أشدّ ما تُعانيه الحياة البحريّة في ليبيا هو الصيد الجائر للثروة السمكيّة - Huna Libya
أنين البحر article comment count is: 1

البحر في ليبيا: حياة مهددة وثروة مبددة

لا يخفى على أحد أهميّة الحياة البحريّة للبيئة والمجتمع، وأنّها جزء مهم للحياة البشريّة، وكذلك أهميّة الثروة السمكيّة في الاكتفاء الذاتي المحلّي للبلدان، كما أنّها واحدة من مصادر الدخل والنمو الاقتصادي والاستثماري للدول.

في هذا التقرير سوف نسلّط الضوء على البحر في ليبيا وتحديدا واقع الحياة البحريّة في شواطئ الشرق الليبي من إهمال وتحدّيات ومُبادرات محليّة، تحاول حماية الشواطئ ووقف الخطر والإهمال.

بحر، مخلفات، نفايات، بلاستيك، تلوث - البحر في ليبيا
جانب من شاطئ مدينة سوسة الليبيّة.

التلوّث يهدد حياة الشواطئ الليبيّة

تعاني الشواطئ الليبيّة والتي يبلغ طولها قرابة 1900 كم، وتمثّل أكثر من ثلث السواحل الجنوبيّة للبحر المتوسط (حوالي 36% من الشريط الساحلي) من إهمال كبير في النظافة ممّا أدّى إلى تلوّث الحياة البحريّة؛ بيئة وبحرا وكائنات وشواطئا، الذي يؤثر بطبيعة الحال سلباً على الثروة السمكيّة البالغة نحو 450 نوعاً من الأسماك.

حيث تُعاني أغلب الشواطئ الليبيّة – لا سيّما شواطئ الشرق منها – إلى تلوّث كبير، كيميائيّ وبتروليّ وعضويّ وما يخلّفه المواطنون، خاصّة في فصل الصيف، من تكدّس النفايات ومخلّفات الأكل والمواد البلاستيكيّة الضارّة، خصوصا في ظلّ غياب الهيئات الرقابيّة.

ويمثّل البلاستيك أحد أخطر النفايات على الصحّة والبيئة فبحسب المختصّين فإن مادّة البلاستيك تحتاج إلى ما يُقارب 4 قرون لكي تتحلّل وأنّ زجاجة واحدة قد تستغرق حوالي 450 سنة لكي تتحلّل في التربة. كما أنّ حرق المواد البلاستيكيّة يؤدي إلى انتشار غازات سامّة قد تضرّ حياة الإنسان وتتسبّب في تلوّث بيئي، وأمّا دفنها تحت الأرض فإنه يهدّد الغطاء النباتي.

ولا يقتصر التلوّث البيئي على البحر في ليبيا إلى هذا الحدّ فحسب، فهُناك أنواعٌ أخرى من الملوّثات؛ منها صبّ مياه الصرف الصحّي في البحر دون إخضاعها لعمليّة المعالجة. حيث ذكرت الجمعيّة الليبيّة لحماية الحياة البريّة في بيان لها (مارس 2018)، بشأن هذا الموضوع:

“الملوّثات الموجودة في مياه الصرف الصحي خطيرة جدا وتتسبّب في تسمّم الأسماك وسرطنتها وقتلها وتناولها يشكّل خطراً كبيراً على صحّة الإنسان، وهذا إنذار بكارثة صحيّة خطيرة

وتفيد الإحصائيات أنّ “في العاصمة طرابلس تتمّ عملية التصريف في البحر بما يُقارب 38 مليون متر مكعّب، والتي تتسبّب في تخفيض تركيز ملوحة المياه” الأمر الذي يهدّد حياة الأسماك وموت الحياة البحريّة، فضلاً عن الضرر الواقع على البيئة والإنسان.

كائنات بحرية مهدّدة بالانقراض في ليبيا
من الكائنات البحرية المهدّدة بالانقراض في ليبيا: السّفن/القرش الملائكيّ – قرش الثعلب.

الصيّد الجائر … إرهاب يجتاح الحياة البحريّة

نشر موقع France 24 مقالاً بعنوان “صيد الأسماك بالتفجير يزدهر في فوضى ليبيا” أوضح فيه أنّ أشدّ ما تُعاني منه الحياة البحريّة في ليبيا هو الصيد الجائر للثروة السمكيّة، خاصّة بعد فبراير 2011.

ففي ظلّ غياب القوانين؛ ازدهرت عمليات الصيد بالديناميت والمُتفجّرات المعروفة محليّا باسم “الجلاطينة” لغرض زيادة الإنتاج، وتعظيم الصيّد دون الالتفات إلى الأضرار الناجمة عن ذلك. فالصيد بهذه الطريقة يقتل الأسماك، واليرقات، ونباتات البحر، كما أنّ المنطقة التي يتمّ بها تفجير هذه المتفجّرات تموت بها الحياة وتهجرها الأسماك.

ومُتفجرات “الجلاطينة” محليّة الصنع وتتوفر المواد اللازمة لصناعتها بسهولة، ومع غياب وعي المواطن والسعي وراء الكسب وتعظيم الإنتاج يزداد مستعملو هذه المتفجّرات وتزداد تبعا لذلك خسارة الناتج الوطني والاستثماري البحريّ.

قارب، بحر، شاطئ، صيد، تلوث

العقوبات الدوليّة وتدمير المخزون الوطني

لم تنجح الدولة الليبيّة في استثمار الثروة السمكيّة في تغذية السوق المحلي، وتوفيرا لتكاليف الاستيراد الخارجيّ والعمل على زيادة دخل خزانة الدولة من استثمار هذه الثروة الذي يتمتع بها ساحلها.

ومع غياب المؤسّسات والجهات الرقابيّة وبسبب العقوبات الأوروبيّة المفروضة على ليبيا منذ عام 2011 ومنعها من تصدير الأسماك؛ أدّى ذلك إلى تراجع ملحوظ في الصادرات السمكيّة والتي تبلغ حوالي 100 ألف طن من الثروة السمكيّة سنوياً.

فيما علّق نقيب الصيّادين الليبيّين أ.محمد نشنوش في لقاء أجرته معه قناة ليبيا الاقتصادية (يوليو 2018) على هذا الأمر قائلاً:

“ما نراه هو استهداف ممنهج وعلني تحت ذرائع واهية، وأن كل ذلك الانخفاض تسبّب في فقدان ليبيا مليارات الدولارات …. مُقابل ذلك تقوم جرّافات أجنبيّة بالدخول إلى المياه الإقليميّة – التي تصنّف كرابع منطقة اقتصادية في العالم – بطرق غير مشروعة، بصيد كميات كبيرة من الأسماك تقدر بنحو 21 طنا، تناهز قيمتها حوالي 155 مليون يورو من الأسماك”

وتؤكّد التقارير الصادرة عن مصلحة الجمارك تراجع تلك الصادرات خلال الفترة من (2014 – 2017) من 240 إلى 75 مليون دولار! فيما اقتصرت عمليّات التصدير على دول الجوار فقط، وبشكل بسيط، بسبب الحظر المفروض.

سمك، بحر، صيد، جائر، متفجرات - البحر في ليبيا

مبادرات محليّة وحملات تطوعيَة إنقاذا للحياة البحرية

حاولت العديد من مؤسّسات المجتمع المدني والمنظمات المحليّة، في مختلف أنحاء ليبيا، إقامة الكثير من المبادرات التطوعيّة والحملات التوعويّة للمحافظة على الحياة البحريّة، حيث أصبحت هذه المؤسّسات والحملات هي طوق النجاة الأخير حول البحر في ليبيا. من بين هذه الحملات والمؤسّسات في شرق ليبيا:

  • حملة (ضفاف الشاطئ) – طبرق:

أقامتها مؤسسة بوادر التنموية بمدينة طبرق، وقد استهدفت الحملة شواطئ المدينة. وفي لقاء مع رئيس مجلس إدارتها أنور فرج أوضح أنّ الحملة استهدفت “شطّ الكورنيش” و”شط الليدو” و”شط الغوض” بطول إجماليّ يُساوي 2 كم. واستمرّت مدّة أسبوع شارك بها العديد من المتطوّعين إلى جانب مؤسّسات شبابيّة كالكشاف والهلال الأحمر بالمدينة.

وعن نتائج الحملة يقول صلاح الدين الكوّاش مدير البرامج بالمؤسسة: “إن كميّة النفايات التي تمّ جمعها تزيد عن 120 كجم كان أغلبها من البلاستيك والعلب الزجاجيّة“.

وأكد كلا الضيفين؛ فرج والكوّاش لـ«هنا ليبيا» أنهم مستمرّون في الحملات التوعويّة خصوصاً بعد زيادة عدد سكّان المدينة، واعتبار الشواطئ هي المتنفّس الوحيد للأهالي.

شاطئ، بحر، كورنيش، سوسة، ليبيا

أوضح عطيّة الحصادي رئيس مجلس إدارة الفريق لـ«هنا ليبيا» أنّ “الحملة أقيمت لتوعيّة المواطنين بالمحافظة على مياه الشرب في مدينة درنة والتي أقيمت بالتعاون مع شركة تحلية المياه بالمدينة؛ نظراً لما تُعانيه الشركة من استهداف للأحواض البحريّة التي تستخدمها لتحليّة المياه، والتي يتمّ استهدافها من قبل الصيّادين بمادّة “الجلاطينة” لصيد الأسماك مما يؤدي إلى تلوّث المياه”

وأكمل الحصادي قائلاً: “إنّ الحملة كانت تنفيذا للأهداف العالميّة للتنميّة المستدامة. ونظراً لقلّة الإمكانيات اقتصرت الحملة على تركيب لوحة توعويّة أمام شركة التحليّة بالقرب من صنابير ماء السبيل الذي توفرها المحطّة للمواطنين، والتوعويّة الإلكترونيّة من خلال منصات الفريق على مواقع التواصل؛ محذرين من الخطر الكبير الذي يحدث للكوكب والحياة البشريّة نتيجة هذه الانتهاكات”

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)