّلاة والاستماع لخطبة العيد، في جوّ من الألفة والروحانيات التي تضفي السكينة على الأنفس.

في بعض المناطق، لا يزال الأمر المتبع هو إقامة الصلاة في الساحات المفتوحة والواسعة التي يتم تجهيزها ليلة العيد، من تنظيف وتسوية الأرض إن لزم الأمر. يتجمّع المصلّون بعد ذلك للمُعايدة سواء بتجمّعات صغيرة أو كبيرة في صفوف منتظمة أمام أماكن الصلاة أو في الشوراع.

بعد العودة من المنازل، يلتزم البعض بنوع خاص من ضيافة العيد، تقول “أبوعود“:

“تتجمّع نساء وأطفال العائلة الواحدة في منزل الجد، أَو العم الكبير، يعدّون الشاي والقهوة، ويجلبون الحلويات الليبية من: غريّبة، كعك، مقروض، معمول وغيرها، والفتات أيضاً يكون حاضراً والحلوى التي تجهّز للأطفال في انتظار عودتهم من صلاة العيد”

“وفي بعض المناطق، يخرج الأطفال للمعايدة على بيوت الأقارب والجيران بيتا بيتا، وكلّ منزل يقدّم لهم حلوى العيد، والبالونات والألعاب. ومؤخرا يلتقطون لهم الصور، وبالنسبة لعادة الأكل في أوّل أيام عيد الفطر، هناك مناطق تعد المكرونة (اسبقيتي) بالفتات، وهناك مناطق تعدّ (طبيخا) بالفتات بدلاً من المكرونة، وهناك من يعدّون البازين أيضاً، وهناك من لا يتقيّد بهذه الأسبار فيعد ما يحلو له من وجبة الغداء”

وجبة الفتات الليبيّة مقدمة بشكل تقليدي
وجبة الفتات – تصوير: عبد العزيز الهاشي

كذلك الأمر في القطرون، من جمع شمل العائلة الواحدة كما يقول “مينا“: “الأمّهات والجدّات يوزّعن العيديات على كل المعيّدين، الإفطار يكون في يوم العيد على تمر وحليب، وقديما كانوا يقدمون التمر المطحون بالأرابا (مستخلصٌ من الحنظل) ويشتهر به التبو، ووجبة الغداء في العيد للتبو هي الفتات عند الجميع

من العادات التي استمرّت في مجتمعنا بمختلف مناطقه، هي زيارة أهل متوفٍ حديث، كنوع من إظهار التلاحم الوجداني بين الأسر الليبية في هذا اليوم.

تؤكّد “أبوعود” ذلك، وتقول: “هناك عادة يمكننا أن نطلق عليها (أول عيد) عندما تفقد عائلة من الأقارب أو الجيران شخصا من أفرادها؛ تذهب النساء وأحيانا الرجال من الجيران والأقارب إليهم، كنوع من مواساتهم والتخفيف من حزنهم”

تحافظ كثيرٌ من العائلات على العادات الموروثة كشيء مقدّس لم تفقده الحداثة رونقه، ربما أصبح التباهي بهذه العادات القديمة أمرا مستحبّا في عالم التكنولوجيا اليوم، ظاهرة السلفي مع الزيّ الوطني أو الأطفال الصغار بالزي ولمّة العائلة.

تستمرّ هذه المظاهر في التطوّر، ويمكن رصدها في مئات الصور التي تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأ هناك نوع من الاحتفال الخاص بجمع أصدقاء العمل أو الدراسة في الساحات العامة أو المقاهي للمعايدة الجماعية خلال الأيام الثلاثة للعيد.

أطفال يرتدون الزيّ التقليدي بالجنوب الليبي - العيد في ليبيا
تصوير: عبد العزيز الهاشي

حروب ونزوح وكورونا…مأساة مستمرة

في تقريرها الصّادر بتاريخ 30 أبريل من العام الحالي، وثّقت البعثة الأمميّة في ليبيا وقوع ما لا يقلّ عن 131 ضحية في صفوف المدنيين (64 حالة وفاة و67 إصابة بجروح) وذلك خلال الشهور الثلاثة الأولى من العام 2020. إضافة للاعتداءات التي طالت المنشآت التعليمية والصحيّة بالبلاد.

حربٌ تستمرّ بلا توقف، حصدت مئات الأرواح، مدارس أقفلت أبوابها أمام الطلاب، وتحوّلت إلى ملاجئ، دوّامة من الإيجارات الغالية يستغلّها البعض تثقل كاهل المواطن فوق متطلبات الحياة الأخرى.

كلّ هذا الأمر يؤثر على الصحة النفسية للمجتمع الذي يفتقد إلى الرعاية النفسية لضحايا الحروب، وخاصّة الأطفال، ممّن عاشوا هذه الصدمات واستيقظوا بفزع على صوت صاروخ أسقط سقف منازلهم، وقتل الأب والأم والأخ والأخت.

ويطلّ هذا العيد مع فيروس كورونا (Covid 19) الذي غيّر شكل العالم وأصبح التباعد الاجتماعيّ هو سمة هذه الأيّام، وسط التنبيهات بضرورة الحجر الصحي والإغلاق التامّ في كثير من الأعمال والمؤسسات التعليمية.

ألغيت التجمّعات المتعارف عليها خلال شهر رمضان في البيوت والشوارع والمقاهي، وأقفلت المساجد أمام المصلّين لصلاة التراويح، وأُعلن الحظر التام طيلة أيّام عيد الفطر، غربيّ البلاد. فهل سنفقد مظهر التجمّعات الكبيرة للصلاة والمُعايدة التي من أشكالها العِناق الحار والسلام بالأيدي وتقبيل الرؤوس بين الأهل والأصدقاء، ويصبح كل ذلك شيء من الماضي؟!!

هل وجدت هذه التقرير مفيدا؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (2)