احتياج الناس للمساعدات الخيرية أصبح ضرورة. ورغم ما يقوم به البعض إلا أنّه لا يغطّي إلا جزء بسيطا من المحتاجين - Huna Libya
أزمات مضاعَفة article comment count is: 0

النشاط الخيري بفزان في رمضان

هناك ارتباط وجدانيٌّ بين الليبيين وشهر رمضان. ويتجاوز هذا الارتباط المفهومَ الدينيّ؛ لأنّه يحمل في طقوسه دلالات اجتماعية على طبيعة الشخصية الليبية، وبعض من سلوكيّات المجتمع، مثل: التكافل والتضامن ومساعدة الآخرين وتقديس المناسبات الدينيّة والاحتفاء بها والاستعداد والتجهيز لها في أحسن صورة ممكنة.

مجموعة من الأطفال جالسين، ويقف أمامهم رجل - النشاط الخيري

غير أن الظروف في ليبيا وخصوصا فزان في الأعوام الأخيرة اختلفت؛ بسبب تغيّرات محليّة على الصعيد الاقتصادي والسياسيّ؛ وبالتالي لها انعكاساتٌ على الوضع الدينيّ والاجتماعيّ من ناحية، والظرف المادّي من ناحية أخرى.

فالكثير من النّاس في فزّان ضاقت بهم السُّبُل، مع غيابٍ شبه كامل لدور الدولة الحقيقيّ، في حلّ المُشكلات، وتقديم الخدمات، أو حتى في وضع تساهيل تخفّف من وطأة الضيق المادي، والذي يرجع إلى هشاشة بنيان الدولة. هذا الضيق يكون مضاعفا للنّازحين والمهجّرين نتيجة الحرب والصراعات.

من بين أمثلة معاناة المهجّرين والنازحين في فزّان؛ أزمة السكن والمكان، والبيئة الجديدة والمتغيرة، والعراقيل الإداريّة. أمّا غلاء الأسعار وسوء الخدمات وضعف البنية التحتية وندرة الوقود وانعدام السيولة؛ فمشاكل يعاني منها أهل فزّان جميعا على حدّ سواء.

وكلّ المحاولات المجتمعيّة لحلّ هذه الأزمات، في حقيقتها تلفيقيّة ومؤقتة، مثلا: غلاء الأسعار وانعدام السيولة، أوجب البحث عن بدائل الصكوك والبطاقات المصرفيّة؛ إلا أنّ عمولاتها وضرائبها غير الثابتة، التي يفرضها التجّار، تهدّد من نفاذ مدّخرات المواطنين بشكل أقرب، وإضرار بالبنية الاقتصادية للمنطقة.

شباب يتفقدون أكياسا بها ملابس وتبرعات - النشاط الخيري

كيف يتأقلم سكّان فزّان؟

الانقسام السياسيّ وزعزعة الاستقرار النسبي، هو جوهر التغيرات المحليّة، بما يحمله من تبعات اقتصادية واضحة؛ إذ أنّ نتيجة هذه الانقسامات والصراعات والحروب، تولّدتْ مشاكل فعلية، تتمثّل في نزوح السكان خارج مناطقهم، وخسارتهم ممتلكاتهم.

هذه الممتلكات التي خسرها النّازحون والمهجّرون جرّاء الحرب والنّزوح، كانت تمثّل عند البعض مصدرا للعيش والرزق، خاصة المزارعين والفلاحين وأصحاب المحلات التجارية والدكاكين.

بصورة أخرى أوسع، إنّ النزاع المسلّح، مع وجود أكثر من سلطة سياسية؛ كان له أثر آخر اقتصاديّ بليغ، يمسّ حاجة السكّان عامة، نتج عنه ارتفاع في الأسعار ونقص السيولة وتوتر في حركة التجارة بين المناطق، ما يعني صعوبة تنقّل المستلزمات الغذائيّة، أو وصولها بتكلفة عالية.

وبالتالي فإنّ أسعارها في السوق ستكون أضعافا مضاعفة مقارنة بسعرها في بقيّة المدن والمناطق الليبية. ورغم وجود ممثّل عن كلا السلطتين السياسيّتين المتصارعتين على ليبيا، في فزان، إلا أنّهما مجتمعتيْن لم تسعيان إلى حلّ أزمات فزان، مع غياب تام لمشاريع التنمية.

مع إضافة مشاكل سوء الإدراة المحلية في الجنوب، وقضايا التبعية الإدارية؛ يتضح لنا أهميّة النشاط الخيري في فزان، وضرورته، وأنّه قد يكون الحل الوحيد للعديدين من سكّان المنطقة.

أشخاص يتفقدون ملابس معروضة - النشاط الخيري

لماذا التضامن والتكافل؟

نظرا لما يحمله شهر رمضان من أهميّة في الوجدان الليبي دينيا واجتماعيا وإنسانيا؛ فنشهد فعاليّات كثيرة من مساعدات ومبادرات خيرية في صورها المختلفة، وخاصة بعد تذبذب الوضع الاقتصادي وتوسع دائرة المعاناة وغياب الدور الوظيفي للدولة.

أصبح لزاما على البعض، أفرادا ومؤسّسات، القيام بعمل إيجابيّ وترفيهي ومساعدة الناس قدر الممكن. خاصة مع مناخ التأثير السائد للشهر الفضيل كشهر لـ(الخير والبركة) وما يليه من تجهيز لقدوم عيد الفطر، واحتفال العائلات والأطفال.

ومن أبرز المؤسّسات الاجتماعيّة التي لها دور خيريّ ريادي في فزان طيلة قرون؛ هي الزوايا الصوفية.

الكثير من النشاط الخيري في شهر رمضان، من مساعدات إلى الأسر النازحة أو التي تمر بوضع اقتصادي صعب جدا، أو الأرامل والأيتام وأهل العوز؛ تقوم هذه الزوايا بمدّ يد العون لهم بالمساهمات المالية أو العينية أو الخدمية، أو القيام بالأعمال الترفيهية للأطفال وتقديم الهدايا كما يحدث في ليلة القدر على سبيل المثال.

أطفال، بالونات، حفل، ترفيه

في المقابل، تقوم بعض مؤسسات المجتمع المدني بالعمل الخيري في إطار عملها المؤسسي، على مستويات مختلفة في الجنوب الليبي.

ونظرا لأهميّة النشاط الخيري والتطوّعي؛ سلطنا الضوء على بعض أعمال جمعية صناع الحياة ويحدثنا أحد أعضائها “علي الشريف” عن أهميّة هذه المبادرات والفعاليات، خاصّة في ظلّ الظروف الراهنة بفزان، يقول:

تكمن أهمية ما نقوم به في خلق الأجواء الإيجابية والتحفيزية داخل المجتمع، إضافة إلى النشاط الخيري بالحملات الرمضانية والتي تشمل: سلّة أغذية ومساعدات للأسر المحتاجة خصوصا في رمضان، وعلى امتداد سبها وزويلة وغات ومرزق”

“إضافة إلى فعاليات رمضانية ثقافية ورياضية مثل: الخيم الثقافية، وهي نشاط شبه سنوي هدفه تحفيز الشباب بشكل إيجابي من خلال المسابقات الثقافية والرياضيّة”

ويحكي لنا الشريف قصّة إحدى الحملات الرمضانية الناجحة للمؤسسة، فيقول:

“في رمضان 2018 قمنا بحملة (نقدروا نساعدوا) الخيرية في مدينة سبها. وهي تقديم مساعدات للمحتاجين والمهاجرين بصفة خاصة، وتحديدا مساعدات طبيّة، والتي يصعب تغطيتها من النظام الصحي المحلي فقمنا حينها بتوفير الأدوية والفحوصات الضرورية للمحتاجين، وكبار السن والمرضى”

ويختم الشريف لقاءه مع «هنا ليبيا»:

“كانت لنا حملات ومبادرات أخرى مثل (اكسوني ثوبا) لجمع الملابس الجديدة والمستعملة وإعادة ترتيبها وتنظيفها وتقديمها للأسر والناس في الأحياء المهمّشة بمدينة سبها مثل حي الطيّوري. ولكنّنا نعترف أنّه بالرغم من جهودنا وجهود غيرنا إلا أنّ الوضع الإنسانيّ لا يزال مأساويّا ولا بدّ للدولة من استقرار وحضور لوقف هذه المعاناة”

مجموعة أيدي توزع صناديق

خاتمة

النشاط الخيري في رمضان بفزان عادة قديمة، ولكن احتياج الناس لها في السنوات الأخيرة أصبح أكثر ضرورة. ورغم ما يقوم به الأفراد والمؤسّسات الاجتماعية والمدنية، إلا أنّها للأسف لا تغطّي إلا جزء بسيطا من المحتاجين، خصوصا وأنّ أغلب الجهات والمبادرات موسميّة، تنتهي بانتهاء الشهر الفضيل.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً