الموروث الثقافي الليبي، تاريخ زاخر - Huna Libya
#الموروث_الثقافي_الليبي article comment count is: 0

اللهجات المحلية في ليبيا: نافذة على الموروث والهوية

اللهجة في الاصطلاح العلمي الحديث هي مجموعة من الصفات اللغوية المنتمية لبيئة خاصة (محلّية)، ويشترك في هذه الصفات أفراد تلك البيئة.

إنّ بيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع وأشمل تضم عدة لهجات، لكلّ منها خصوصيتها؛ لكنها تشترك جميعا في مجموعة من الظواهر اللغوية التي تيسّر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض، وفهم ما قد يدور بينهم من حديث، فهمًا يتوقف على قدر الرابطة التي تربط هذه اللهجات.

من هذه التوليفة نعتبر أنّ اللهجة امتداد للغة أم، ولنقل للغة الفصحى، وهي بوتقة انصهرت فيها تحولات سواء على الصعيد اللغوي أم الجغرافي لمجموعة من الناس نمت لديهم هذه الخصوصيات اللغوية وأصبحت جزء من وعيهم وتاريخهم. والأمر ينطبق على اللهجات المحلية في ليبيا.

فتيات ليبيات بظهرن بالزي التقليدي

كيف تتكوّن اللهجات؟

يرى بعض أساتذة اللغة أن هناك عاملين رئيسيّين لكون ظهور لهجات مختلفة للغة واحدة داخل حدود الوطن: الانعزال بين الشعب الواحد، ثم الصراع اللغوي نتيجة غزو أو هجرات.

الانعزال بين الشعب الواحد

اتساع الرقعة الجغرافية لبلادنا ووجود جبال ووديان وصحارى شاسعة، ساهمت في تشكيل مجتمعات صغيرة على مسافات متباعدة.

وقد يكون هذا المجتمع المحلي قرية وحيدة كبرت مع الزمن وتفرّعت حتى صارت مدينة أو إقليما أو مجموعة من القرى قريبة وصار الانتقال بينهم سهلاً، وصار لزاما لهؤلاء الأفراد أن يتخاطبوا فيما بينهم حول أمور عديدة في الحياة، ومن خلال هذا الاتفاق غير المعلن يتم تكوين كلمات وتعبيرات خاصة بهم، لها صفات لغوية من خلال الصوت ومستوى بنية الكلمة.

وقد تكون لهذه الكلمات جذور سواء في اللغة العربية أم اللغة الأمازيغية في ليبيا وفي الدول المغاربية، أو لغات أخرى قديمة أم حديثة، ويمكن أيضا استحداث بعض التعابير.

صورة ميدان الجزائر، طرابلس، سيارات عتيقة، شوارع نظيفة
ميدان الجزائر – طرابلس (ميدان الكاتدرائية سابقا) في عشرينات القرن الماضي.

الصراع اللغوي نتيجة غزو أو هجرات

مرّ على ليبيا كثير من الأجناس بمختلف لغاتهم وثقافاتهم، سواء كانوا غزاة محتلين أم مهاجرين من أماكن أخرى، والقادم من الخارج يأتي بمركّب الهوية بما فيها اللغة، ويبدأ في الاندماج بها داخل هذا المستقر.

يحدث ذلك إما نتيجة فرضها بالقوة أو عندما تصبح مع مرور الوقت جزء من هذا البلد بفعل الاستيطان، وهنا يحدث نوع من صراع مصغّر على مستوى اللغة بين المقيم الذي يحاول الحفاظ على هُويّته من خلال رفض واستغراب الجديد، وبين الآخر الذي قد ينجح في جعل الناس تتبنّى بعض تعابيره أو لغته بشكل كامل، وكنوع من المقاومة يتم تحريف بعض الكلمات والأفعال عن صحيحها.

بعض الكلمات الدارجة الليبية التي تحتوي على خليط من الأمازيغية كلغة ليبية أصيلة والإيطالية لغة المستعمر، والتي أصبحت اليوم كلمات قديمة.

مثل: فكرونة وهي كلمة أمازيغية تعني: سلحفاة، وكلمة سبيتار وهي كلمة إيطالية ospedale وتعني المستشفى، وقد أخذها كذلك العثمانيون فأسموا المستشفى “اسبيتاليه” وأيضا دولاب وباقاج وهما كلمتان من اللغة التركية وهناك الكثير من المفردات في اللهجة الليبية هي خليط من لغات أخرى.

نرى أن اللهجة الليبيّة وإن كانت جزء من الفصحى فإنها تتطور مع الوقت سواء بالإضافة أو الحذف، فإن نمط الحياة في ليبيا ساهم بشكل ما في تكوّن تجمعات حضارية في المدن وأخرى بدوية أو بعيدا من المركز.

إن المدينة هي مجتمع متمدّن ومنفتح بشكل كبير على الآخر مما جعل لهجة أهل المدن بها شيء من سهولة اللفظ، أما في المناطق الريفية أو الصحراوية حيث هناك نوع من التقوقع للداخل فلا تزال تلك المجتمعات تحافظ على لهجة قوية ويرجّع بعض أساتذة اللغة أنها ربما كانت الأقرب إلى الفصحى.

صورة تظهر آثار لبدة الليبية - اللهجات المحلية في ليبيا

الهوية والموروث

الموروث الثقافي والهوية لا ينفصلان، فالأول هو معبّر أساسي عن الهوية، والموروث العام للبلاد فسيفساء طبيعية تتشارك في تكوينها كل المدن والمناطق على امتداد البلاد.

خلال الأعوام الأخيرة ومع طفرة التكنولوجيا وبرامج الوسائط الاجتماعية دخلت بعض العادات بشكل غير مباشر.

من ضمن التعابير الجديدة التي أصبحت تستخدم بوضوح في الحياة اليومية، ويمكن ملاحظة ذلك في الأعياد والمناسبات من خلال تبنّي بعض المعايدات لم تكن موجودة في البلاد ولا تمثّل أي مكون ثقافي أو لها جذور وامتدادات تاريخيّة، ومنها “عساكم من عوادة” “ينعاد عليكم”.

اللهجة عنصر أساس من التراث الشفهي الذي يتضمن الشعر الشعبي والأغاني والقصص والحكايات والأساطير التي تتناقلها العائلات جيلا عن جيل، إذ اللهجات المحلية في ليبيا موروث زاخر، فالمحافظة على اللهجة وتدوينها والبحث في تاريخها هو المحافظة على تاريخ البلد وتنوّعه.

وتظل محاولات التدوين في ليبيا والبحث خجولة وفرديّة، ويجب أن يكون هذا المشروع قوميّا تتولاه وزارة الثقافة ومراكز اللغة.

المصادر:

هل وجدت هذا التقرير مفيدا؟

اترك تعليقاً