أتجمعنا اللهجات في ليبيا أم تفرقنا؟ كوثر الجهمي
#ليبيين_إنتو؟ article comment count is: 1

أتجمعنا اللهجات في ليبيا أم تفرّقنا؟

“ليبية إنتِ!؟”، ربما هو تنوّع اللهجات في ليبيا الذي دفع الكثيرين منذ أن كانوا صغاراً لطرح السؤال الأبرز من بين الأسئلة التي وُجّهتْ لي خلال مرحلة طفولتي ولم أفهم لِمَ يبدو عليّ أنني غير ليبية؟

كنت طفلة، لهجتها خليط بين “الشرقاوية” و”الغرباوية”، كبرتُ واكتشفتُ أننا في مرحلة الطفولة –خاصة حين ننتمي لبيئة أُسريّة لا تنوّع فيها- لا ندرك الاختلافات في المجتمع الواحد. ليس الأطفال فحسب، بل بعض الكبار أيضًا!

إذًا لماذا هذا الاختلاف في اللهجات؟ لماذا نشعر بالغرابة؟ لماذا تبدو لنا بعض الكلمات طريفة؟ والسؤال الأهم أتجمعنا اللهجات أم تفرّقنا؟

صور لمجموعة قتيات صغيرات من الجنوب يرتدين الزي التقليدي
صورة التقطتها عدسة منير البدري – تويتر

ما اللهجة؟ وكيف تتكون وتتطور؟

اللهجة اصطلاحًا هي مجموعة من الصفات اللغوية التي تنتمي إلى لغة ما، ويشترك في هذه الصفات جميع الأفراد الناطقين بتلك اللغة. تتباعد اللهجات أو تتقارب على قدر اشتمالها على عناصر محددة، قد لا يفرق بين لهجة وأخرى سوى صفة أو صفتين، في حين أن لهجات بعض اللغات لا تكاد تستبين للسامعين ولا يكاد يفهمها كل الأفراد في شعب من الشعوب”(1).

وكلما صغر الإقليم الخاص، تقلّص التباين بين اللهجات فيه، نلاحظ هذا ظاهرًا في اختلاف اللهجات في ليبيا وفي كل إقليم من الأقاليم الناطقة بكل لغة من اللغات التي يضمها المجتمع الليبي، وسنتطرق إليها لاحقًا في هذا التقرير.

سبب هذا الاختلاف في اللهجات وتطوره، عاملان أساسيّان: أولهما العامل المكاني المتعلق بانعزال بيئة الشعب أو جزء منه، وكثرة التنقّل والرحيل، ومجاورته لشعوب ناطقة بلغة أخرى. والعامل الزماني المتعلق بالغزو الخارجي أو الهجرات الجماعية، والانعزال بين الأجيال السابقة واللاحقة.

ثمة عامل آخر اجتماعي، يتعلق بمدى انفتاح مجتمع ما واستعداده لقبول كل جديد.

وتتميز كل لهجة عن غيرها من اللهجات بعدة صفات:

  • صفات لفظية: كالضمائر والأعداد وأسماء الإشارة وأدوات الربط بين أجزاء الجملة؛
  • صفات صوتية: كاختلاف مخارج حروف بعض الأصوات، والتباين في النغمة الموسيقية للكلام.
صورة طفلة ليبية بالزي التقليدي في إحدى المناسبات الوطنية
صورة أرشيفية من الانترنت

في ليبيا ثلاث لغات، لكل لغة منها عدة لهجات تختلف باختلاف الإقليم والمدينة، سألت مُختصين في كل لغة عن مدى التباين في لهجاتها، وعن تأثّر الأفراد بهذا التباين، فكانت إجاباتهم مثيرة للاهتمام:

الكلمات المنسيّة: أحد أسباب اختلافات اللهجات الأمازيغية في ليبيا

الأستاذ صلاح انقاب، وهو كاتب وصحفي، ومُعد ومنفذ سلسلة كُتب “تعليم كتابة التيفيناغ“، يقول عن تنوّع اللهجات الأمازيغية:

” اللهجات الأمازيغية الليبية الكبرى أربع؛ ليبية الشمال هي تامازيغت، ليبية الجنوب هي تاماشقت، وتاماهقت وتاماجغت.

الفروق في تامازغت الشمال صوتي، بالإضافة الى الكلمات المنسية بين زوارة والجبل، جادو يفرن، كاباو ونالوت تحديدا؛ لكن إجمالي المصطلحات في اللغة اليومية واحد، وبسبب عدم وضع قواعد لها؛ فإن الكلمات الأكثر دقة إما مُعرّبة أو موجودة في أماكن دون أخرى.

يفرن والقلعة مثلا يقولون “يمدا” بمعنى اكتمل، بينما الكلمة معربة في جادو فيقال “يكمل“، في جادو يقال “غفس” بمعنى عنه بينما في عموم شمال إفريقيا بالكامل تقريبا يقال “فلاس“. الفرق أيضًا في قلب الأحرف، مثلا “ايزي” الذبابة عند ايموزاغ، هي “ايهي” عند ايموهاق.”

تساءلتُ إن كان لتغير اللهجات في ليبيا بشكل عام، وفي اللغة الأمازيغية بشكل خاص، أي تأثير على انتمائهم للأمازيغية، فعاد بي السيد صلاح إلى الأصل، واعتبر اللغة من الأساس ليست بطاقة هوية كافية لربط شعب ما، يقول:

” فكرة اللغة- الهوية، أراها بدائية ولا تنتمي لهذا العصر، فالارتباط بين الناطقين بالأمازيغية معقد ولا يمكن تبسيطه في مسألة اللغة فقط، التاريخ والجغرافيا لهما تأثير.

فمثلًا مدينة مثل جادو تمتلك تحالفات قبلية مع مدن على الساحل؛ لكن الموضوع بعد عصر القذافي أخذ شكل البكائيات باعتبار أن النظام اتّخذ موقفا صريحا معاديا للثقافة واللغة الأمازيغية الأمر الذي أدّى إلى تشبّث سطحي بالهوية اللغوية اليوم، ليس له انعكاسات حقيقية على أرض الواقع.”

صورة تظهر مجموعات من الجنوب الليبي أثناء الاحتفال بمنشط محلي - اللهجات المحلية في ليبيا
اللهجات في ليبيا كمظهر من مظاهر التنوع

للتبو لهجتان، ولليبيين منهم لهجة واحدة

“نظراً لاتساع الرقعة الجغرافية التي تنتشر فيها التباوية، وتعدُّد الأقاليم التي يتحدث سكانها بها؛ فإنها قد انقسمت إلى لهجتين: تُدگا  “Tudaga” ودزگا”Dazaga”.

لهجة تدكا يتحدث بها كل تبو ليبيا” هذا ما أكّده الأستاذ حسن كادينو وهو كاتب ومؤلف كتاب “قواعد اللغة التباوية”. أما عن تأثر التبو سواء في ليبيا أو خارجها باختلاف اللهجة فيقول:

لا أثر لاختلاف اللهجات، فانقسام التباوية إلى لهجتين ليس نقصا، فيها فهذه الظاهرة معروفة في كل لغات العالم، فالعربية تنقسم إلى عشرات اللهجات تكاد تكون غير مفهومة فيما بينها، ونحن نعتبر انقسام التباوية ثراءً لها وتباوية الوسط والجنوب (الدزگا) ما هي إلا لهجة متفرعة من التباوية الأم، تفرعت عنها لضرورات تسهيل التواصل وذلك باختصار قواعدها ومفرداتها.”

وكغيرها من اللهجات، تختلف اللهجتان التباويتان صوتيًّا وفي بعض القواعد والزيادات اللفظية، يقول الأستاذ حسن:

“مثلًا الناطقون بالدزگا يضيفون “gi” على نهاية الفعل المضارع، بينما في التُدگا ينتهي الفعل المضارع بـ i”

صورة لمبنى من مباني مدينة غدامس التي تشتهر بطرازها المميز
صورة أرشيفية من الانترنت

مسألة اللهجات قديمة جدا، وقد وردت وفق اللهجات العربية المختلفة في جزيرة العرب قراءات للقرآن الكريم

الأستاذة دارين سليمان، أستاذة في البلاغة والنقد، عضو هيئة تدريس بجامعة بنغازي، تتحدث عن قِدم تنوع اللهجات العربية حتى قبل نزول القرآن:

“كان يسميها علماء العربية لغات؛ لغة تميم تختلف مثلا عن لغة هذيل. كل قبيلة كانت لها سمات خاصة في كلامهم، لدرجة أن هذه اللغات أصبحت لها قواعد نحوية خاصة بها، مثلا: (ما) الحجازية تختلف عن غيرها، حيث استعمل الحجازيون (ما) كاستعمال ليس وبمعناها. مثل (ما هذا بشرًا)، تنصب الخبر بشروط، وغيرها من أبواب النحو.

كان من شروط جامعي مفردات اللغة العربية ووضع النحو أنهم يسافرون لإيجاد الأعرابي البعيد عن مناطق الحضارة. غير محتك بغير العرب، إذًا هم يدركون مسألة التأثر والتأثير.

إنّ الاحتكاك بغير العرب يؤثر في النطق وفي الصوت اللغوي نفسه أي صوت الحرف، وهذه مسألة ظاهرة. هل هذا مؤثر في نشوء اللهجات العربية الليبية؟ لا أستطيع الجزم إذا أخذنا بالاعتبار كون أغلب الليبيين العرب من قبيلة هلال وسليم.”

وعن تأثير اختلاف اللهجات المحلية تقول الأستاذة:

“أكيد! الاختلاف سبّب تصنيفًا، ونلاحظ –على منصات التواصل الاجتماعي خاصة- ميلًا لاستخدام لهجات معينة يعتبرها الجيل الحالي رمزًا للتمدن والثقافة“.

تذكر أيضًا موقفًا لوالد صديقتها، ظلّ يذكره لأولاده حتى بعد سنوات منه، حين مُيّز بلهجته حال نطقه بكلمة بقرة (التي يختلف نطقها صوتيًّا بين منطقة وأخرى) وشعر بالخزي بعدها للمعاملة التي قوبل بها.

وتُعلّل سبب تقلّص حجم التباين في اللهجات المحلية؛ لانتشار الفضائيات، ورغبة أهالي بعض المناطق في تسهيل الفهم على غيرهم بسبب الاختلاط والاندماج الاجتماعي.

تنوع اللهجات في ليبيا في عمل من أعمال الدراما الليبية شط الحرية - اللهجات المحلية في ليبيا
صورة أرشيفية من الانترنت

جِسرٌ أَم هوّة؟

يحدث أن يتندّر بعضنا بمفردة أو تعبيرات تتبع لهجة منطقة أو مدينة بعينها، كما يفعل البعض إزاء عبارة “قاعد ماجاش” -رغم صِحّتها لغويًّا-؛ ولكن أتُعبر هذه الظاهرة عن اختلاف فعليّ يؤدي إلى الخلاف؟ لا أظن، فلا شكّ أن اللهجة سبب اختلاف وهذا أمر طبيعيّ؛ ولكنّ الخلاف الحقيقي ينشأ من أسباب أخرى قد تكون اللهجة عاملًا مساعدًا يغذيه.

بقيَ الاعتراف بأن للتنوع جاذبية خاصّة، حتى وإن كانت النتيجة سؤالا إقصائيا –بقصد أو دون قصد- يقول: “ليبيين إنتو؟”

  1. مقتبس بتصرف من كتاب “في اللهجات العربية”، د.ابراهيم أنيس. الطبعة الثامنة، 1992، مكتبة الأنجلو المصرية.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)

  1. لماذا هاذا ةلاهتمام بالامازيغيه المندثره وهي لغه لحضاره ردمها التاريخ وانتهت وماخروجها الان الا دليل للانفلات الي ساير في ليبيا وترك اللغه العربيه الجمؤله لغه القران ولغه اهل الجنه ولغه رسول الوحي سيدنا جبريل