article comment count is: 0

سالم أبوظهير يكتب: لهذه الأسباب لابد أن يتصالح الليبيون

بعد أن صفعته الشرطية فادية حمدي يوم السابع عشر من ديسمبر  2010، صارخة في وجهه (ارحل)، قرر محمد البوعزيزي الرحيل. وفي مشهد درامي مؤثر يشعل النار في نفسه ويموت لتبقى ناره حية ولم يتم إخمادها حتى الآن. وقودها هذه اللعينة المستعرة كلمة (ارحل) ، ولتستمر في حرق الأخضر واليابس وتودي بحياة الآلاف من البشر، وتشرد آلافاً آخرين. واندلع حريق تونس الكبير ليطال رئيسها ورؤوس رؤساء دول طغاة قريبة منها وبعيدة عنها، ولتتحول بسببه بلاد مثل ليبيا إلى رماد!

نار الربيع العربي التي شبت، قتلت القذافي وأسقطت نظامه (1969-2011)، ووجدت ليبيا نفسها بعد موته أو قبل موته بقليل وربما بسبب موته أيضا، في حرب أهلية طاحنة لاتزال تشتعل. وأجبر المواطن الليبي رغما عنه أو برضاه ليكون طرفا في صراع لم يعهده ولم يحدث منذ قرون عديدة ،صراع يعد الأكثر تعقيدا في شمال أفريقيا والشرق الأوسط كله. تسونامي حريق الحرب الأهلية الذي ضرب ليبيا وانتشر بسرعة كبيرة في شرقها وغربها وشمالها وجنوبها، واتضحت معالمه وارتفع عدد ضحاياه بشكل مخيف بعد أن قرر أعضاء المؤتمر الوطني العام في طرابلس، و أعضاء مجلس النواب في طبرق اللجوء إلى السلاح لحل مشكلة سياسية، وبارك قرارهما طرف تالث من صالحه أن تأكل النار كل ليبيا، ولا تصل إليهم أطراف خارجية يعرفها كل ليبي ويعرف جيداً أنها ترسل المال والمرتزقة والسلاح لتضمن استمرار الحريق.

ليبيا تقترب بسرعة من حالة الفشل، فمعالم الدولة تكاد تختفي. لا أحد يعرف بالضبط كم عدد الرجال والأطفال والنساء الذين قتلوا خلال فترة ما بين فبراير 2011 وأغسطس 2015، كما أنه لا أحد يعرف كم حجم الخسائر المادية التي حصلت بسبب الحريق العربي، ولكن ما يعرفه الليبيون أن معدلات جرائم القتل والخطف والاستيلاء بالقوة على الممتلكات الخاصة، في ازدياد. ويعرف الليبيون أيضا أن ما حصل في ليبيا يشبه تماماً ما يحصل عند سقوط قطعة دومينو.

بعد سقوط نظام القذافي، وجدت الحكومات المتعاقبة نفسها في حالة من التبعية المقيتة لحكومات واستخبارات دول أخرى معظمها أقل شأنا ورفعة من ليبيا الكبيرة تاريخا وحضارة، ولكنها لازالت تتدخل في شؤونها الداخلية والخارجية.

سبب تأخر الليبيين في بناء دولتهم كما حلموا بها هو (المؤامرة من الخارج) ولم يكن لهذا الخارجي أن ينجح إلا بوجود ومساندة بئية (فاسدة) في الداخل أساءت استعمال السلطة، وقررت الصراع وقتل الآخرين من أجل الوصول إليها وفتحت الباب واسعاً أمام التدخل الأجنبي. هذه البيئة السياسية الفاسدة هي التي أنبتت وسقت ورعت بذرة التطرف بأشكاله المتعددة ليؤجج هذا التطرف التسونامي الليبي، وليطيل حالة عدم الاستقرار المؤسسي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي في ليبيا. كل هذا حدث ويحدث في غياب مقصود وممنهج للدعم الكافي من المجتمع الدولي ومؤسساته التي أشعلت النار في المنطقة تحت ستار شعارات الديمقراطية وحقوق الانسان والمجتمع المدني.

بناء على كل ما سبق، وبشكل مختصر جداً، لن يكون هناك طرف منتصر في هذة الحرب القذرة المستمرة حتى وإن وضعت أوزارها، فالرابح فيها هو الخاسر الأكبر ولا حل أمامنا كلنا كليبيين دون تمييز من أي نوع إلا أن نقرر الخروج من هذا النفق المظلم وتركه وراءنا، عن طريق إنجاح عمليات المصالحة الشاملة، والجلوس معا نادمين ومتفائلين ببقية يوم أفضل وغد أكثر إشراقا لابنائنا من بعدنا.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية