السيارات بالشوارع خردة أم ذكرى عزيزة؟ article comment count is: 1

سيارات قديمة معطلة:سكان غير اعتياديين في الأحياء الخلفية

ليست سيارة الحاج عبد الونيس السيارة الوحيدة التي لفتت انتباهي، فمنذ سنوات طفولتي المبكرة كنت ألتقي بسّيارات قديمة مركونة أمام المنازل وعلى أرصفة المشاة، تقيم هنالك منذ أعوام حتى تجانست مع الطبيعة التي أنبتت أعشابها وطحالبها الخضراء على سطوحها وداخلها، وأصبحت ساكنا من سكان تلك من المدن، ومعلما من معالم أحيائها الخلفية.

وعلى الرّغم من توسّع نشاط تجار الخردة الذين يبحثون عن كل ما يدخل في صناعته الحديد والنحاس لشرائها وتصديرها في السنتين الأخيرتين، إلّا أنّ أصحاب هذه السيارات وللرابطة الوطيدة بينهم وبين سياراتهم رفضوا بيعها والاستفادة من ثمنها، واحتفظوا بها أمام منازلهم.

يسرد الحاج عبدالونيس سعد هاشم وعمره 65 عاما قصته وهو أحد سكان مدينة مسة “الواقعة غرب مدينة البيضاء بحوالي 10 كيلو مترا” عندما سألناه عن سبب احتفاظه بسيارته الفرنسية ( بيجو GL) المركونة أمام بيته منذ 13 عشر عاماً، حيث يقول ”كانت سيارتي البيجو عسكرية مملوكة لـ ”قيادة الكتائب المجاهدة“ بلوحات خضراء تحمل الرقم (40510 قيادة كتائب المجاهدين)، وقد قام والدي بتمليكها من الدّولة في عام 1981م بـ 700 دينار ليبي، قام بدفعها على أقساط شهرية“.

البيجو GL سيارة الحاج عبد الونيس

البيجو التي قد يعتبرها الكثيرون من السّيارات المرتبطة بالهوية الليبية رغم صناعتها الفرنسية، والتي يتذكر الحاج ونيس كل المواقف التي عاشها برفقتها بأدق تفاصيلها بقوله ”تجوّلت بها أثناء رحلاتي الطّويلة فعبرت مع هذه البيجو الحدود المصرية شرقاً، والحدود التونسية غرباً، وتنقّلت بها بين العديد من المدن الليبية، حتى توقفها في عام 2008م، والذي لم يكن لعطل أو لعدم قدرة محركها على الدوران !“.

وعند سؤالنا الحاج عبد الونيس عن سبب توقف سيارته قال ”ضياع المفتاح الوحيد لسيارتي التي تجاوز عمرها الـ 30 عاماً كان سببا في توقفها، إذ لم أتمكن من العثور عليه بعد رجوعي من الحج“.

ومنذ ذلك الحين لم يجرؤ الحاج عبدالونيس على العبث بها أو تغيير أقفالها.

السّنوات الأربعون الماضية كانت كفيلة بتوطّيد علاقة عاطفية بين البيجو والحاج ونيس الذي تمسّك بهذه السيارات أمام منزله رافضاً تجار الخردة المترددين على باب منزله لغرض شرائها.

فرؤيتها تتجزأ قطعاً ليتم صهرها كانت فكرة مرفوضة تماماً لديه، إلّا أنه في الآونة الأخيرة قد بدأ في التفكير ببيعها لتاجر يستهويه جمع مثل هذا النّوع من السّيارات، وليس لغرض بيعها للمخردين.

سلوك طبيعي وليس اكتنازاً قهرياً

قد لا يمكننا التخلي بسهولة عن المقتنيات القديمة المرتبطة بجزء من حياتنا في الماضي، ويتردد كثير منّا في التخلص منها.

حيث يقول عماد الرز أستاذ علم النفس المساعد بجامعة عمر المختار “إنّ السبب الذي يجعل العديد من الأشخاص يحتفظون بالمقتنيات القديمة وخاصّة السيارات التي لم تعد تعمل، كونهم يعتبرونها إحدى المقتنيات التي كانو يتفاخرون بها فيما سبق، أو بسبب ندرة وجود مثل هذه الموديلات من السيارات في الوقت الحاضر فيعتبرونها قطعاً نادرة“.

وينتج عن ذلك بحسب الباحث ارتباط عاطفي وإحساس يعطي مالك السيارة شعوراً بالوفاء لها عندما يحافظ عليها ولا يفرط بها، ويتفاخر بها راوياً قصصها وحكاياته معها لأطفاله وأحفاده؛ لكونها إحدى انجازاته في الماضي، وكيف ساهمت في تغير حاله من سيء لأحسن أو العكس. 

ويشخص المتخصص في علم النفس هذا السلوك بالسلوك الطبيعي ولا يعده مرضا أو اضطرابا طالما أنّه لم يشمل احتفاظ الانسان بالعديد من المقتنيات دون وجود سبب منطقي، ليدخل في هذه الحالة سلوك ضمن فئة الاكتناز القهري والتي لا تنطبق على الحاج عبد الونيس.

إن انتشار ظاهرة السيارات القديمة المركونة أمام المنازل لم تقتصر على قرية بعينها أو مدينة على وجه الخصوص، بل هي ظاهرة منتشرة بين العديد من الشعوب بمختلف ثقافاتهم، فبالرغم من أهمية هذه السّيارات لدى البعض من الأشخاص، إلّا أنها قد تضايق آخرين وتسبب عائقاً لهم.

المحامي أسامة المرضي يرى أن انتشار مثل هذه السيارات على أرصفة المشاة والطّرقات العامّة قد ”شوهّ الميادين والحدائق المهملة أصلا“.

وأضاف ”أصبحت هذه السيارات خردة تجمع حولها الأوساخ وملجأً لتراكم الحشرات والجراثيم التي تساهم في نشر الأوبئة والأمراض، بالإضافة إلى أنّ بعضها تشغر أرصفة المشاة وتسبب عائقاً للمارة وخاصة ذوي الإعاقة“.

ويعتبر المرضي جهاز الحرس البلدي الجهة المسؤولة عن متابعة مثل هذه الظواهر التي تشوّه المظهر العام للمدينة، وناشدها بتحمّل مسؤوليتها، والقيام بحملات واسعة لتجميعها في أماكن مخصصة لها.

وهنا يجدر التذكير بأنّ بعض البلديات الليبية قامت بحملات على هذه السّيارات وتجميعها في فترات سابقة، ومن بينها بلدية طرابلس المركز التي قامت في عام 2016 بحملة لإزالة سيارات الخردة القديمة من الشوارع والميادين وقامت بتنظيف أماكنها.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)