"حتى يصير الحرف لوحة؛ ينبغي أن ينتقل من ثقافة إلى أخرى، حاملًا خصوصيّته معه" - Huna Libya
كيف (تقرأ) لوحة حروفية؟ article comment count is: 1

الفنان الحروفي أ. محمد الخروبي: لوحات الحروفية لا ينبغي أن تشبه بعضها

كيف (تقرأ) لوحة حروفية؟

في كلّ زيارة لمعرض دواية لفنّ الحروفيّات، تستدرجك الألوان أولًا، يتصاعد شعورٌ بداخلك يصنعه اللون، وتقترب، فيصير الحرف أكثر حضورًا، ممتدًّا في السماء كألف، أو ملتويًا في رقصة صوفية كواوِ، متسائلًا كسين أو متيقّظا كهاء، وتقع في فخ القراءة، وربط الحروف في كلمة كما فعلت منذ حصص التهجئة الأولى في حياتك، ويربط عقلك الكلمة باللون، وبالشعور، كأحجية تحتاج إلى حل.

لكن كيف تحل أحجية لوحة حروفية؟

جانب من لوحة «براح» الفنّان الحروفي أ، محمد الخروبي، والتي عُرضت في الدورة الخامسة من معرض دواية لفن الحروفيات – طرابلس

الحروفية ترى ولا تقرأ” ينبّه الفنان أ. محمد الخروبي أحد منظمي معرض دواية للحروفيات والمشاركين الدورييّن فيه، وأحد أهم فناني الحروفيات في ليبيا.

يُطالع الناسُ كل لوحة، بعيني عقلهم، فتصير كل لوحة محكومة بثقافة المشاهد وخلفيته. يشرح لي الخروبي فيقول:

الخطّاط يشاهد اللوحة، فيقرأ كل حرف باحثًا عن قواعد يعرفها عن ظهر قلب، ثم يأتي أديب فيسأل عن صاحب النصّ ويستحضر نصوصًا أخرى يتذكّرها، وهنا أحاول أنا أن آخذ كليهما للجانب البصري، أن أجرّدهما من معارفهما السابقة، وهذا ما نحاول الوصول إليه مع كل من يشاهد اللوحات، أن ينظر للوحة بتجرد، بلا أيّ شيء في رأسه.”

تأسّست الحروفية في السبعينيات لتكون على لسان مؤسسها حسن شاكر آل سعيدجماعة البعد الواحد.”

هذا البعد، هو البعد الشكلي للحرف، وهو البعد الأوحد الذي يجب أن تقتصر عليه أي لوحة، فمثلًا، حال حضور نصّ لنزار قباني في إحدى اللوحات، كما حدث في بعض لوحات الخروبي، فما ينبغي أن تراه واقفًا أنت أمام هذا النص؛ هو شكله فقط، مبناه لا معناه.

محمد الخروبي
أ. محمد الخروبي أحد منظمي معرض دواية للحروفيات وأحد أهمّ روّاد فنّ الحروفيات في ليبيا

وربما تفهم هذا المنطلق في قراءة اللوحة أكثر، عندما تعرف أن الحروفية ليست فنًا عربيًا فقط، وأن فنّانين غربيين رسموا الحرف بغير أن يرتبطوا بهُويّته، وفي بينالي الشارقة للخط مشاركون من الصينيّين والكورييّن أيضًا.

الحرف كفن موجود أيضًا في الشرق الأقصى –يقول الخروبي– ويتم التعامل معه بقدسيّة كبيرة، وتعجبني الكثير من لوحاتهم رغم أنني لا أفقه منها حرفًا، ورغم كوني بعيد كل البعد عن ثقافتهم”

العربية هي ثقافة النص، وجلّ موروثنا نصّي، لكن اللوحة اختراع غربي، والثقافة الغربية بصرية” يوضح الخروبي، وبهذا، وحتى يصير الحرف لوحة؛ ينبغي أن ينتقل من ثقافة إلى أخرى، حاملًا خصوصيّته معه، مندمجًا في الثقافة البصرية للوحة.

“وهذا التباس يقع فيه بعض الشباب عند محاولتهم رسم لوحة حروفية، فيعتمدون على المعنى والنصّ لخلق اللوحة، بل إن بعضهم يضيف بعدًا ثالثًا هو الرسم، فيرسم رجلًا يدعو الله باستخدام نص يحث على الدعاء مثلًا!…..

هذا الإغراق في المباشرة يقتل الخيال ويغلق اللوحة على التأويل، وهنا يمكن أن نقول، إذا كنت تقرأ فلماذا ترسم؟ إن كان النص هو النتيجة النهائية فلماذا توجد اللوحة؟ لوحات الحروفية جميلة حتى لو كانت مقلوبة لأنها بصريًا جميلة، تكوينها جميل وعناصرها جميلة.”

محمد الخروبي

إحدى المفاتيح الأخرى لحل الأحجية في رأي الخروبي هي عدم الخلط بين الرأي والذوق.

فالرأي هو انطباعك المبدئي، كهاوٍ للفن أو مبتدئ، أما الذوق فهو ما ينمى لديك، بالمشاهدة والقراءة والسماع، إذن؛ الذوق مكتَسب ومعتمِد على الفهم والخبرة، والتمايز في الذوق هو في الميول، فذوقك قد يكون تجريديا وذوق غيرك واقعيّ، فالذوق لا يكون تمايزًا بين القبيح والجميل، فهما الخط الفاصل بين الفن وغيره.

“أي: قول أحدهم وهو غير خبير وغير عارف بعناصر وتكوين وأسس العمل الفني، بأن لوحة ما لا تعجبه، هذا يُعدّ رأيًا لا يُعتدّ به، أما الذوق فهو اختلاف أهل التخصّص.” يشدّد الخروبي.

وتنمية الذوق هذه، هي الوصلة بين معرض دواية وآخر، وهي ما يختمر في نفوس الزوار بين سنة وأخرى. وعند سؤاله عن ذلك يقول لي:

“الكثير من الزوّار يسألون أسئلة مفصلية مهمة، ومنهم الأطفال أيضًا! تتطرق التعليقات إلى تطوّر اللوحات من سنة إلى سنة وغيرها من ملاحظات فنية قيمة جدًا، وهذا ما نحاول فعله، نحاول استقطاب الزائر الذي سيأتي للمرة الأولى، ليحاول قراءة النص، ثم ننتظر كيف تتغير رؤيته بعد سنوات”

بوستر معرض دواية لفن الحروفيات في دورته الخامسة 2020 – طرابلس

وكيف ترسم لوحة حروفية؟

سؤال آخر يمكن أن يراودك عند مشاهدتك “براح” إحدى لوحات محمد الخروبي في دواية 2020 هو كيف وصلت هذه اللوحة هنا؟

درستُ في كلية الفنون بقسم التصميم والطباعة، كان اختياري للقسم مبنيا على شرط واحد؛ هو وجود الخط العربي ضمن مواده؛ نظرًا لانجذابي له واهتمامي به” يحكي الخروبي ساردًا بداية رحلته

“كانت تلك أول مرة أدرس فيها الخط العربي بشكل رسمي، و أكملتُ المشوار بعد الكلية فتتلمذتُ على يد الشيخ أبوبكر ساسي والأستاذ إبراهيم المصراتي، مما أخذني باتجاه الخط الكلاسيكي، ولم يكن ذلك كافيًا بالنسبة لي، فحاولت مزج أدوات الطباعة والتصميم التي هي مجالي الخاص، مع الخط، فوجدت الحروفيات لتكون الخليط المثالي بينهما”

هل يسبق الخط الكلاسيكي اللون إذًا؟ إن كانت الحروفية لا تقرأ؛ فهل يعقل أن تكتب؟

يقول الخروبي بأن الإجابة هي نفسها، الفن يسبق الموهبة الفنية، وتنسيق الألوان وتوزيع العناصر هو الأساس، بينما يأتي الخط رافدًا للفن، حتى لو كانت البداية به، لو لم يكن للفنان القدرة على تحرير الخط من قواعده سيظل خطاطًا وستكون كل لوحاته خطية على خلفية لونية.

والفرق هنا فرق جوهري لا يمكن تجاوزه، فرق يتعدى المظهر، لأنه فرق بين النسخ والخلق، وفرق في الفلسفة التي يتفرّد بها كل منهما، يقول الخروبي:

الحروفية فن فردي والخط فن جماعي، في الحروفية الواو التي ترسمها تعبر عنك أنت فقط، والألف والهمزة تخصّك أنت فقط، أما الخط العربي الكلاسيكي فهو خط جماعي، الواو هي ذاتها في لوحات كل الخطاطين بفروق فردية لا يلحظها إلا الخطاط، لا تختلف من خطاط إلى آخر، بقواعدها ومقاييسها، إنما في الحروفية كلما اتجهت إلى الفردية كنت متميزا، وفي الخط الكلاسيكي كلما اتجهت الى القاعدة كنت متميزا أكثر. لوحات الحروفية لا ينبغي أن تشبه بعضها

لوحة براح للفنان محمد الخروبي
«براح»

تستند “براح” لجدار دار حسن الفقيه كجزء من الدورة الخامسة لمعرض دواية، المعرض الذي بدأ كورش عمل للحروفيات صار لها رواد ومعجبون بالقدر الذي جعل دواية فكرة ممكنة، بل وواجبة:

لم يكن قبل دواية أي كيان مؤسس، ولم أحضر في حياتي ورشة للحروفيات كالتي بدأتها، فبيني وبين من سبقني هُوّة، وقد حرصت أن يكون بيني وبين من بعدي تواصل، ولهذا ندفع بالشباب في كل دورة من دورات دواية، لينطلقوا وتستمر الحكاية. دواية هي الحجر الذي قُذِف في الماء، وكل ما يحدث بعده سيكون موجاته”

“عند نشر هذ التقرير، سيكون شهر قد مرَّ على المعرض الأخير، وشهر على بدء التجهيز للمعرض القادم!” يختم الخروبي.

وأنا أفكّر في “براح” التي تدعوني للهرب بداخلها، وأتساءل هل وقعت في الفخ وقرأتُ الاسم فأسقطته على الصورة؟ أم أن المتاهة اللونية المُلحّة التي تبدو وكأنها تطالعك من خلف جدار ضبابي من الحروف؛ تثير فضولك لتتجاوز الحرف وترى المزيد؟!

هل وجدت هذا التقرير مفيدا؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)