article comment count is: 0

نجوى بن شتوان تكتب: ليبيا: وثيقة عهد ومبايعة للمليشيات

قبل قليل، أقل من دقيقة تحديداً، كنت كسائر الراشدين، أرفض وجود الميلشيات وأرفض حكومة تمثلها في ليبيا. كنت قبل أقل من دقيقة مثلكم، مع الشرعية الوحيدة للشعب، المتمثلة في البرلمان المنتهية فائدته ومدته وصلاحيته، وأطالب بما يطالب به، على ضعفه وقلة حيلته وهوانه على المجتمع الدولي وعلى جزء من الليبيين. 

بكلمات أخرى، كنت مثلكم، لا حول ولا قوة لي، أقبل بالهم ولا أجد هماً يقبل بي، وأجد عزائي في الأدعية والأذكار،  وشيء من أغاني العلم، التي تحض على الصبر والتحمل والثقة في الله، علني أجد أخيراً، الخير الذي تفاءلت به أربعين عاماً.

كنت مثلكم أحمل السلم بالعرض، معتقدة أن الميليشيا ليست هي من تحمل سلاحاً فقط، بل من تحمل أفكاراً تؤذي أكثر مما يفعل السلاح ، وأن أي تكتل مصلحي يرتكز على أنانيته وفرديته هو ميليشيا غير مسلحة في الحقيقة، الشللية في العمل، اللوبي في الدوائر الرسمية، القبلية، الجهوية، التمركز حول علاقات الدم ومحاربة المختلف.. وأن الميليشيا والمافيا في الأصل من عائلة واحدة، المليشيا قد يكون شخصاً بمفرده، يستطيع ما لا يستطيعه أفراد من السوء، أو الجماعة من الناس التي تعلو لديها المصلحة على  القيم، و في الخلاصة  الكيان الذي يكونه أولئك الأفراد والجماعات، له جذور في الماضي يطلق عليها، قوم فلان وعلان، وفي الحاضر يطلق عليها دولة الظلم .

ببساطة شديدة كنت مثلكم قبل أن يخبطني جن التبدل، فيغيرني بمعدل إنسان آخر، نقيض الإنسان الأول، والله لا طمعاً في منصب ولا مال ، فأنا أدرك جيداً أن أولاد الحلال لم يتركوا منصباً شاغراً  ولا مالا، إضافة إلى أن مؤهلاتي لم تؤهلني رغم تفوقي الدراسي لشيء، عدا الكحة في الصف، بصوت تسمعه جميع الصفوف الأخرى، والتي تطورت بعد تخرجي إلى سعال ديكي، لله المنة والفضل.

اعتذر، كان بودي أن يعرب لكم صدري المليء بالديوك اليوم، عما حمله للميلشيات من كره مطعم بالبلغم الأصلي، وهو يختنق محاولاً تزويدي بالأوكسجين، أثناء إضرامها النيران في مطار طرابلس، مستندة على كونه مجرد براكه،  وفي خزانات الوقود بالسدرة، مستنده على قرارالمؤتمر الوطني، و في قلوب الليبيات مستندة على الآية القرأنية الكريمة  (اهبطوا بعضكم لبعض عدو).

كنت أريد من هذا الصدر المليء بالسعال والديوك، أن يعبر لكم بلغمه عن مدى كرهي، لكل من يكره ليبيا ويرى فيها غنيمة أو إرث عائلي، لكن ما العمل وقد غيرت رأيي قبل أقل من دقيقة، وذهب كل ذلك الرفض والكره أدراج العجاج، وبقي فقط البلغم في حلقي وليبيا الغنيمة والميراث الخاص للاخرين .

لعل في ذلك كله خير، ما يدريني؟ من باب عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، بعد أن جربت لأربع سنوات انتظار أن يأتي الخير الذي لا أكرهه، ولم يأتِ، كعادة  أي انتظار!

على بركة الله، أبانا الذي في السموات، أقول إنني مع أن تحكم الميلشيات ليبيا، وحبذا أن تحكم حتى ما جاورها إن أمكنها ذلك، وأن تحكم العالم كله لمزيد من التشويق، فأنا لا أكره تمددها أو التمديد لها، كما كنت في مراهقتي معكم قبل أقل من دقيقه، و أساس مبايعتي لها اليوم، أن ليبيا التي تقرأ من الجهتين، لم تتوقف عن الانشطارات الثنائية، بدءاً من اسمها، حتى شطرتني مثلها أخيراً، فأصبحت مني اثنتين، أنا وأنا الأخرى التي تناقضني .

حكومتان، برلمانان، سفارتان وسفيران وجاليتان في إيطاليا. سفارتان وسفيران وجاليات في مصر. مرتبان لكل شخص وهلم جرا، فلم لا يكون مني أنا اثنتان؟

واحدة تؤيد برلمان الغرب والحكومة المنبثقة عنه، والأخرى تؤيد برلمان الشرق والحكومة المنبثقة عنه، واحدة تؤيد جرافات مصراته المرسلة لهداية بنغازي إلى الإسلام، والأخرى تندد بحملة إبرها في ساحة الكيش، وتتحمل ما يسقط على رأسها من قذائف الهاون وأشلاء الضحايا.

تزداد صلاحيتي الانشطارية  لذلك الموقف دون سعال، كلما ثبت لبنغازي أنني مواطنة تنتمي جذورها لمصراته الصمود، وكلما ثبت لمصراته أنني مواطنة تنتمي بحياتها لبنغازي الاغتيالات والتفجيرات!

وعليه فأنا مني اثنتان، صمود واغتيالات، إحداهما تؤيد حوار الصخيرات، وإحداهما ترفض مخرجاته وتتهم ليون الإسباني بالتواطؤ مع الميلشيات.

ونظراً لما يمليه الواقع، من رجاحة كفة الميلشيات على الأرض وصمود حكومتها غير الشرعية، ودهائهم ومراوغتهم، في خداع واستمالة المجتمع الدولي، وقلب ظهر المجن في أي حادثة لصالحهم، فإنني أريد أن أكون مع الواقف الواثق، لا مع المنحني العاجز، وأنصح أخوتي الليبيين بترك العناد الذي تميزوا به جانباً، وأن ينقسموا حالاً على أنفسهم إلى اثنين، وأن يسارعوا إلى (تقلفيط) أمورهم ويعيدوا حساباتهم بطريقة ميكافيلية – برغماتية- ميكانيكية (هذه الأخيرة تقدمتنا نحن إلى العالم لتميز ثورتنا بكثرة فروع الميكانيكا)، وذلك بغية أن يحسموا أمرهم الذي (قلفطوه) بين ثعلب استطاع (برم) المجتمع الدولي لصالحه، وبين ضعيف واهن لم يستطع أن يأتي لهم بحق أو يدفع عنهم باطل، أو حتى يحسم مشكلة سفارة تابعة له، في بلد يؤيده، وبين سفيرين كلاهما من قبيلتين تؤيدانه وتريا فيه برلمان ابن الأكارم، لا برلمان ابن زبيبة.

ولحقيقة عدم وجود فارق في السرقات والسفارات  والتصريحات والوساطات وأنواع الميلشيات، ما بين برلمان الشرق المنتهية صلاحيته وبرلمان الغرب المنتهية  عقليته، وتشابههما في الأخطاء وإدارة الأمور بنفس الروح المعوجة المعاندة، اخترت بنصف قواي العقلية، أن يحكمني داهية ماكر، على أن يحكمني غبي ساذج، وقد أكد الواقع في ليبيا أن قوانين تشيبولا للغباء البشري، تتوفر كاملة في القوى المتصارعة على السلطة، وتتجلى وضوحاً بما يجعل من الغباء عدم التمييز بينها، وبالتالي  ترك الأدهى والذهاب إلى الأوهى.

نصت قوانين تشيبولا* على التالي:

1- إذا قاد تأثيرك على الآخر إلى منفعته أو منفعة مجموعة بشرية تتضمنه وإلى خسارتك ، فأنت أبله!

2- إذا قاد إلى منفعتك وخسارتهم فأنت قرصان.

3 -إذا قاد إلى منفعتكم معاً فأنت ذكي.

4 – إذا قاد إلى خسارتكم معاً فأنت غبي.

5- الغبي هو أخطر الشرائح الأربعة وسبب جميع الكوارث في العالم.

ويعد القانون الخامس هو أخطر القوانين، ليس فقط في نظر تشيبولا،  بل في نظري أنا كذلك، منذ أقل من دقيقة غيرت فيها توجهي بالكامل، من برلمان انتهت ولايته، إلى مؤتمر انتهت صلاحيته!

أعي صعوبة المرحلة الأولى في الانتقال من الضد إلى ضده، وما ينجم عنه من زعزعة السلم الداخلي والتوازن النفسي، حين تساوي  في رأسك بمحض اختيارك، ما بين رئيس وزراء كندا الجديد (جاستن ترودو) وبين رؤساء المليشيات لدينا!

إنه مثل أن تزرع كلية شخص أخر فيك ويرفضها جسدك،  لكن يمكن السيطرة على الرفض ببعض المثبطات .

* تشيبولا باحث اقتصادي حائز على جائزة نوبل، صدر له القوانين الجوهرية للغباء البشري عام 1967.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية