حينما نتحدث عن أهداف التنمية المستدامة 2030 فلا يبعدنا عن تاريخ تحقيقها المفترض، سوى عشرة سنواتٍ فقط - Huna Libya
لا تنمية دون استقرار article comment count is: 1

ليبيا و الأهداف 17 للتنمية المستدامة

يبدو من الهزليّ الحديث عن التنمية المستدامة، آمالها وآفاقها في ليبيا، في هذه الأوقات السيئة التي تمر بها البلاد. الكثير من الميمز الساخرة تقفز إلى رأسي، بينما أقرأ عن مؤشرات أهداف التنمية المستدامة في ليبيا لعام 2019.

يبدو الأمر حقاً جديراً بالسخرية، خاصّة حينما يكون الحصول على السلام والأمن أوّلاً هو المؤشر الأوّل البديهي لغياب أيّ تقدّم نحو التنمية في ليبيا. ولكن هل السلام بديهيُّ حقاً؟

حينما نتحدث عن الأهداف 17 نحو التنمية المستدامة؛ فنحن نتحدث عن أهداف عالميّة، يتم الدفع بها لتتحقّق عام 2030. ولا يبعد عنّا الـ2030 سوى عشرة سنواتٍ فقط، نعم، بإمكانك قياس كيف مرّت بسرعة عشرة سنوات منذ “انتفاضات الربيع العربي” لتعلم أنّنا ضيّعنا وقتاً بما يكفي حتى اللحظة في الفوضى، عوضاً عن التنمية.

صورة تضم خازطة ليبيا وحولها مجموعة من الإحصائيات
إحصائيّات متفرّقة حول ليبيا والأهداف 17 للتنمية المستدامة

“إنّ تنفيذ خطة 2030 لا يمكن تفعيلها، دون التصدّي للصّراعات العنيفة في المنطقة، وظهور ما يسمّى بحالات الفوضى التي تتّسم بانهيار كامل للنّظام الداخليّ، وزيادة التفكّك المحلي” لا يقوم التقرير السنوي للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (2016) سوى بتأكيد بديهية أنّ “لا تنمية تحدث دون إنهاء للصراع المسلح“.

وفي كلّ مرّة أقوم فيها بالبحث عن كلمة “ليبيا” أو “Libya” في تقارير مؤشرات التنمية المستدامة؛ تظهر لي نتيجتان مكررتان: لا تتوفر بيانات كافية، واللون الأحمر أو البرتقالي اللذان يُشيران إلى حالة التراجع أو الجمود. الأمر حزين فعلاً، فقد بدأتُ مقالاً منتهٍ من مطلعه. لا أجد بلادي على خريطة التنمية في العالم.

أستمرّ في عملية Scrolling بتقارير أكثر مناطقيّة، لأبحث عن المزيد من مصادر المنخوليا/السوداويّة (كما لو أنّني لا أملك ما يكفي!) حول واقع ليبيا. تأتي ليبيا في ذيل القائمة بالمرتبة 14 من 21 في المنطقة العربية.

وبالنسبة للتقارير حول أفريقيا، قرأت جدولَ مؤشّر أهداف التنمية المستدامة بحثاً عن ليبيا ثلاث مرات، ليبيريا؟ ليسوثو؟! أين هي ليبيا القذافي؟ هل يعقل أن تكون في آخر القائمة؟ لا، ليبيا في القمة طبعاً، كيف يفوتني ذلك؟ فاسم ليبيا ذُكر في المقدمة ما قبل كل الدُول الأخرى، مع جزيرة سيشل تحت عنوان “are excluded due to insufficient data availability“.

صورة تضم خازطة ليبيا وحولها مجموعة من الإحصائيات 2
إحصائيّات متفرّقة حول ليبيا والأهداف 17 للتنمية المستدامة

مع ذلك، فتوجد بعض البيانات المتوفرة فيما يخص الأهداف الفرعية لأهداف التنمية 17، ومن المثير للاهتمام أنّ ليبيا تصدرت بعض المؤشرات على مستوى أفريقيا لعام 2019 فيما يتعلق بالهدف الثالث “الصحة” مثل: معدّل وفيّات الأمهات عند الانجاب، وكذلك الهدف السادس والسابع حول وصول المياه والكهرباء، على الرغم من أنّ كثرة انقطاعات المياه والكهرباء تجعلنا نعيش في واقع يفتقر لهما!

على الجانب الآخر، وضح التقرير ارتفاع نسب جرائم القتل وحوادث السير ونسبة انتشار السمنة للبالغين، وارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وانخفاض الوصولية للعدالة.

في جميع الأحوال، نحن نفهم جيداً واقعنا المعقّد من الوصول لأهداف التنمية المستدامة، وفي ظلّ الصّراع الذي لا يتضح متى ينتهي حتى اللحظة، لا يبدو للأهداف 17 أي أهمية لصناع القرار أو قادة الحرب أو حتى المسؤولين في القطاعات العامة والخاصة. ولكن من يبدون أهمية حقيقية للأمر، هم هؤلاء الذين سيعيشون ليشهدوا نتائج حاضرنا اليوم: شباب المستقبل.

صورة تضم أسماء ورموز الأهداف 17 للتنمية المستدامة
الأهداف 17 للتنمية المستدامة – من الهدف 1 وحتى الهدف 9

وبينما يخوض الكهول اليوم نزاعاتهم حول السلطة، سواء على الأرض أو الإدارات الحكومية، يخوض جيل آخر نزاعاتهم اليومية نحو مستقبل يحلم بالتغيير والتنمية، بالعمل والتجربة والإنتاج.

مشروع مولان هو مشروع توعويّ يقوده شباب مراهقون، وفي مقتبل العشرينات؛ للتوعية بأهداف التنمية المستدامة، ولتقديم نشاطات محلية لتشجيع المجتمع للعمل نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

قام المشروع عام 2019 بتصميم سلسلة فيديوز توعوية بعنوان “الاستدامة بالليبي” للحديث بلغة شبابيّة حول الأهداف 17 للتنمية المستدامة، وأهمية العمل عليها في ليبيا، والحلول التي بالإمكان البدء فيها.

يرى مشروع مولان أنّ تحقيق أهداف التنمية المستدامة لن يأتي دون سلام واستقرار وحكومة فعّالة في مجال القانون، وقاموا باختيار الهدف 16 كأوّل هدف ليتحدثوا عنه في سلسلتهم التوعوية وهو “السلام والعدل والمؤسسات القوية”. وهنا نحن نتحدّث عن شباب وُلدوا مطلع الألفية الثانية، عاشوا طفولتهم ونضجوا داخل النزاعات.

يتساءل فريق مولان ضمن إحدى الفيديوز التوعويّة بحملتهم: “علاش ما يكونش السلام هو أوّل هدف يطبق في ليبيا؟”. ولا يبدو أنّ هنالك إجابة على هذا السؤال، طالما أنّ تحقيق السلام لم يعد معادلة بديهية للوصول إلى مرحلة بناء الدولة، وبينما يصبح صوت الحرب والنزاع والكراهية، أعلى من صوت الاتفاق والسلام.

صورة تضم أسماء ورموز الأهداف 17 للتنمية المستدامة
الأهداف 17 للتنمية المستدامة – من الهدف 10 وحتى الهدف 17

العاشر من ديسمبر من العام الماضي (2019) قامت منظّمة “محامون من أجل العدالة في ليبيا” والتي تعمل على متابعة انتهاكات حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية في ليبيا؛ بإطلاق مبادرة على مواقع التواصل الاجتماعيّ، بعنوان “فلنتخيّل ليبيا خالية من الحروب“.

وانتشر هاشتاق #خالية_من_الحروب تفاعل عددٌ من الشباب بالمُشاركة للإجابة عن السؤال الذي طرحته المنظّمة “شن أوّل حاجة ممكن تديرها لو فقت غدوة على ليبيا جديدة خالية من الحروب؟”

الكثير من الإجابات التي تخيّلت ليبيا السلام، كانت تحمل نوايا صادقة من الشباب في العمل والبناء والإنتاج الفنيّ والترفيه عن الذات. السياحة الداخلية، رحلة بالسيّارة بين المدن الليبيّة، إنتاج حلقات إعلامية داخل معالم شهيرة، بناء ملاذ آمن للمشرّدين، العودة للدراسة والتعلّم، فتح مشروع خاص، اصطحاب الأطفال للاستمتاع بالطبيعة الليبية، والبعض أجاب بكلّ بساطة:

“أن يكون بإمكاننا الاستيقاظ صباحاً، والنظر نحو المستقبل، وهو الشيء المستحيل حدوثه في الوقت الحالي للأسف”

صورة فتاة صغيرها وعلى ظهرها أجنحة من ورق وهي تنظز في الأفق

قد يبدو الحديث عن السلام وطموحات التنمية اليوم، أمراً ساذجاً وغير واقعيّ؛ ولكن شباب اليوم المليئين بحبّ الحياة، يعلمون جيّداً أن المستقبل لهم، وأنّ نتائج هذه النزاعات والفساد هم وحدهم من سيحصدونها.

لا شيء سيحقّق التنمية والبناء سوى السلام، ولن يكون لليبيا موقعٌ في خريطة التنمية المستدامة، وضمن تقارير التقييم والمتابعة للأمم المتحدة؛ طالما لم يُوضع أمل الشباب في وضع السلام، الهدف السادس عشر، كأوّل هدف لتحقيقه، ضمن الحلول والسياسات والبرامج الداعمة للخروج من هذه الأزمات.

لنستطيع من بعده، تحقيق بقيّة الأهداف حول الصحة والمساواة والتعليم وحماية الموارد والقضاء على الفقر والجوع، وما بعدها.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)

  1. لا تنمية بدون إدارة نزيهة وكفوءة ومنضبطة ولا مكان فيها لاصحاب المواقف المتذبذبة او البراغماتية او عديمة الوضوح او المغامرة التي لاتحلل الواقع نتيجة حسابات معقدة من اقوال الشهيد وصفي التل