يعاني التعليم مشكلات فنية وتنظيمية وهيكلية يجعلنا نتساءل عن جودته وجدواه - Huna Libya
منظومة متهالكة في عالم متسارع article comment count is: 2

التعليم في ليبيا: سؤال الجودة والجدوى

كثيرا ما تشدّ انتباهَنا أخطاء إملائيّة فادحة سواء على كتابات الجدران التي تنتشر في كلّ مدن ليبيا، أو على منشورات الليبيّين بمختلف أعمارهم وتخصّصاتهم، والتي تعتبر – أيّ الإملاء – الحدّ الأدنى المفترض من مكتسبات التعليم.

وفي الوقت نفسه، يشدّ انتباهنا بشكل أكبر، تزايد أعداد الخرّيجين من الجامعات الليبيّة، وغالبا متكدّسين في تخصّصات معينة، وعدم حصولهم على عمل في مجال تخصصاتهم.

وهذا هو السّبب الذي جعلني أتساءل عن جدوى التعليم في ليبيا وجودته.

أطفال يرتدون الزيّ المدرسي، في فصل دراسي - التعليم في ليبيا

الجودة: طلّاب بلا معرفة

يُشهد للمجتمع الليبيّ حِرص الأسرة الليبيّة على تعليم أولادها، وأحيانا حتى بإدخال الأطفال مبكّرا إلى المدرسة، وسرقة عام من طفولتهم. ويستمرّ حرص العائلة على ذلك في مختلف المراحل الدراسيّة، حتى التخرّج، والذي تعتبره الأسرة محطّة ضروريّة لأبنائها – بغضّ النظر عن التخصّص والتفوّق وقيمة الشهادة – ومرادفا لنجاحهم، بل وتمايزا بين ولد وآخر.

في المقابل، فإنّ المناهج الدراسيّة للمرحلة الأساسيّة الابتدائيّة – بشكل خاصّ – يُلاحظ فيها عدّة أمور:

  • الأوّل: ضعف المعلّم، تأهيلا وقدوة. فكما هو معلوم؛ فإنّ المعلّم هو أهم حلقة في السلسلة التعليميّة، فمهما كان المنهج مميّزا فلن يفيد ما دام المعلّم غير كُفء.

ولكنّ الذي يحدث هو الزجّ بآلاف الخرّيجين سنويّا، ومن مختلف التخصّصات إلى قطاع التعليم في ليبيا الذي يشهد تضخّما متزايدا، فهو أكبر قطاعات الدولة من حيث الموظفين (أكثر من 650 ألف/2017) والمرتبات المصروفة لهم (25٪ من الميزانية العامّة المرتبات). آلاف منهم يُحالون على الملاك الوظيفي، أي: مرتبات دون عمل.

هؤلاء الخرّيجون يُقحَمون في السلك التعليميّ دون أن يدرسوا طرق التدريس في الجامعة، ولا أدبيات التربية قبل العمل. والمحصّلة معلّم ضعيف، حتى لو استوعب المادة جيّدا، فلا يوجد ضامنٌ بإيصالها إلى الطالب بالشكل الصحيح والفعّال.

يتكامل مع هذه النقطة، غياب معامل مجهّزة، ووسائل إيضاح، والتي تعتبر ضروريّة في كلّ المواد، وليس فقط في مواد بعينها كالحاسوب كما يتوهّم البعض. إضافة إلى شكل الكتاب المدرسي الذي لم يتغيّر منذ 30 عاما، بما في ذلك طريقة إخراجه ورسم الصور داخله.

أطفال ذكور يجلسون على مقاعد الدراسة في فصل دراسي، والأستاذ يشرح

  • الثاني: غلبة التلقين في التدريس وحشو المعلومات، وغياب التفكير الناقد بشكل تامّ. حيث يتمّ اعتماد أسلوب الحفظ، المعتمد منذ عقود في العمليّة التعليميّة، وجعل حصص مخصّصة لذلك، إضافة إلى تطبيقات شهرية وسنوية تعتمد عليه.
  • الثالث: إهمال المواد الفنيّة كالرسم والموسيقى وعدم توضيح أهميّتها للطالب، سعيا إلى تغيير النظرة الخاطئة نحوها، والتي هي تراكمات عقود – لها تقاطع اقتصادي وسياسي – من انتقاص قدر الفنون، وحصرها في مجالات معيّنه، وغياب المعلّم الكفء، بشكل جعل حصص الفنون تتحوّل بشكل أوتوماتيكيّ إلى حصص الرياضة وتدارك المنهج.
  • الرابع: غياب نشاطات خارج المنهج (Extracurricular Activities) والتي تهملها الأسرة الليبيّة بشكل كبير، على حساب التعليم، ولا يتضمّنها البرنامج التعليميّ. فيدرس الطالب مراحل مهمّة وطويلة من عمره في التعليم في ليبيا دون أن يحتكّ بالمجتمع في نشاطات متنوّعة، ودون أن يكتسب هواية تذكر.

طالبات يرتدين الزي المدرسي، في فصل دراسي - التعليم في ليبيا

أمّا في المرحلة الجامعيّة، فالأمر مختلف نوعا ما. فعلى الرغم من البراح الذي يتيحه النظام التعليمي الجامعي للطالب، من حيث فسحة المكان وعدم التقيّد بالحضور والاحتكاك بالآخرين، وترحيل المواد، إلا أنّ هناك مشاكل هيكليّة في النظام الجامعي.

فإضافة إلى تدنّي تصنيف الجامعات الليبيّة عالميا (لا توجد أيّ جامعة ليبيّة ضمن 4000 جامعة الأولى لسنة 2019) بشكل لا يضمن جودتها أصلا واعتمادها، بعد تخرّج الطالب منها (طبعا إن نجت من القصف) فهناك ملاحظات هيكليّة حول نظامها التعليمي:

الأولى: تقديس الامتحانات بشكل عجيب، تجعل منها غاية في ذاتها، لا وسيلة. وعدم تقدير المجهود الذي يبذله الطالب الجامعي في سبيل ذلك، فيكون التقييم محصورا فقط في أدائه يوم امتحانه.

الثانية: عدم الاهتمام بمواد مناهج البحث العلمي، والمنطق، وطرق التدريس، والتي هي مهارات لا غنى للطالب الجامعيّ عنها، مهما كان تخصّصه.

فمن المعيب أنّ الخرّيج الجامعيّ لا يعرف أساسيات كتابة البحث العلمي، ولا آليات جمع المعلومات، ولا طرق استخلاص النتائج. وأيضا لا يعرف توضيح معارفه لغيره، فهما تمكّن شخص ما من تخصّص ما، فإذا لم يستطع تدريسه لغيره وتبسيطه؛ فسيكون فهمه له ناقصا، حتى وإن لن يعمل في السلك التعليمي يوما.

الثالثة: غياب مفاهيم وتقنيات التعليم الإلكتروني، من أبسط خدماته، كتعبئة النماذج وملء الاستمارات وتجديد القيد واعتماد المقرّرات، والتي لا تزال تسير بشكل كبير في كثير من الجامعات بالطريقة التقليديّة، من شراء النماذج من الأكشاك، وتصويرها من مكاتب التصوير، والوقوف في طوابير لتجديد القيد وما إلى ذلك.

إلى أهمّها وهي توفير مكتبة إلكترونيّة شاملة بالمناهج والمراجع والشروحات الصوتية والمرئيّة، بشكل يُغني الطالب عن استنزاف مجهوداته، وتوفيرها في الفهم والعلم.

طالبات مجتمعات - التعليم في ليبيا

الجدوى: خرّيجون بلا عمل

بالتأكيد، لا تقتصر أهميّة التعليم في الحصول على عمل، وحسب، ولكن يُعتبر التعليم (الإلمام بحقل معيّن واكتساب المهارات حوله) أحد أهم وسائل الحصول على مصدر دخل، سواء وظيفة بقطاع عام أو خاصّ أو مستقلّ، أو البدء بمشروعك الخاصّ.

في ليبيا، ونظرا لطبيعة المجتمع الاستهلاكيّ ونظامه الاقتصاديّ الاشتراكيّ لمدّة عقود، حيث قلّصت الدولة الليبيّة منذ سبعينات القرن الماضي، القطاع الخاصّ إلى حدّ المحاربة والإنهاء، وضمّت كلّ القطاعات إلى القطاع العام (لا يوجد عمل خاص، ولا يوجد موظّف خارج الدولة) ما رسّخ لدى الأجيال المتعاقبة فكرة الحصول على عمل عند الدولة، وضرورته لحياة آمنة.

إضافة، إلى تكدّس الخرّيجين في تخصّصات بعينها، والتي تشبّعت منذ سنوات، ولا قدرة لها ولا مرافق لاستيعاب أعداد أكبر، وذلك لعدم وجود سياسات توجيه الطلّاب إلى تخصّصات موافقة لمتطلبات سوق العمل الليبيّ. مما أدّى إلى ارتفاع نسبة البطالة.

الأمر الآخر الأكثر مرارة، أنّه وبعد التخرّج، وعلى فرضيّة حصولك على وظيفة في مجال تخصّصك، وعمل تحبّه؛ فإنّ المردود الماليّ لا يوائم عدد ساعات العمل، وتضخّم العملة، وغلاء الأسعار، وانعدام السيولة، والأهمّ، لا يقارَن أصلا، بوظائف أخرى، لها دخلٌ أعلى ولا تحتاج شهادة (سوق الدولار) وبعضها غير قانوني ولا أخلاقي (التهريب، والثراء الفاحش في وقت قليل).

رجل يرتدي بذلة ومعه حقيبة عمل، يجلس منكسرا على الأرض - التعليم في ليبيا

خاتمة

التعليمُ حجرُ أساس المجتمعات، وجدواه مرتبطة بجودته، بحيث يؤهّل التعليم الفرد للحياة وسوق العمل. وبين خرّيجبن بلا عمل، وموظّفين بلا مهارات، يضيع الوقت والمال والجهد، وتستمرّ الدولة في الانهيار.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (2)

  1. اخي الكريم محمد الصويعي صباح الخير أولا ارجو من عطوفتكم الكريمة مشاهدة فيلم قصير اردني على اليوتيوب قامت به نقابة المعلمين بعنوان ماذا لو وهو يتحدث عن افتراض كيف ستكون هيبة المعلم لو لم ينجح اضراب المعلمين ودمتم

  2. أستاذنا الفاضل نشكر جهودكم في تناول موضوع مهم جداً وهو تندي مستوى التعليم في ليبيا ومخرجاته السلبية ولكن ينقص مقالكم اﻹشارة إلى الحلول المناسبة والتي من شأنها تعمل على الرفع من مستوى التعليم والنهوض بالعملية التعليمية