article comment count is: 0

نجوى بن شتوان تكتب: ليبيا.. دراجة آل باتشينو وحديد زهاء حديد

دمار بنغازي عمل ميليشياوي، وسرقة خطة (يمنية) لإعمارها عمل ميليشياوي أيضاً، لكنه من النوع الناعم الذي يعتمد على سلاحي النسخ واللصق، ولكي يصبح المرء سياسياً ومليشياوياً وتاجراً في نفس الوقت، أي ناعماً وغير ناعم، بعد أن دربه العمل في التجارة على فنيات قص ولصق متعددة، عليه ألا يرتكب خطأ فادحاً بالإعلان عن أول محاولة سرقة إلكترونية له، وألا يستعجل بالخراء على الحلفاء الطويلة كما ينصح المثل الليبي، فليتريث وليخضع نفسه لشيء من التدريبات والتمرينات، يغدو بعدها مؤهلاً للإفلات من الهفوات القاتلة، لا سيما إذا كان خريج جامعة انجليزية معتبرة، لا ينبغي له تلطيخ سمعتها إلى ذلك الحد الطفولي المستفز من رعونة الغش، و خير له من تجريح الجامعة أن يعرض نشاطاته في النسخ واللصق على ذويه و يطلب تقييمهم ومراجعتهم لها، فالله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، وما بالك لو كان العمل، أن تهدم مدينتك بإصرار واقتدار مدينة أخرى في وطنك وتهشم عظامها، ثم تأتي أنت على بساط الريح كصفعة القبلي في مساء عليل، وتقدم لها رزمة من ارشادات البناء المسروقة.

يحتاج الأمر من رجال تلك أعمالهم، إلى الكثير من الترقيع والاقرار بالذنب وجبر الضرر وطلب العفو عنه. لا اعطاء المشنوق كيساً من الحلوى، وليأت القص واللصق بعد ذلك الهوينى، حتى يشمل في مقاولاته تاورغاء رحمها الله، فيمنحها هي الأخرى خطة اعمار، قد يصادف أن تكون هي ذاتها خطة اعمار روتردام بعد الحرب العالمية الثانية، لو قدر الله لها نساخاً ماهراً أفضل من ذاك الذي منيت به بنغازي المثخنة  بسوء الحظ حتى في اللصوص.

رحم الله زهاء حديد المعمارية الفذة، التي قدمت لإعمار العراق دعوةً للحكومة العراقية( ادعوني وأنا أبني العراق) فلم تدعـها الحكومة ولم تدعَها، وبالطبع كانت حديد واثقة من نفسها جداً، بحيث لم تكلفها خطة بناء العراق، الذهاب إلى محرك جوجل والبحث فيه عن خطة إعمار مدينة أبين اليمنية ثم نسخها ولصقها باسم العراق مدينةً مدينة، وقريةً قرية حسبها أنها حديد، التي يشهد لها بنيانها في كل مكان، وإذا قالت فعلت.

للبناء أناسه وللهدم أناسه أيضاً، وقد كانت حديد سيدة عملاقة فعلاً، منعها لصوص العراق من أن ينعم العراق بملكاتها، وهو عكس ما حدث لنا في ليبيا، حيث يقوم اللصوص أنفسهم بالهدم لتقديم عروض البناء.

وهذه ملكةٌ أيضاً ميزت الليبيين!

لندع البناء لأناسه ونتحدث حديث أناس السرقة، وهنا أود اشراككم متعة أجمل ما قرأت من قصص السرقة، الأولى قصة النجم السينمائي( آلباتشينو )الذي دعا الله في طفولته أن يهبه دراجة ثم بعد وقت طويل من الانتظار رأى أن الأمور لا يمكن لها أن تسير على ذلك النحو، فذهب وسرق الدراجة وطلب من الله المغفرة، ويبدو أن الله كافأه بأكثر مما طلب، فصار نجماً عالمياً!

غير آل باتشينو استراتيجيته في الحياة بناءً على رخصة منحها الله لنفسه وهي الغفران، فلماذا لا يرتكب الخطأ ثم يذهب ويطلب الصفح عنه؟  وهل يمكن منطقياً الحصول على المغفرة دون نية ارتكاب الأخطاء، ودون حتى طلب الغفران ممن كانوا ضحية لذلك الخطأ ؟ ما هو دور المجني عليهم في آلية الغفران الإلهي إذا خالفت إرادتهم إرادة الله، ولم يرغبوا أن يصفحوا أو يغفروا، هل يتجاوزهم الله ويغفر من لدنه دون أخذ إرادتهم في الحسبان ؟

يبدو أن المسؤول الليبي على اختلافه، يعمل وفق ألية سرقة الدراجة، يستعجل السرقة كما يستعجل المزاحمة للذهاب إلى الحج ورجم الشيطان الذي لم يسرق الدراجة، على مدى ثلاثة أيام، ثم يعود كما ولدته أمه، نظيفاً من الخطايا، رغم امتلأ حساباته في الخارج بالأموال المنهوبة، ودون أن يفكر في الآخر، صاحب الدراجة المسروقة، هل غفر له أم لا؟

القصة الثانية كتبها(إيتالو كالفينو) عنوانها الخروف الأسود، وهي قصة رائعة جداً لدرجة أنني أعيد قراءتها مرات ومرات على  نفسي،  كلما داهمني الحنين لليبيا وحاصرني في زاوية الكوخ الذي أسكنه وأوشك أن يُسقط الكوخ عليَّ، وأوشك الكوخ أن يسقط ما حوله من أكواخ.

إن فيها دواء ملجم للسقوط في فخ الأشواق، يشبه مفعوله مفعول سيخ خصي الخنازير، ما أن تقرأها حتى تتبخر الأشواق ويحل محلها تذكر المرارات.

هذا ببساطة للمغتربين.

تدور القصة حول بلدة جميع من فيها لصوص، يذهبون مع حلول المساء لسرقة بعضهم البعض، ثم يعودون إلى بيوتهم وما من خاسر بينهم أو فقير أو غني، هكذا عاشوا مع بعضهم في هناء وعدالة،  فالحكومة عبارة عن منظمة اجرامية تختلس أموال رعاياها والشعب عبارة عن أناس منشغلين بالاحتيال على الحكومة لسلب أموالها، ثم يحط بينهم رجل شريف، يغير موازين السرقة في البلدة ومستقبلها، لكنه الوحيد الذي يهلك جوعاً في النهاية، مثل أي إنسان يعتنق مبدأ وسط مجتمع من الحثالات، فيما تستمر الحثالات في تسيير دفة الأمور، وغسل نفسها بأساليب شتى..

قصة رائعة مثل قصة الخروف الأسود، يجب أن يسردها المرء لنفسه قبل النوم على أكثر من جهة، ويطفئ بها ظمأ الاشتياق لأفراد شعبه فرداً فرداً. ما عدا تلك الخراف السوداء التي يقضي عليها الاختلاف باكراً وتنتهي أولاً قبل الأخرين.

بالطبع لن يشتاق إليها، فالحي لا يشتاق لميت !

تناسب القصة من يرومون الوصول إلى المناصب دون حاجة لنظافة اليد والقلب واللسان، حيث تغنيهم عن تقديم أي cv شخصي، فليس ضرورياً أن تذهب أنت بنفسك كي تسرق الأخرين، يمكنك توظيف لص يسرق لك، فيما تتفرغ أنت للصلاة والحج ولاجتماعات الدولة والوجاهة بل حتى لتأمل غروب الشمس عند البحر، وإذا ما زل الموظف اللص وارتكب هفوة في االنسخ والإلصاق، ستكون غلطته لا غلطتك، بوسعك طرده والاتيان بغيره، فالبلدة ما شاء الله مليئة لأنفها بالمقتدرين وأصحاب الخبرات المتنوعة، ممن إذا تثاءبت بجانبهم ينبغي لك أن تحصي أسنانك بعدها على الفور.

البحث عمن تجتمع فيه الموهبة والخبرة، أي خفة اليد في الكائن الذي طالما احتملت ليبيا خفته. إذا ما قررت الاستمرار كلص حكومي شريف، ومتديناً في الوقت نفسه على طريقة آل باتشينو !

حفظ الله دراجتكم من الآخرين، وحفظ دراجات الآخرين منكم. فهو نفسه نفس الحافظ

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية