لاستسيون، محطة قطار تليل
محمد التّام يكتب عن محطة قطار تلّيل القديمة - Huna Libya
آثار مهملة وذاكرة تحارب من أجلها article comment count is: 0

” لاستسيون ” محطة قطار تلّيل القديمة؛ بين ذاكرة وركام

على مسافة ليست بالبعيدة من شاطئ بلدة تلّيل الساحلية بمدينة صبراتة، يقع مبنى مهجور ومتهالك، يحمل في طياته بعض المعالم التي أتى الزمان على أغلبها نتيجة للإهمال المتراكم عبر سنوات طوال امتدت من ستينيات القرن الماضي إلى هذا اليوم، هذا المبنى لا يعرفه الجيل الجديد في المنطقة، أما من يعرفه جيداً من كبار السن يعدون على أصابع اليد، هؤلاء الذين ما إن يمروا بقربه حتى تنفض ذاكرتهم غبار السنين وتعود وتقفز للوجود ذكريات “لاستسيون” كما يسمونها أو محطة القطار.

صورة من الأعلى لمحطة قطار تليل
محطة قطار تلّيل من الأعلى، عمارة جميلة متهالكة يتوسطها النخيل

قصة لاستسيون تلّيل:

للقطارات في ليبيا قصة طويلة، إذ تعد الحكومة الإيطالية أول من أنشأ خط السكة الحديدية في ليبيا إبّان فترة الاستعمار الإيطالي لليبيا، فبعد دراسات مستفيضة تم الاتفاق على أن يكون مسار سكة الحديد في ليبيا؛ هو نفس مسار طريق قوافل الملح الذي كان سلعة غالية الثمن وقتها، والذي يتم استخراجه من سبخات زوارة وينقل عبر الدواب في رحلة ساحلية محاذية للبحر إلى طرابلس، حيث يتم شحنه عبر البحر من هناك إلى أوروبا من جانب وإلى “إسطنبول ” من جانب آخر آن ذاك، السبب في اختيار طريق الملح كمسار للسكة الحديدية يعود لقرب هذا المسار من البحر وبعده على مراكز انطلاق قطاع الطرق الذين يتخذون من المناطق الداخلية ملاذاً لهم، بالإضافة إلى سهولة حمايتها منهم، وهذا ما جعل تليل تلك البلدة الساحلية تحظى بوجود محطة قطار بها.

توضيح للدمار اللاحق بالمحطة
المحطة مبنية بالطوب القديم الآيل للهلاك

خط زوارة- طرابلس وبينهما محطة تلّيل:

في عام 1913 أنشئت محطة قطار تليل على غرار غيرها من المحطات في زوارة، الزاوية، جنزور وعين زارة على خط السكة الحديدية؛ الممتد من طرابلس حتى زوارة على مسافة 117 كيلومتراً من قبل مصلحة السكك الحديدية الإيطالية آن ذاك؛ بالتعاون مع الحكومة الألمانية التي كانت الحليف الاستراتيجي القوي لإيطاليا.

بعد إنشاء السكة الحديدية، جلبت مصلحة السكك الإيطالية ثلاث قطارات تم تصنيعها في أكبر مصانع القطارات البخارية في الشمال الإيطالي وهي “آر-401 “، “آر-301″ و”آر-302” الأشهر بين كل القطارات والأكثر نجاحاً، والذي يتمز بسرعته وقوته العالية وعربات شحن البضائع والركّاب الكثيرة.

على ذات السكة أيضا سارت “لاتورينا” وهي اسم لعلامة تجارية لشركة (فيات) الإيطالية، أشبه بالحافلات التي نعرفها اليوم ولكنها تسير على السكة الحديدية، وكانت الأكثر استخداماً للتنقل بين المدن، حيث تميزت بالراحة مقارنة بالقطار، وكان لمحطة تليل موعد يومي معها حيث تجلب القادمين للمنطقة وتنقل أهلها للتسوق والشراء من الأسواق الكبيرة في المدن.

مدخل المحطة المتهالك
كم من إنسان توقف في انتظار قطاره هنا؟

محطة قطار الذاكرة:

ذاكرة الكبار هنا لازالت خصبة ومليئة بالحكايا عن ترحالهم ومغامراتهم والتي كانت هذه المحطة جزءًا منها. تحكي التومية العجيلي كيف استقلت “لاتورينا” لأول مرة في حياتها، صحبة زوجها المرحوم عبد الله وطفليها فاطمة وعلي أثناء عودتهم من تونس في أربعينيات القرن الماضي من محطة السكة الحديدية في زوارة، وكيف نزلوا في محطة تليل حيث الأهل والأحباب وقد ذهلها الزمن القصير الذي استغرقته الرحلة للوصول.

الحاج مصباح تحدث أيضاً عن ركوبه للقطار واستيقاظه الباكر ليكون في المحطة حتى لا تفوته الرحلة ذاهبا إلى العاصمة، أما الحاج نصر فتحدث عن عشقه للسفر والتنقل عبر ربوع البلاد بواسطة  “لاتورينا” التي يعتبرها من أفضل وسائل التنقل آن ذاك، تحدث أيضا عن أسلوبه المذهل في إخفاء بندقيته التي لا تفارقه أبداً، خصوصا وأنه يتنقل في مناطق كثيرة وقطاع الطرق في كل مكان، ولكن سطوة البوليس الإيطالي كانت تجرّم حمل السلاح وقتها؛ فما كان منه إلا أن يصطف في طابور الصعود في محطة تليل حاملاً في يده بطيخة طويلة “دلاع الصاروخ ” وقد قص منها قطعة طولية بسكينه ووضع بندقيته داخلها حتى لا ينتبه له مسؤول الأمن في المحطة.

الحاج ضو تحدث عن طفولته هناك وكيف كان يرى العمال ينقلون محصول العنب من “حوازة الرومية” التي لا تبعد إلا خطوات قليلة عن المحطة ويملؤون بها عربات القطار المتوقف هناك ليتم نقله وشحنه إلى إيطاليا لصناعة النبيذ.

ممر داخل المحطة
مشهد يبدو كأنه داخل فلم سينمائي لممر بالمحطة

التحولات التاريخية للمحطة:

ظلت حركة النقل في لاستسيون عامرة حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية، كانت الحرب على أشدها بين المعسكر الألماني والإيطالي الحليفين ضد الجيش البريطاني على تراب ليبيا، استخدم فيها الحليفان سلاح الطيران ضد عدوهما، الأمر الذي كان له دور كبير في تدمير خطوط السكة الحديدية.

لكن تم استئناف العمل بالسكك الحديدية وصيانتها أثناء فترة الإدارة العسكرية البريطانية في طرابلس وبرقة بعد ذلك، واستمر العمل بها لسنوات عديدة إلى أن بدأ الاهتمام بتلك الخطوط يخبو تدريجيا، إذ قل استخدامها بعد تحسين الطرق المعبدة واستعمال سيارات النقل المختلفة محلها.

مشهد آخر للمحطة
مشهد آخر لركام المحطة

كانت محطة القطار في تلّيل كما حدثنا المهتم بشأن التاريخ الحديث عصام كرير ضمن المحطات الصغيرة التي حظيت بتوسعة شاملة وإضافة محطة جديدة بالقرب من المحطة السابقة، بحيث تتسع لعدد أكبر من الركاب والبضائع، وخاصةٍ بوجود أعدادٍ كبيرةٍ من المستوطنين الإيطاليين بالمنطقة والذين يمتهنون الزراعة وذلك لنقل منتجاتهم من صبراتة إلى ميناء طرابلس لغرض شحنها إلى إيطاليا.

كان الزيتون والعنب وبذور الخروع والتبغ من أهم الصادرات حينها، واستمرت المحطة في العمل طول عقديْ الأربعينيات والخمسينيات إلى منتصف الستينيات، حيث توقفت حركة القطارات في البلاد وتم تصفية أغلب أملاك المستوطنين الإيطاليين لصالح المملكة الليبية، لتتوقف المحطة بدورها عن العمل.

أهملت المحطة وتركت للبوم والحمام ليبني فيها أعشاشه، للرياح وعوامل الزمن لتأكل معالمها ليلة بعد ليلة حتى غدت خراباً لا يكمن من خلاله التبصر بأن حياةً اقتصاديةً مزدهرةً كانت هنا، وأنّ حكايا ولدت في زوايا هذا الهشيم وعاشت مع أصحابها بحلوها ومرها، جميلها وقبيحها، وما تبقى منها إلا ما تحويه ذاكرتهم.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً