وفرة المياه وندرتها
article comment count is: 0

ندرة المياه مقابل وفرتها: لأي مدى تتوفر لنا المياه في ليبيا؟

ندرة المياه تشكل أكبر تهديد لدول شمال أفريقيا والشرق الأوسط. كانت هذه إجابة مجموعة من قادة المنطقة عندما سُئِلوا عن أي المخاطر العالمية التي تعتبر المنطقة أقل استعداداً لها، كان ذلك في عام 2015 ضمن الملتقى الاقتصادي العالمي.

قد تفوق أهمية وفرة المياه عن الاستقرار السياسي، تعتمد الكثير من هذه الدول ومن بينهم ليبيا على موارد المياه من أحواض المياه الجوفية، وهي تعتبر سياسة غير مستدامة نتيجة محدودية الكميات مقارنة بالنمو الاقتصادي وتزايد التعداد السكاني.

أحواض تخزين مياه

  • ذهب القرن الواحد والعشرين:

“منطقتنا عبارة عن غربال، حفر الأبيار في كل مكان، لو جاءنا زلزال ممكن تنهار بينا الأرض”. هذا ما حدثتني به إحدى السيدات في منطقة سكني بطرابلس، وإن كان أمر الزلزال غير دقيق، غير أنّ كثرة الاعتماد على المياه الجوفية ببلد النهر الصناعي (العظيم) صار أمراً معتاداً؛ من أساسيات بناء أي منزل ليبيّ اليوم هو حفر بئر مياه جوفية.

حيث أسكن لم تعد تصل لنا مياه النهر الصناعي، وقد سمعت سابقاً ضمن ذكريات الزمن الجميل عن أنابيب مياه “البلدية” التي توجد في كل منزل وتفتح وتغلق وفق مواعيد ثابتة. غير أنّ مياه البلدية صارت أسطورة أخرى.

أودية المياه

في مطلع الستينات أثناء التنقيب عن الذهب الأسود بالجنوب الليبيّ وُجد ما سيكون لاحقاً ذهب القرن الواحد والعشرين: الماء. وبينما يدخل النفط الليبيّ ضمن دوائر النزاعات المسلّحة بالبلاد، يُرجح أن تكون ندرة مصادر المياه هي إحدى أسباب النزاعات الدولية خلال هذا القرن؛ نظراً لشُح المياه في العديد من دول العالم التي يضع التغيّر المناخي تحدّياً إضافياً لها مع ارتفاع الطلب على المياه بزيادة معدّلات النمو السكّاني.

تقع ليبيا ضمن الدول التي تعاني فقر المياه الحاد، حيث يقدّر نصيب الفرد في ليبيا بحوالي 120 متر مكعب في السنة؛ في حين أن حد الفقر العالمي يقدّر بألف متر مكعب في السنة لكل فرد. وهو ما يعني شح الكميّات المياه المتاحة لليبيين.

أمر قد يكون غريب في بلد به أكبر منظومة نهر صناعيّ في العالم، ويقع على ساحل بحر بطول حوالي 1900 كيلو متر، غير أنّ المشكلة في ليبيا تكمن في الاعتماد على مصادر مياه غير مستدامة، بما يضعها في تحدي ندرة المياه.

سد مياه

  • محدودية رغم التنوّع:

هل تقتصر موارد المياه في ليبيا على الآبار الجوفية؟ حول العالم توجد مصادر متنوعة للمياه، وتملك ليبيا تنوّعاً منها؛ فمن بين المصادر الطبيعية تعتمد  الدولة على المياه الجوفية  بنسبة 95%، بينما تتوفر أيضاً المياه السطحية المتمثلة في مياه الأمطار المجمّعة في الأودية والسدود.

يوجد حوالي 18 سد لتجميع المياه تقدر سعته بستين مليون متر مكعب في السنة، بالإضافة إلى مياه الينابيع الطبيعية. أما بالنسبة للمصادر غير التقليدية، فتوجد حوالي 30 محطة تحلية مياه بحر على الساحل الليبي، ويقدّر أن 8 منها فقط قيد العمل. كما توجد 14 محطة تحلية لمياه الصرف الصحي التي تم تصميمها لاستعمالات زراعية.

وعلى الرغم من تنوّع مصادر المياه المتاحة، لا زال الليبيون يعتمدون بشكل كبير على المياه الجوفية في الاستعمالات المنزلية، وهو ما يؤدي تدريجياً لاستنزافها، خاصة في المدن الأكثر كثافة سكانية مثل طرابلس وبنغازي.

إذ يقدر انخفاض منسوب المياه الجوفية بحوالي 3 متر في السنة؛ يؤدي لانخفاض جودة المياه نتيجة لتداخل مياه البحر بالمياه الجوفية مع ارتفاع سحبها، وارتفاع نسبة ملوحة مياه الآبار.

في دراسة حول الزراعة المروّية لكلية الزراعة نشرت هذا العام بالمجلة الليبية للعلوم الزراعية، أظهرت نتائج تحليل عينات من 90 بئر في شمال غرب البلاد إلى تعرّض المياه الجوفية لاستنزاف حاد، وتداخلها بمياه البحر بما أدى لتدهور جودة المياه وارتفاع ملوحة التربة.

  • بدائل لا حلول:

نوّهت بلدية طرابلس عام 2019 بتلوث مياه الآبار المنزلية بمياه الصرف الصحي، نتيجة وجود مؤشرات للتلوث ضمن التحاليل المحلية. يأتي هذا التلوث نتيجة الحفر العشوائي لآبار المياه والآبار السوداء للتخلص من مياه الصرف الصحي، وتؤدي لاختلاط المياه الملوثة بالمياه المنزلية.

غير أنّه وفي غياب خدمات وصول المياه، لا يجد السكان من حلول للمياه ويقتصرون على البدائل المتاحة التي يتحملون تكاليفها. يكلفّ تركيب جهاز تحلية مياه في طرابلس -على سبيل المثال- حوالي 400 دينار ليبي للحصول على مياه منزلية نظيفة وعذبة.

أما بالنسبة لمياه الشرب فتكلّف وفق تقديرات المستخدمين ما يقارب 100 دينار ليبي شهرياً، بينما تكلّف مياه التعبئة الأقل سعراً ضريبة أخرى من حيث احتمالية حملها لتلوّث ميكروبي نتيجة عدم كفاءة عمليات التطهير والتنظيف.

من البدائل التي بدأت تندثر في مصادر المياه للسكان هي مياه الأمطار؛ إذ كان من أساسيات المنزل الليبي القديم وجود “الماجن” وهو حوض تجميع مياه الأمطار الموسمية، التي قد تخزن لأشهر للاستخدام المنزلي. يشير المدوّن علي الطويل إلى أن أسرته لا تزال تعتمد على مياه الماجن؛ إذ يقول أنّ “مياه الأمطار حلوة ويتم استعمالها للشرب والطبح فقط، وأي استعمال آخر زي الغسيل يعتبر تبذير لها”.

تعتمد عائلة الطويل على مياه الآبار ببقية الاستعمالات وذلك بسبب قلة معدلات هطول الأمطار. بالنسبة للطويل، فعيوب الماجن قليلة وميزتها مجانية وغير مكلفة “ما تكلف شي غير تنظيف الخزان كل كم سنة لإزالة الرمال المتجمعة معاها”.

تحرص عائلة الطويل على تحليل مياه الماجن كل سنة للتأكد من موافقتها للمواصفات المحليّة.

ندرة المياه في ليبيا
من أين يأتي الماء؟ حلول بديلة ومكلفة
  • هل نشرب من مياه البحر؟

توجد العديد من البدائل والحلول المتاحة لندرة المياه نتيجة للتنوع الطبيعي في ليبيا لمصادرها وتطوّر تكنولوجيا استخراج المياه؛ إذ يمكن اليوم الحصول على المياه من الهواء والبحر ومن قمم الجبال، كما يمكن أن تسمح تقنيات معالجة المياه باستخراج مياه صالحة للشرب وفقاً للمواصفات العالمية من مياه الصرف الصحي.

لليبيا تجربة مع تحلية مياه البحر لم تحظى بالاهتمام الكافي، حيث بلغ إنتاج المياه العذبة من محطات تحلية مياه البحر عام 2010 ما يقارب 17 مليون متر مكعب، ومع زيادة انقطاعات المياه وارتفاع الأسعار هل يقف الليبيون مكتوفي الأيدي أمام أزمة أخرى أم يشربون من مياه البحر؟!

 

 

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً