المشقة والتعب اللذان يصحبان العيد في ليبيا يُلغيان أي روحانية وبهجة له - Huna Libya
العيد بعيدا عن ليبيا article comment count is: 1

كيف يقضي الليبيون المغتربون عيد الأضحى المبارك؟

للمناسبات والأعياد في ليبيا نكهة خاصة، مطعّمة بلمّة العائلة. فما بين الطقوس الدينية والعادات والتقاليد الاجتماعية تستقبل العائلات الليبية عيد الأضحى المبارك، بدءا من يوم عرفة وصيامه واجتماع العائلة وصنع الفتات في العديد من المدن، حتى صباح يوم النحر وصلاة العيد.

وما يلي ذلك، من المعايدات على الأقارب وإعطاء العيديات للأطفال، وذبح الأضحية وما يلحقها من الشواء والعصبان، واللمّة في بيت الجدّ مع “ذوقة” من أضحية كل بيت. كل هذه الأشياء تغيب – غالبا – عن المغترب بغيابه عن بلده، فكيف يقضي المغتربون عيد الأضحى المبارك؟

خروف، كيف يقضي المغتربون عيد الأضحى المبارك
كيف يقضي المغتربون عيد الأضحى المبارك؟ تصوير: نزيه مغيدير – هنا ليبيا.

تقول الطبيبة نيروز الجابري (مقيمة في ألمانيا لغرض الدراسة) إنّ أشدّ ما تفتقده هو آذان وتكبيرات العيد ودخول أبيها وإخوتها للبيت بعد الصلاة، ورائحة البخور والوشقة التي تميّز بيوت الليبيين وتحمل مع رائحتها دفء هذا البلد، وأن أجواء العيد في بيتهم في طرابلس لا يعوضها شيء.

وحين تستذكر نيروز طقوس العيد، تجد أن أول أيام العيد في الغربة مرّ عليها وأخيها وكأنه يوم عادي؛ بين دراسة وعمل.

أما في اليوم التالي سافرت هي وأخوها من مدينة بادربورن حيث يقيمان إلى مدينة إيسن ليقضيا العيد مع عائلة ليبية من الجنوب هناك، تم الشواء والقلاية والعصبان – أهم عناصر عيد الأضحى – وهذا ما أشعر نيروز بألفة العيد والعائلة وهوّن عليها شوقها للبيت وعيده.

ويوافق السيد صهيب تنتوش (مقيم في انجلترا) نيروز في رأيها، حيث يقول إنّ العيد في طرابلس جميل وممتع رغم تعبه، وإنّ اللحظة التي ينتهي فيها – هو وأهله – من كل “حوسة” العيد هي لحظة انتعاش، رغم كل التعب الذي كان.

كذلك يشير صهيب أن العيد حيث يقيم ناقص إلى حد ما، رغم أن العام الماضي لم يقضه وحيدا، بل مع شقيقه وصديقه، وبالرغم من خلقهم أجواء جميلة إلا أنه يشتاق ويفتقد العيد في طرابلس إلى حد كبير.

شاب، لباس شتوي، المغتربون عيد الأضحى المبارك
جمال القلعي، طالب دراسات عليا – إيطاليا

على عكس نيروز وصهيب؛ يقول المهندس جمال القلعي (27 عاما، طالب دراسات عليا، مقيم في إيطاليا) إنّه غير متمسّك كثيرا بفكرة العيد مع العائلة. فجمال خلال دراسته الجامعية بليبيا اضطرّ أن يقيم في مدينة غير تلك التي يقيم بها أهله.

كما أن جمال الآن، مقيمٌ بمدينة لا جالية ليبية فيها كي يحتفل بالعيد معهم، ويذكر أن عيد العام الماضي مرّ وكأنه يوم عادي جدا، لكن هذا العام قرّر هو وبعض من أصدقائه المقيمين في روما، أن يقضوا العيد سوية، حتى إنهم عازمون على ذبح أضحية.

ربما يختلف الأمر ما بين العازبين وأصحاب الأسر، حيث إنّ الأسرة هي الوطن، يقول المقيم في مصر؛ السيد أوسمان بن ساسي (38 سنة) إنّ العيد عيد ما دامت أسرته الصغيرة معه.

حلويات العيد

فمن بين سنواته الثمان التي قضاها في مصر، لم يشعر بوحشة الغُربة ولا بثقل العيد إلا في العام الذي كان فيها لوحده في مصر، وزوجته وابنه في ليبيا، ووصف ذلك العيد “بالكئيب جدا”. فكما يقول الشاعر محمد بن يزيد المبرد:

جسمي معي غير أن الروح عندكم *** فالجسم في غربة؛ والروح في وطن

أما أجمل الأعياد خلال هذه السنوات جميعها حتما سيكون عيد هذا العام المزيّن بوجود والديه معه.

وللصغار في ليبيا النصيب الأكبر من فرحة العيد، حيث ينتظرون قدومه لأخذ العيديّات من أهاليهم وأقاربهم. وتجدهم من قبل العيد بأيام يستعدون ولا يتكلمون في شيء سوى العيد والعيديّة. وينظرون إلى ثياب العيد بكل حب وشغف.

كما ينتظرون بشوق اللحظة التي يرتدون فيها ثيابهم، ويستلمون الهدايا، واللحظة الأخرى التي يتناولون فيها أول قطعة شواء تُوزّع وسط ضحكات العائلة وفرحتهم بالعيد رغم التعب الجسدي.

أطفال، هدايا، فرحة، عيد الأضحى المبارك
أطفال أ. سميّة العماري وهم يفتحون هدايا عيد الأضحى

لذلك تقول السيدة سمية العماري (مقيمة في أسكتلندا) إن أكثر شيئين مهمين في العيد هما الصلاة وفرحة الصِّغار، وإن هذين الشيئين لا تتنازل عنهما مهما حدث. تتم الصلاة بحضور المسلمين من مختلف الجاليات، ثم تذهب سمية رفقة زوجها وأطفالها في نزهة قصيرة ليرجعوا بعدها للبيت.

وتحرص سمية أن تزيّن المنزل وتُغلّف الهدايا لأطفالها ليشعروا بالبهجة والفرحة، ثم يبدأ الشواء في حديقة المنزل، وتقول سمية إنها ترى العيد في عيون أطفالها، وإنها تحاول إسعادهم وتثيبت معنى العيد في أذهانهم قدر المستطاع، خصوصا أنهم ولدوا جميعا خارج البلاد.

من جهة أخرى، تقول السيدة أسماء رفيدة (30 سنة) إنها خلال فترة إقامتها في أستراليا أثناء دراسة زوجها هناك، كان العيد جميلا جدا خاليا من التعب.

ففي أول أيام العيد تقام الصلاة في مسجد كبير يجمع المسلمين المقيمين من مختلف الجنسيات، ويتبادلون التهاني والمعايدات، بعد ذلك، تجتمع الجالية الليبية في مزرعة ما وتُوزّع العيديات على الأطفال، ويذبح الرجال اليوم الأول في الجزّار، وتأتي لكل عائلة بعد ذلك أضحيتها مُقطعة وجاهزة دون تعب.

شاطئ بحر، اجتماع عائلات - المغتربون عيد الأضحى المبارك
جانب من اجتماع الجالية الليبيّة في الإمارات للاحتفال بعيد الأضحى المبارك – 1440 هـ / 2019

وتجتمع الجالية مرة أخرى ثاني أيام العيد لقضاء اليوم سوية، حيث تحضر النساء بقهوتهن وحلوياتهن للإفطار، بينما يجهز الرجال الشواء، وتأتي الوليمة جاهزة من عند الطباخ، في جو من الألفة والود “والراحة“.

حتى الخلافات السياسية – تقول رفيدة – تتلاشى في تلك اللحظة، وتؤكد أن المشقة والتعب الجسدي اللذين يصحبان العيد في ليبيا يُلغيان أي وجود لروحانية العيد وبهجتها.

ربما يتفق جميع المغتربين في أن ميزة عيد الأضحى في الغربة هي خلوه من التعب والمشقة المصاحبتين لطقوس العيد في ليبيا.

تقول السيدة أروى الكوني (25 سنة، مقيمة في أوكرانيا حاليا حيث يدرس زوجها) إنها جرّبت عيدا واحدا فقط في ليبيا وكان متعبا جدا، فقبل زواج أروى كانت تقيم مع أهلها في الإمارات – تحديدا في الرويس – حيث يعمل أبوها.

وحين تسترجع أروى كلّا من أعياد الإمارات وليبيا وأوكرانيا، تقول: إن أفضل الأعياد تلك التي قضتها في الإمارات، حيث تجتمع الجالية الليبية في مساء يوم العيد على شاطئ البحر، في جو مبهج. أما في أوكرانيا فيمر العيد مملا – على حد وصفها – وفي ليبيا؛ يمر بالتعب الشديد، لذلك تحِنّ إلى أعياد الإمارات، حيث اللمّة والرفقة ولا تعب.

طفل يرتدي ثياب العيد، ويمسك في يده بالونا مكتوب عليه "عيد مبارك"
هل يستطعم المغتربون عيد الأضحى في غربتهم؟

تتسم المناسبات الاجتماعية والدينية في ليبيا بطقوسها التي تقضي شيئين، أحدهما جميل جدا ودافئ ومرغوب غالبا – وهو اللمةوالثاني يُقبل كُرها لأجل الأول، وهو التعب.

لذلك يتمنى الكثير من الليبيين – خصوصا النساء – عيدا بلا تفكير في أجسادهم التي ستبلى بعد انقضاء العيد، وفي الوقت ذاته يرغبون اللمة ويريدون الحفاظ عليها، ولا يرون أن الأمرين مرتبطان ببعضهما بتاتا.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)