يظهر في صورة الغلاف، جزيرة دوران بمدينة زوارة، ويظهر فيها رسومات أمازيغية وشعارات - Huna Libya
لماذا سرقتم من ابنتي اسمها؟ article comment count is: 2

بين ماسيليا وماسينيسا.. تاريخ من العقبات أمام اللغة الأمازيغية

أعادت “ماسيليا” النقاش حول اللغة الأمازيغية إلى السطح مرة أخرى، بعد سؤال والدها دار الإفتاء في طرابلس عن حكم تسميتها بهذا الاسم.

وأيّا كان ردّ الدار عن السؤال، فحكمها غير ملزم للجميع إنّما يُهِمّ والدها فقط؛ إذ هي جهة استشارية غير معنية بسنّ القوانين والتشريعات المنظمة للأحوال المدنية، وما حدث ليس إلا إحدى ظواهر المشكلة وليس أساسها.

صورة من قرارات إدارية ووزارية في ليبيا حول اللغة الأمازيغية

إذًا ما هي جذور مشكلة منع الأسماء الأمازيغية في ليبيا؟

يرى الناشط الأمازيغي إيهاب قنان (نالوت، 43 عامًا) أنّ دار الإفتاء الليبيّة غير مختصّة في شأن استعمال الأسماء غير العربيّة في السجلات المدنيّة، وأن أصل المشكلة يكمن في مزاجيّة تعامل مصلحة الأحوال المدنية التابعة لوزارة الداخلية مع هذا الحق، ومحاولة إحياء قوانين عنصرية ألغاها النظام السابق.

ويضيف قنان: “اكتفت (المصلحة) بإطلاق تعميمات وقرارات تلغي بعضها البعض، وهو ما حدث في أكتوبر 2019، حيث أصدرت مصلحة الأحوال المدنية تعميمًا يمنع الأسماء غير العربية، استنادا إلى أحد قوانين العهد السابق سنة 2001 الذي يمنع الأسماء غير العربية منعًا باتًا”

“وعندما رفض الأمازيغ القرار وصعّدوا الموقف، أصدرت المصلحة في نوفمبر 2019 بيانًا آخر يستند إلى قرار سنة 2007، يجيز بعض الأسماء غير العربية بعد ضغوط النشطاء والمنظمات الدولية. ولكن لاحظ أنه قرار وليس قانونًا يلغي القانون القديم” على حد وصفه

يسترسل قنان في الحديث عن الجدل القانوني بين الماضي والحاضر، مستشهدا بمعايشات شخصيّة:

“رغم إصدار هذا القانون سنة 2001، إلا أنّ مكاتب السجل المدني في مختلف المناطق الليبية، قبل هذا التاريخ كانت تعمل بنفس العقلية، والأمثلة كثيرة على ذلك، أذكر منها صديقي هانيبال نانيس الذي عزم والده تسميته باسم (ماسينيسا) العام 1986، فرفضت البلدية آنذاك تسجيله”

اللغة الأمازيغية
الناشط الأمازيغي / أ. إيهاب قنان – نالوت «هنا ليبيا»

ثم يعود قنان ويتساءل: إذا كانت المصلحة تعرف أن التعامل مع الأسماء يستند إلى قرار 2007، لماذا تجعل تعميمها يستند إلى قانون 2001 العنصري؟

ثم يجيب: “القرار يعني بوضوح أن قوانين النظام السابق ما زالت سارية، رغم صدور قرار (15) لعام 2013 المستند على الإعلان الدستوري، والذي رفع الحظر بشكل كلّيّ عن الأسماء الأمازيغية”

وبعد كل ما تقدّم، يختم قنان حديثه بالقول إنه مثلما رفض الشعب الليبي – استنادًا إلى الإعلان الدستوري – قوانين النظام السابق التي تجرّم الانتخابات والأحزاب وتنصّ على أن التمثيل تدجيل، نرفض قانون 2001 العنصري وكل القوانين والقرارات المتعارضة مع حقوق الإنسان استنادًا إلى الإعلان الدستوري.

صورة شاب خلفه علم الأمازيغ
الأستاذ / رياض عمر، خرّيج قسم اللغة الأمازيغيّة بكليّة التربية والآداب – زوارة. «هنا ليبيا»

ويقودنا هذا الحديث إلى تساؤل آخر قد يجول في بال البعض: لماذا يتشبّث الأمازيغ باللغة إلى هذا الحد؟. هذا المبحث يثار الجدل بشأنه في الشارع وبمواقع التواصل الاجتماعي، في كل مناسبة ذات صلة بالهُوية، رغم بداهة ووضوح الموقف لدى البعض الآخر.

عن هذا السؤال، يجيب خرّيج قسم اللغة الأمازيغية بكلية التربية والآداب زوارة رياض عمر (زوارة، 42 عامًا):

“كلّ المجتمعات التي تخلّت عن لغاتها اندثرت ولم يعد لها وجود، كالحضارات السومرية، البابلية، الفرعونية، الفينيقية… إلخ، أين كل هذه المجموعات البشرية الآن؟ إمّا أنها ذابت في شعوب أخرى، أو أصبحت نسخة باهتة لم يتبقَّ منها شيء سوى الآثار والكتابات على الجدران، الأمر الذي لم يحدث مع باقي الشعوب المحافظة على لغاتها، كالأمازيغ الذين يمتدّ تاريخهم إلى آلاف السنين

وحول طرق المحافظة على اللغة الأمازيغية يشدّد عمر على تعليمها للأطفال في مدن ومناطق ليبيا كافة، والتأليف بها في السينما والتلفزيون والمسرح والغناء، فضلاً عن تضمينها في دستور البلاد كلغة رسمية جنبًا إلى جنب مع اللغات المحلية الأخرى دون ترتيب.

وبحسب عمر فإن تعليم الأطفال في المدارس، اللغات المحلية، الأمازيغية، العربية، التباوية تعود فائدته على الليبيين جميعًا، حيث يساهم تعلّم جيل كامل اللغات المحلية في سهولة التواصل الثقافي، ما يرسّخ قيم العيش المشترك ويعزز الهوية الليبية.

حينذاك لن تجد حتى من يعارض فكرة زواج الأمازيغي من عربية أو زواج الأمازيغية من عربي، فكل اللغات محمية ورسمية في الدولة.

صورة من قرارات إدارية ووزارية في ليبيا حول اللغة الأمازيغية

وتتفق الناشطة الحقوقية إنصاف الأنصاري (أوباري، 23عامًا) مع رياض عمر في الفكرة، وتعتقد أن لغة التيفيناغ هي روح الأمة التارقية وإذا اضمحلّت غابت هذه الروح عنها (..) هي عامل أساسي يبرز ويعبر عن هوية «إيموهاق» أمازيغ الصحراء،

كما أنها قناة تنقل الموروث الثقافي إلى الأجيال المقبلة – تسترسل الأنصاري –  لذلك ذوبان اللغة في لغات أخرى تعني اندثار الطوارق، وحرمان الإنسانية من خبرات متراكمة لواحد من الشعوب القديمة.

وكي نحافظ عليها تضيف الأنصاري، لا بد من تضمين الأمازيغية في مناهج التعليم، إلى جانب استعمالها في وسائل الإعلام المحلية.

وفيما تتفق الأنصاري مع عمر في جزئية تعليم اللغة الأمازيغية لأطفال ليبيا، تختلف معهما مسؤولة نادي السينما والكتاب في مؤسسة «تاناروت» المدونة، ميسون صالح (بنغازي، 39 عامًا).

تقول صالح إنه من المهم تدريس اللغة في المناطق غير الناطقة بالأمازيغية بشكل اختياري لا إجبار فيه، مخافة أن يؤدي هذا الإجبار إلى منحى عكسي. وفي رأيها أن أكثر الإجراءات إفادة للغة الأمازيغية هي نشر الثقافة من خلال الفنون، حيث أثبت الفن عبر التاريخ أنه الأقرب للخلود، فمن خلاله يصبح تدريس اللغة أكثر تقبلاً.

المدوّنة أ. ميسون صالح -مديرة نادي السينما والكتاب، مؤسّسة «تاناروت» – بنغازي

وهنا، لا تغفل صالح دور مثقفي الأمازيغ، بل تعزو إليهم مهمة جعل اللغة أمرًا مرغوبًا به، من خلال المناشط الثقافية المشتركة، كمعارض الرسم والحفلات الموسيقية وغيرها، فهي وفق قولها وسيلة ناجحة جدًا لتقليل الفجوة وتسهيل تقبل الخطوات الأكثر رسمية.

وتلفت صالح النظر إلى أن الحب والاحترام قادر على حل كلّ المعضلات، إلا أن اللغتين الأمازيغية والعربية ربما لن تكونا خيار الأجيال المقبلة، لأنهما ابتعدتا عن العلم والمعرفة.

ويتفق جزئيًا المخرج عبدالله الغالي (الرحيبات،  35عامًا) مع ما ذهبت إليه ميسون صالح في ما يخص تدريس اللغة.

حيث يرى الغالي أن الحفاظ على اللغات المحلية يكون بتدريسها في المناطق الناطقة بالأمازيغية فقط، على أن تكون لغة رسمية إلى جانب العربية في هذه الأقاليم، لأن قيمة أي لغة تأتي من المنتوج الذي ينتجه متحدثو هذه اللغة من فن وأدب.

وفي هذا السياق يشدّد الغالي على حق الأمازيغ في امتلاك قنوات تلفزيونية ومحطات إذاعية وصحف حكومية وخاصة، وكل ما يمكنهم من إيصال صوتهم إلى المتحدثين، أما تدريسها على مستوى البلاد بكاملها، لا يعتقد أن هذا يصب في خانة الحفاظ على اللغة.

المخرج / عبد الله الغالي «صورة أرشيفيّة»

ويستدرك الغالي بالقول:

“إن تعليم لغتك لمن لا يتحدثها لا يعتبر حفاظًا على اللغة، بل يعتبر نشرًا لها ومواجهة للغة أخرى، في الغالب تريد الحد من انتشارها لأنها تؤثر على لغتك في الحياة اليومية خارج الأقاليم التي تشكل الأقليات اللغوية أغلبية فيها”

“لكن اللغة العربية لا تؤثر على واقع اللغة اليومية في المدن الناطقة بالأمازيغية والتباوية، بدليل أن سكانها يتحدثونها حتى الآن، لذلك نشر اللغة غير الحفاظ عليها، ولا أعتقد أنه من الحكمة أن تدرّس اللغات المحلية بشكل إلزامي لجميع المواطنين، فهذا سيكون من دواعي الفرقة وعدم الاتحاد”

خاتمة

في نهاية المطاف، قد نختلف حول طرق المحافظة على اللغات المحلية في ليبيا، ولكن نتفق جميعًا على أهمية التمسّك بها، وهي الفكرة التي يعززها عالم اللسانيات البروفيسور الأميركي نعوم تشومسكي عندما يقول: «اللغة هي الجوهر البشري»

هل وجدت هذه التقرير مفيدا؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (2)

  1. لا يمكن لاية لغة ان تزدهر إلا إذا كانت وراءها دولة تعتبرها مقوما وركنا أساسيا لهويتها. أما مجهودات المجتمع فتبقى رهينة بأفراد وهيئات قد يخبو حماسهم في لحظة من اللحظات فينتهي أمر اللغة.

  2. دستره الامازيغيه هو الحق الطبيعي لاصحاب الارض ..وبها فقط تنطلق عجله التقدم والازدهار والتسامح في البلاد .وحمايه للهويه