article comment count is: 3

الشباب والحوار الوطني (2)

حداثة التجربة السياسية والمدنية:

عانى المجتمع الليبي طيلة العقود الماضية – في النظام الملكي ونظام الجماهيرية- غياب التنمية والتنشئة السياسية مع اختلاف العوامل وأدوات القمع بين النظامين، فنظام الجماهيرية كان عنيفاً وإقصائياً ومارس أعماله التعسفية في مطلع السبعينات ضد طلاب الجامعات والمثقفين والشباب بمختلف التوجهات، وكانت بداية التصحر للحياة السياسية بما فيها الاتحادات والنقابات والحركات الوطنية والثقافية، وأصبحت كل هذه الأنشطة جريمة يعاقب عليها القانون وخيانة في حق الثورة والوطن.

غياب الشباب عن المشاركة الفاعلة والعملية الديمقراطية (جامعة طرابلس أنموذجاً):

تعد جامعة طرابلس أكبر بيئة حاضنة للشباب من مختلف التوجهات والمناطق، وهي منارة علمية وثقافية وسياسية ، ومما لا شك فيه أن المجتمع الطلابي  هو الأكثر انفتاحاً وتقدماً، كما يملك القدرة على التغيير والعمل عبر شباب واعي ومناضل يعي بدوره، وتتوفر فيه معايير الكفاءة والفاعلية، وممارسة النشاط عبر النقابات والاتحادات والروابط والمؤسسات المدنية والثقافية داخل الحرم الجامعي، وبما لهم من قدرة على تنظيم التظاهرات والاحتجاجات والحركات السلمية الواعية.

إنّ تجربتي في جامعة طرابلس وفي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية تحديداً كانت مختلفة، وأظهرت لي جوانب أخرى تبين مدى ترهل المنظومة التعليمية والقيمية، وغياب الوعي الوطني بالمشاركة الفاعلة في الديمقراطية، وتعود الأسباب إلى غياب التنمية السياسية والتأهيل والتنشئة السليمة للأفراد؛ وهذا ما نتج عنه ثقافة وطنية مهترئة ومهزوزة ونقص في الكوادر التي تمتلك معاييراً وكفاءة تؤهلها لخوض التجربة، وبالتالي انعدام المنافسة.

غالباً ما تكررت مثل هذه الأحداث، مثال على ذلك انتخابات الاتحاد الفرعي لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية يوم 8 يونيو عام 2014 ، وقد كان مجموع عدد الناخبين 468 من أصل كلية عدد طلابها أكثر من 12.000!  كانت الجامعة في مطلع عام 2012 لا زالت تنبض بروح الثورة والحماس يأخذ شباب؛ فتأسست النقابات والمؤسسات والأندية الثقافية والتوعوية، غير أن هذا الحماس بدأ يقل تدريجياً لغياب المشروع الحقيقي المدني والفكر المؤسسي للعمل، حتى أصبحت المنافسة البسيطة تقل في جامعة طرابلس، والخناق يضيق وتفشي سياسة الإقصاء والاحتكارية وانعكاس الوضع السياسي الليبي كان له دور سلبي واضح على الحركة الطلابية، التي لم تنضج وإنما كانت ترى بصيصاً من الأمل، فأغلقت النوادي وحُجّم دور المؤسسات المدنية داخل الكليات.

كما أن انعدام وعي الاتحادات والنقابات الفرعية بدورها أسهم في تعميق المشكلة، إذ كانت تمارس مهاماً غير مهامها الرئيسية، وكان الموقف ضعيفاً وسلبياً من أي حراك وطني رغم التجارب التاريخية للجامعة في فترة السبعينات، ولا ننكر وجود التجارب المحدودة بعد الثورة وأحداث غرغور عام 2014 خير مثال. نقص الكادر الذي يملك نصيبا من الوعي والمعرفة كان عائقا كبيرا، واتضح لاحقاً عدم قدرتنا على تشكيل تيار وطني قادر على قيادة المرحلة والتأسيس لقاعدة مدنية تكون ركيزة وطنية نضالية تفتح لنا آفاق العمل والتوسع خارج حدود المجتمع الطلابي.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (3)

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية