العلاقات الإيجابية بين الطالب والأستاذ تزيد من الإنتاجية والعطاء، ومن شغف الطالب بالعلم أيضا - Huna Libya
إدارة العلاقات article comment count is: 10

أفق العلاقة بين الطالب والأستاذ في الجامعة

تعدّ إدارة العلاقات بجميع أنواعها؛ واحدة من أهم أسباب النجاح، حيث تؤثر علاقات الفرد بمن حوله على طريقة عيشه؛ رؤيته؛ وحياته بشكل عام.

وحيث أنّ مرحلة الشباب هي مرحلةُ توقّدِ الفكر وأوج العمر وتحديد مسار الفرد – غالبا – فإّن إدارة العلاقات في هذه المرحلة مهمٌّ جدًا، لا سيّما في فترة الدراسة الجامعية التي تؤثر على شخصيّة الفرد وتصقلها؛ إذ تعتبر نقلة من مرحلة الثانوية والقيود إلى الجامعة والتحرّر من بعض القواعد والقوانين، فكيف يمكن أن تدار العلاقات بين أهم عنصر في الجامعة – الطالب – وبين أستاذه؟

أستاذة محاضرة تلقى درسا على طلبتها - العلاقة بين الطالب والأستاذ

في ظلّ انفتاح العالم على العلم والثقافة، وتنوّع مصادرهما، لم تعد الجامعة هي المصدر الوحيد الذي يستقي منه الطالب المعلومات، ففي أحيانٍ كثيرة يعتبرها الطلاب وسيلةً لنيل شهادة معتمدة لا غير، حيث لم يستفيدوا شيئا يُذكر من أساتذتهم.

وفي أحيانٍ أخرى؛ يقول الطلبة إن أساتذتَهم قدوتُهم، وأثرهم لا يُنسى، ينظرون لهم كأشخاص غير عاديّين. وقد تتطور العلاقة بين الطالب والأستاذ حتى تتكوّن صداقة بينهما، أو زمالة بعد التخرّج.

إذن؛ كيف يمكن إدارة هذه العلاقة، حتى تكون علاقة سليمة، بين الطالب والأستاذ في الجامعة؟ وكيف تؤثّر هذه العلاقة في حال عمل الطالب مع أستاذه في الجامعة أو غيرها؟ وكيف تؤثر علاقة الأستاذ بطلبته في الجامعة على مستوى تحصيلهم العلميّ والثقافي؟

يقول المهندس أحمد شلاك (35 سنة) رئيس قسم الخرّيجين بكلية التقنية الصناعية، مصراته، وخرّيجٌ من الكلية ذاتها؛ إنّه طوال فترة دراسته لم يخطر بباله العمل في الكليّة التي درس فيها، وحين عُرض عليه العمل، فكّر من سيكون مرؤوسه، ومع من سيتعامل.

ويؤكد (شلاك) أنّ علاقته بأغلب أساتذته السابقين، ما زالت علاقة الطالب بالأستاذ، مع استثناء بعض المدرّسين الذين يعتبرونه زميلاً لهم، ويحثّونه على إتمام دراسته العليا والترقي في السلّم الوظيفي، مع وجود بعض الأشخاص المغايرين لذلك، من يرون أنّه لا زال طالبا عندهم، ولا زالوا أعلى منه مرتبة.

رجل، مكتب، علم
م. أحمد شلاك – رئيس قسم الخرّيجين بكليّة التقنية الصناعية، مصراته.

أما حامد الهوني (37 سنة) عضو هيئة التدريس بكلية تقنية الحاسوب طرابلس، يتمنّى أن يكون بين طلبته السابقين زميلا له الآن، بل سيكون فخورًا بذلك، فهو يطمح دائمًا أن يكون لطلبته الأستاذ الذي حلم به أيّام الجامعة، ولذلك يحاول التقرّب من طلابه، وكسر الحاجز معهم، لأنّه يرى أن كسر الحاجز والبدء في تحديد نوع العلاقة يبدأ أولاً من الأستاذ، وبإمكانه جعل طلبته يحترمونه بكل ودّ، دون أن يكونوا مُكرهين لأنه أستاذ فقط.

يكتب أنطون تشيخوف في روايته (حكاية مُملّة) من مذكّرات رجل عجوز: «إنّ أيّ نقاش وأية تسلية أو ألعاب لم تمنحني أبدًا مثل هذه المتعة التي يمنحني إياها إلقاء المحاضرات. ففي المحاضرة فقط أستطيع أن أستسلم كليّة للشغف، وأدرك أنّ الإلهام ليس بدعة الشعراء بل يوجد فعلا في الواقع. وأعتقد أن هرقل لم يشعر بعد أكثر مآثره إثارة، بمثل هذا الوهن اللذيذ الذي ينتابني بعد كل محاضرة»

فكيف يكون شكل هذه المحاضرة التي يكون فيها الإلهام حاضرًا؟ وهل تنتقل المتعة من الأستاذ إلى الطالب؟

تعتبر الدكتورة أسماء المنقوش (44 سنة) – محاضر في كلية التقنية الصناعية مصراته، أنّ دور الأستاذ الجامعي ليس التلقين فقط، حيث أنّ المعلومات متوفّرة في أكثر من مصدر، يمكن للطالب أن يعرف المعلومة من أيّ مصدر مُتاح. كما أنّ مرحلة الدراسة في الجامعة مرحلة مفصلية وجوهرية ومهمة في حياة الإنسان، ففيها بناء شخصية وتحديد مسار، لذلك تقول (المنقوش):

“الأَوْلى أن يعلّم الأستاذُ الطالبَ كيف يفكّر، وكيف ينمّي شخصيّته وثقته في نفسه، ليس مجرّد تلقين واستخدام المعلومة، بل حثّه على معرفة من أين جاءت أيضا، وتعليمه المنطق”

امرآة جالسة على كرسي، وسط حديقة
الدكتورة أسماء المنقوش – أستاذٌ محاضر في كلية التقنية الصناعية، مصراته

وعن تحديد المسار، ترى نوّارة (25 سنة)، خرّيجة من كلية تقنية المعلومات جامعة مصراته؛ أنّ فترة الجامعة أهمّ مرحلةٍ دراسيّة في حياتها، تغيّرت شخصيّتها ونضجت أكثر، باتت اجتماعية أكثر ونمت مهارات التواصل لديها، واكتسبت ثقتها بنفسها بين أروقة الكلية.

وترى أنّها محظوظة؛ لأنّ أغلب أساتذتها كانوا ودودين ومتعاونين مع الطلبة، فضلاً عن عميد الكلية، كما أنّ النشاطات التي كانت تقام بالتعاون بين الطلاب والأساتذة كانت تقرّب بينهم أكثر، “كان الاحترام سائدًا، هناك مساحة حرة بيننا، احترام لا خوف

لكنّها تعرّضت لمشكلة مع أحد أساتذتها ممّا أدّى إلى رسوبها مرّتين في نفس المادة، تقول:

“عندما رسبتُ المرّة الأولى لُمت نفسي، لم أتقدّم بطلب مراجعة ورقة الامتحان ممّا أضاع حقي، ولكن عندما رسبتُ المرة الثانية، عرفت أنني مظلومة، ولم ينصفني أستاذي، مما أدّى إلى رغبتي في الانتقال إلى كلية أخرى، رغم أني كنتُ في منتصف مشواري الجامعي، وكنت أنجح في بقية موادي ولم أرسب إلا في هذه المادة”.

“شكّل لي هذا الأستاذ رهابًا وخوفًا وولّد بداخلي شعورا بترك الدراسة في الكلية، رغم أنّي أحب تخصّصي واخترته بمحض إرادتي، وأحب الكلية ومَن فيها وأشعر بالانتماء إليها، إلا أن صدمتي من الذي جرى، قلبت الموازين، ساندني أساتذة آخرون، وتراجعتُ عن فكرة التغيير بفضلهم، وحتى الآن رغم أني أعمل في مكان آخر لا زلت أشعر بالانتماء والامتنان تجاه الكلية وأساتذتها

مجموعة من الفتيات يجلسن على طاولات دراسية

إلى ذلك، تشدِّد أمينة الصبيحي (24 سنة) طالبة في كلية الصحة العامة جامعة العرب الطبية بنغازي، على أن أربع سنوات على الأقل من مرحلة الشباب بين أروقة الجامعة؛ فترة مهمة وأثرت جدًا في حياتها، وأن التحديات والمهام وخطابات أعضاء هيئة التدريس الإيجابية والسلبية، لابد وأن تساهم في رسم الشخصية.

لذلك، ترى الدكتورة (أسماء المنقوش) أنّ العلاقة بين الطالب والأستاذ ليست داخل قاعات المحاضرات فقط، بل أن الجامعة مكان مفتوح للتعلم وتبادل الخبرات، وترى أن الأستاذ يجب أن يجنّب طلبته الأخطاء التي وقع فيها هو في السابق، كما أنها لا تمانع أن تستمر هذه العلاقة إلى ما بعد التخرج، سواء كان العمل بيئة أخرى يلتقيان فيها أم لا.

ويعتزّ الأستاذ (الهوني) بقدرته ومحاولاته المستمرّة في كسب طلبته كأصدقاء، فحتى بعد تخرّجهم يبقى على تواصل معهم، ويفتخر بهم. ويقول أيضًا إنّ النشاطات والحملات التي تقام في الكليات، قادرة على المساهمة في ردم الفجوة التي يتصوّرها الناس بين الأساتذة والطلبة.

رجل يلقي محاضرة، وسط مجموعة من الطالبات - العلاقة بين الطالب والأستاذ

الطالب قد يكون زميلاً بعد سنوات قليلة، وتأثير مرحلة الجامعة قويٌّ على الطالب، كما أنّ مرحلة الجامعة تعتبر بداية مرحلة الشباب ونشاطه، وبيئة الجامعة تؤثر فيه ولا شك، لذلك يجب خلق بيئة صحية في الجامعة، ويجب أن يكون دور الأستاذ الجامعيّ حاضرًا في بناء شخصية الطالب وتنمية قدراته.

و العلاقة بين الطالب والأستاذ ليست علاقة دروس ودرجات فقط، بل يجب أن تتعدّاها إلى أكثر من ذلك، بوجود الاحترام أولاً. كما أنه من المعروف أن العلاقات الإيجابية تزيد من الإنتاجية في العمل، لذلك فإن علاقة الأستاذ الجيدة بطلبته تزيد من قدرته على العطاء، وتزيد من شغف الطالب بالعلم أيضًا، فضلاً عن الجوانب الأخرى.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (10)

  1. اختي الفاضلة خديجة ارجو منكي مشاهدة فيلم قصير من بلادي الاْردن اسمه ماذا لو فهو يحكي عن المعلم ولكي كل الاحترام

  2. مقال جميل الصراحة.. وأرجوا أن يساهم في زيادة ثقافة الطلاب والأساتذة تجاه العلاقة بين الاستاذ والطالب . موفقة م. خديجة ..ومزيدا من التألق

  3. نعم،
    مقال يستحق القراء والعمل عليها ف معظم الاستاذة معملتهم تنتهى ع درجات والامتحانات واحترامي الى عميد كليتنا