أثّر غياب دُور السينما على الليبيّ سلبا في تشكيل ذائقته البصرية والفنية، فغاب دورها - Huna Libya
علاقة بُعد وفقد article comment count is: 3

علاقة الليبي بالسينما، وكيف تأثر بتطورها؟ (2)

استكمالا للجزء الأوّل من هذا المقال، نستمرّ في الحديث عن علاقة الليبيّ بالسينما، وتتمّة لما تناولناه في الجزء الأوّل من الحديث عن المتغيّرات المحليّة؛ السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، التي أثّرت على هذه العلاقة.

من سبعينات القرن الماضي وحتى نهاية التسعينات، مثل إغلاق دور السينما، غياب المؤسّسات، ندرة التجارب المحليّة، VHC، انتشار التلفزيون، ومشغلات CD، وبواكير العالم الرقميّ، فإنّنا سنركّز في هذا الجزء الثاني والأخير على التطورات والتغيرات التي حملتها الألفية الجديدة، وحتى يومنا هذا.

صور تطبيقات ومواقع مختلفة لتحميل الأفلام

من مشاهدة المتوفر إلى مشاهدة ما تحبّ

في أواخر العقد الأول من الألفيّة الثالثة، مرورًا بالعقد الثاني، ومع تطوّر وسائل النقل والتكنولوجيا، وتوفر السيديهات بكثرة، بدأت بعض المتاجر الليبية في تكوين مراكز مستقلة لنسخ Burn الأفلام، وهذا كله بطبيعة الحال بشكل غير قانوني.

شراء هذه الأفلام (CDs) أصبح هو الوسيلة الوحيدة لدى الليبيّ كي يتابع ويستمتع بأحدث الأفلام، غير تلك المكرّرة على شاشات التلفزيون والتي شاهدها عشرات المرّات إلى أن حفظها. ومع تزايد الطلب على CDs الأفلام بدأت مراكز نسخ وبيع الأفلام “الدكاكين” في التكاثر والتطور.

“سوق الحديقة” في بنغازي أشهر مثال على هذه المراكز، التي بدأت في استخدام الإنترنت والكمبيوتر من أجل تحميل الأفلام ودمج الترجمة معها، مع تفاوت في جودة الفيلم، حسب موعد صدوره؛ فكلّما مضى على صدوره وقت أطول كلّما أمكن الحصول على الفيلم بجودة أفضل.

ومع كثرة مراكز النسخ والبيع ووفرة سيديهات الأفلام أصبح شراؤها بدل استئجارها هو الخيار الوحيد لمشاهدتها. في البداية، كانت عمليّة اختيار الفيلم نوعا ما عشوائية، تعتمد على توفره أولا، ثمّ على شهرة من فيه وأحيانا على شكل البوستر الخاصّ به.

إذ لم تكن هناك وسيلة لمعرفة جودة الفيلم الفنيّة وتقييمه ومعلومات وافية عنه؛ سوى برامج تلفزيونيّة سينمائيّة معدودة قصيرة، تمكّننا من معرفة أبرز أفلام الساعة، مع محتوى نقديّ بسيط، أو أقسام فنيّة في بعض المجلات المحلية والعربيّة. أمّا على مستوى الشارع فقد ظهر في هذه الفترة، حسّ نقديّ لدى بعض الشباب، جعلَ من ترشيحهم لفيلم ما، ورأيهم فيه؛ سببا في مشاهدته.

صورة لابتوب، وتظهر فيه عملية Downloading

التكنولوجيا واتساع دائرة الاختيار

مع تطوّر التكنولوجيا وتوفّر شبكة الإنترنت، حدثت طفرة Download وبدأ جيل الهارد ديسكز (Hard Disks) في الظهور، مُستفيدًا من عروض وفرص الإنترنت المختلفة، مع تحديث شبكات الاتصالات المحلية.

وتمّ استبدال مراكز البيع “الدكاكين” بأشخاص من أصحاب الشغف بالأفلام ومتابعي المسلسلات ويملكون إنترنت جيّدا بالطبع. هؤلاء أصبحوا المصدر الأساسي لاقتناء فيلم/مسلسل ما، أو حتى الرضا بترشيح منهم لبعض الأعمال الجيّدة.

في هذا الجيل وحتّى اليوم، أصبح المشاهد بدرجة ما، يعرف ما يشاهد، ويُشاهد ما يرغب، وبدأ محبّو الأفلام بمبادلتها عبر الهارد ديسكز بمساحاتها الشاسعة، والتي شكّلت – ولا تزال – الذخيرة الفنيّة السينمائيّة لأغلب شباب اليوم.

هذه النقلة التقنيّة، واكبها نقلة أخرى في عالم القرصنة وازدياد مواقع توفير وتحميل الأفلام، المعروف منها والمشبوه، وبأحجام مختلفة وجودة متباينة حسب خطّ ورصيد الإنترنت المتوفر لديك. ومع هذا، لم يكن التحميل من هذه المواقع سهلا، مع كثرة الروابط والإحالات واقتحامات إعلانات Pop Up المستفزّة وغيرها من العراقيل.

لذلك، شكّل ظهور مواقع التحميل المباشر وجيل التورنت قفزة نوعيّة في عمليّات تحميل الأفلام. بشكل وفر الوقت والمجهود والمال.

هناك ملاحظتان أساسيّتان، بعد توفّر مواقع ومنتديات الأفلام والمسلسلات والتحسّن النّسبيّ من جودة الإنترنت في تلك الفترة:

  • توفّر الأفلام والمسلسلات بشكل كبير، على الإنترنت، استوجب ظهور مترجمين لهذه الأفلام باللغة العربيّة. بعضهم محترف وبعضهم هاوٍ، وفيهم هواة طوّروا من أنفسهم مع مرور الوقت. واشتهر في هذه الفترة جيش من المترجمين، تخصّص كلٌّ منهم فيما بعد في مسلسل معيّن أو نوعية معيّنة من الأفلام. ظهرت تجارب معدودة من بعض الشّباب الليبيّين في عالم ترجمة الأفلام. الجدير بالذّكر أنّ كلّ ذلك كان مجّانيّا.
  • فتحت هذه المواقع بوّابة جديدة لعشّاق الأفلام والمسلسلات إلى أفلام ومسلسلات أخرى غير الأمريكيّة، لعلّ أبرزها الأنمي، والذي يملك قاعدة متابعين له في ليبيا. منذ ظهوره.

صورة رجل يحمل تاب وتظهر منه أيقونات تطبيقات وقوالب مختلفة

المشاهدة أونلاين: العالم بين يديك

نحن الآن في زمن المشاهدة المباشرة (أونلاين)، وبإمكانات إنترنت عالية، لنشهد ظهور منصات عرض أفلام ومسلسلات أونلاين مميّزة من بينها شبكة Netflix وهي منصّة غير مجّانية، لكنها سهلة الاشتراك، ضخمة الأرشيف، متجدّدة العروض، وتملك خوارزمية عرض لا تتطلب شبكة إنترنت سريعة.

ففي يومنا هذا، يصل المشاهد الليبيّ المهتم بالسينما، الشغوف بمتابعة كلاسيكيّات الأفلام وأحدثها، إلى مفاتيح تخفّف عليه بعض الشيء ألم فقدان التجربة السينمائيّة، المفقودة في البلاد منذ عقود طويلة، من غير دور عرض أو نوادٍ مستقلة لديها إمكانات عرض بمعايير سينمائية.

وعلى الرغم من ذلك، ومع قلّة وجود مشاهدين سينمائيّين فعّالين؛ حدث ظهور لامع لكثير من الشباب المحبّ للأفلام، فبدأ بعضهم يدوّن حول أفلامه المفضّلة، وأنشئت مجموعات على منصّات التواصل الاجتماعيّ، تعنى بتبادل الآراء والتوصيات، مع اجتهادات كثيرة أخرى.

قاعة سينما فارغة، وشاشة عرض مطفأة

غياب السينما والذائقة المجروحة

أثّر غياب دُور السينما على الليبيّ سلبا في تشكيل ذائقته البصرية والفنية، وغاب إثر ذلك الدور الثقافي الذي تحدثه السينما عند المهتمّين وغير المهتمين، فافتقدنا وجود أرشيف نقديّ أو نقّاد ليبين على الساحة العربية والعالمية، عدا القليل.

هذا الغياب النقديّ، قد يكون سببه عدم قدرة المهتمّين الليبيّين على مواكبة عجلة الإنتاج السينمائي، بسبب انتظارهم مواعيد صدور الأفلام لا مشاهدتها في دور العرض فور صدورها.

تتشكّل الصناعة السينمائية والرؤية النقدية بشكل كبير بالمشاهدة، بذخيرة هائلة منها، لذلك نرى في كثير من المحاولات الإنتاجية الليبية غيابا لمعايير الأفلام، سواء من خلال الصورة أو إمكانيات السرد أو باستخدام موسيقى غير أصلية، هذا في شأن الإخراج الذي تفوّق فيه بعض صناع الأفلام الليبيّين – من وجهة نظري – بالوثائقي أكثر منه في الروائي.

في أوروبا على سبيل المثال، كان لظهور الأفلام المستقلّة من هُواة وعشّاق الأفلام، تغييرا في مفهوم السينما نفسه، بأعمال فنيّة متمرّدة على السائد في الإنتاجات الضخمة الأخرى.

لذا، وجود دور عرض سينمائية في ليبيا ستساهم في لفت الانتباه إلى الهواة، وستظهر معها مهرجانات محلية مختلفة قد تحضن معها الشريحة الأكثر إهمالًا، والتي إذ اُعتمد عليها، لكانت لدينا العديد من القصص المؤثرة، وانتقدنا بأدواتنا البصرية ما يستفزّنا من حالات اجتماعية وسياسية.

كاميرا حديثة، فوق طاولة

خاتمة

تُختزل تجربة الليبيّ وعلاقته بالسينما في مشوار بدأ مثاليًا، ثم بهُت، وتعرّض لهجوم شديد. واختفى معها هذا الفنّ وصنّاعه، إلى أن أعادت التكنولوجيا وتطورّها الفرصة للجيل الحالي ليبني علاقته مجددًا بها. ورغم إمكانيّة مشاهدة هذا الجيل ما يرغب، إلا أنّ هناك أملا في استرجاع السينما وإضافة حلقة أخرى مهمّة في علاقته بها.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (3)

  1. اقترح ان يكون بعض مسلسلات الدراما مادة سايكلوجية للتمرين والمونتاج والإنتاج الدرامي في الدراما العربية عموما وخاصة مسلسل الموج الأزرق الأردني ومسلسل ام الكروم الأردني وتوام روحي الأردني والعسل المر الأردني وبقايا رماد الأردني وقرية بلاسقوف الأردني والمسلسل الكوميدي عصفورية بالإضافة الى مسلسل دراجنوف الليبي

  2. اتمنى أن يتم قرائة هذا المقال من قبل اشخاص لديهم نفوذ وسلطه في ليبيا لانه حتما سيدرك قيمة السنيما بالنسبة لنا جميعا وما مدى الوعي والثقافه بصفة عامه الذي تستطيع السنيما تحقيقه .