المقارنات بين الأجيال لا تنتهي، وتستمر الأجيال المتعاقبة في خلقها بطرق جديدة، فهل يوجد حقًا جيلٌ بطل؟ - Huna Libya
فخّ المقارنة بين الأجيال article comment count is: 1

آباء وأبناء؛ أي الجيلين البطل؟

البيوت هي الملاذ الذي يجمعنا ويحتضن راحتنا. لكن، ماذا لو تحوّلت إلى مضمار للتنافس والمقارنات بين الآباء والأبناء؟

“بانصياع أبنائنا لما نقول في مرحلة الطفولة نعتقد أنّ الحال سيبقى هكذا لبقيّة السنين”

تشاركنا إحدى الأمّهات تجربتها في اختلاف الأبناء بين الطفولة والشباب، وتكمل: “حينما وصل أبنائي لسنّ الشباب، غابت تلك السلطة بشكلٍ كبير. انطلق كلٌّ منهم يتخذ قراراته ويتجرّع مرّ النتيجة أو لذّتها، وبقت تعليماتي فقط كاستشارات تساعدهم”

تشكّل الظروف التي تتزامن مع شباب الإنسان؛ الزاوية التي ينظر منها، وتصيغ أفكاره، وتبني تطلّعاته. باختلاف الظروف التي عايشها الوالدان سابقًا، فينطلق نوعٌ من المنافسة في المنزل حينما يصل الابن إلى سنّ الشباب، ويبدأ رشق التُّهم: أيّ الجيلين أكثر كفاءة، أحسن صفات، وتفوّق على الجيل الآخر؟

طفلة تفتح ذراعيها لمعانقة والدها

وسام الكفاح: غياب أساسيّات الحياة أو وجودها في ظلّ الحروب؟ 

“في شبابنا كانت الظّروف صعبةً جدًا على كافة الأصعدة، وكانت المصادر شحيحةً بعكس اليوم”

يشاركنا السيّد جبريل (أب، 58 عاما) الظّروف التي واكبها في شبابه، ويكمل “كانت الإمكانيات في أيّامنا بسيطةً جدًا، في المعيشة والدراسة والعمل. كنّا نكافح للحصول على ما يبدو اليوم بديهيًا ومتاحًا. فمثلًا مشوار 10 دقائق بالسيّارة اليوم كان يشكّل عبئًا كبيرًا حينها؛ لم يكن اعتياديًا أن تمتلك سيّارةً أو تجد باصًا أو صديقًا يوصلك”

ينظر الكثير من الآباء إلى أنّ صعوبة عصرهم، كانت تكمن في مشقّة الحصول على أساسيات الحياة، وزيادة الجهد المبذول في سبيل ذلك.

“حتّى الدراسة كانت مشقّاتها مضاعفة، وكان الاعتماد على النّفس هو الأساس، بيد أنّ موجة الدّروس الخصوصية أو التعلّم الإلكتروني لم تكن قد اجتاحت البلاد بعد. مع هذا، كان هناك اهتمام وإقبال على التعلّم المدرسيّ”

يمنح الآباء وسام الكفاح لجيلهم؛ لأنّ ما فقدوه صار متاحًا اليوم بسهولة. وأنّ الأجيال التي تواكب هذا الثراء في المصادر لا تبدي اهتمامًا كافيًا، حيث لم تتجرّع صعوبة أن تكافح للحصول على هذه الأساسيّات.

رجل كبير في السنّ، يجلس على مكتبه، أمام شاشة الكمبيوتر

من منظور الشّباب، بالفعل اختفت هذه التحدّيات التي يتكلّم عنها الآباء، ولكن مكانها لم يبقَ خاليًا، بل استُحدِثت تحدّيات أخرى.

“نتوهّم أننا نعيش حياةً طبيعية، ولكنّ القذائف تلازم سماءنا، وأصوات الرصاص تستمر في خلفيّة أيامنا. جعلت الحرب الحياة الاعتياديّة أكثر ثمنًا، ماديًا ومعنويًا”

تعد الحرب التّحدي الأبرز الذي يعرقل خطوات الجيل الجديد في ليبيا، وتشوّه ملامح الحياة الطبيعية. جاء شبابهم مع وفرة في الموارد وتحسّن في الظروف العامّة، لكنّها تزامنت مع حربٍ تضيّق الخناق.

تقول سجى خالد (21 عاما) “نمتلك مساحة أكبر للعيش، لكنّ الحرب تضيّقها. يُسرق شبابنا منّا في هذه الحروب، وعلى أفضل تقدير، فالأيّام الطبيعية هي التي لا نصحو فيها على أصوات القذائف. مع هذا، لم يتخلَّ جيلنا عن أحلامه، وما زال يسعى ويتعلّم حتّى وهو مهجّر، وشبح الموت يتربّص به”

فهل هذا الجيل “صانع للحلول” أمام ما يواجهه من تحدّيات، أم كسول؟

نقاش بين أب وابنه وقربهما جهاز كمبيوتر

جيل الشاشات: نرجسيّ كسول أو مجتهد متعلم؟

يرى بعض الآباء أنّ هذا الجيل الذي يجلس خلف الشّاشة المسطّحة لساعات؛ نرجسيّ، لا يتحرّك ولا يحمل المسؤولية على عاتقه. على عكس جيلهم الذي كان يلاقي الحياة في ميادين العمل والكدّ، وينظر لها بعينه وليس بأعين الشاشات.

وسّعت التكنولوجيا الفجوة بين الجيلين. جاءت في وقتٍ متأخّر من عمر الآباء، بينما لازمت الأبناء منذ الصّغر حتى صارت من جيناتهم. باختلاف قدرة الجيلين على التعامل مع هذه التقنيات، لا يمكن نفي التأثير السلبيّ الناتج عنها، كما أنّه ليس من المنصف حذف الوجه الإيجابيّ لها.

تشاركنا سجى استثمارها للتكنولوجيا، لاهتمامها بعلم الفلك “وجدت أنّ الفيزياء مقترنة بهذا المجال، لكنّني كنت في القسم الأدبيّ؛ كنت سأندم على ضياع فرصة دراستها لولا وجود الانترنت؛ فشرعت في تعلّمها ذاتيًا”

سابقًا كان البحث عن فرص شاقًا؛ ويتطلب مجهودًا إضافيًا في التنقّل بين المؤسسات. أمّا اليوم، مهّدت الشاشات آفقا غير محدود من الفرص محلّيًا وعالميًا. وهذا ما يضع جيل الشاشة موضع الكسَل والتراخي في أعين الآباء.

تشاركنا أميمة الكمشوشي (كاتبة محتوى، 21 عاما) تجربتها منحتني التكنولوجيا فرصة تحويل الكتابة من مجرّد هواية إلى مصدر دخل؛ وكانت نقطة الانطلاق للحصول على العديد من الفرص التي قرّبتني من العالم الكبير”

مثلما وفّرت التكنولوجيا مميزات وشبكة واسعة من علاقات لا تتأثر بالحدود، يؤول الأمر مع آخرين إلى الإدمان الرقميّ وفقد التواصل الجيّد مع المحيط كالعائلة. وتتحوّل لنقمة يخسر معها وقته وحياته الحقيقية.

مع هذه التغييرات الّتي حفرتها التكنولوجيا في الواقع، ماذا عن اتخاذ القرارات؟

أب يوبّخ ابنه ويعاتبه

القرارات: هل في الإعادة إفادة؟

يفرّق الجيلين، أيضًا عدد السنين والخبرة. يواجه الأبناء اليوم القرارات التي تقودهم إلى مستقبلهم. بينما خاض الآباء هذه المرحلة بكلّ تجاربها وأخطائها؛ وبالتّالي يكونون على ثقة بأنّ توجيهاتهم على صواب، وأنّ قرارات الأبناء تكون خاطئة بنسبة كبيرة بسبب غياب الخبرة الكافية.

أوّل هذه القرارات اختيار التخصص الدراسيّ بعد المرحلة الثانوية، الذي يكون نقطة اصطدام؛ بين رغبة الابن في تخصص ما ورؤية الآباء أنّ المستقبل المضمون في مجال آخر.

تُسلِّط بالفعل -أحيانًا- آراء الآباء أحيانا الضوء على جوانب لم تدركها تجارب الأبناء.

“في المرحلة الثانوية لم أتخيّل سوى أن أكون رائدة فضاء، تحدّثتُ معي أمّي في الموضوع، أوضحتْ لي أنّه ليس بالأمر اليسير هنا، بإمكاني دعمك، لكن ماذا بعد التخرّج؟” تشاركنا سجى تجربتها وتكمل:

“اقترحتْ عليّ اللغات كمجالٍ يمكنني العمل به مع احتفاظي بشغف علوم الفضاء. واليوم، أنا ممتنّة جداً لها. ناسبني المجال واكتشفت أنني شغوفة به، وأنّ نظرتها كانت واقعية وليست سلبيّة”

عادةً يعارض الآباء بدافع الخوف على الأبناء، ورغبتهم في مستقبل أفضل لهم. لكن هل تجارب الآباء تتماشى دائمًا مع شكل الحياة اليوم؟

“عندما اكتشفتُ أنّ شغفي هو التّصوير تلقيت معارضة من والديّ، كان برأيهم أنّه ليس بالمجال المهم، وأنّ بإمكاني إيجاد مجال أفضل، وعلى مستوى أعلى من الأهمّية”

تشاركنا آيات تجربتها مع التّصوير، الّذي يعدّ كغيره من المجالات الّتي زادت أهمّيتها بشكل كبير في هذا العصر، لا سيما في التصوير الدّعائي الذي صار أساسيًا لكلّ المؤسسات.

صارت المجالات المطلوبة سابقًا مُهدّدة بالانقراض اليوم. وبينما كان الجلوس في المنزل للعاطلين، صار العمل من المنزل يدرّ دخلًا وفيرًا.

شاب يجلس في مكتب، يقرأ كتابا

من خارج المضمار

المقارنات موروث ثقافيّ، تعرّض لها الآباء سابقًا مع والديهم، لكنّها أصبحت اليوم أكثر حدّة بسبب الانفتاح الكبير الذي طرأ خلال هذه السنين.

تجعل المقارنات الحوار غير صحّي، وتؤثّر سلبًا على العائلة. وجودها بشكل أساسيّ يحوّل الابن مستقبلًا إلى شخصيّة غير واثقة، ترى من أمامها أفضل منها حظًا وصفات، وترسّخ عنده تردّدا، يمنعه من المضيّ قدمًا واغتنام الفرص”

تشاركنا الأخصائية النّفسية مفيدة القايد حول المقارنات، وتكمل:

“يؤدّي هذا إلى عواقب أخرى، كالكذب وانعزاله عن العائلة. يمكن تجنّب كل هذا بمعادلة بسيطة: حوار جيّد =بيئة صحّية وسليمة، يتفاهم فيها كلا الجيلين بلا مقارنات أو نفور”

المقارنات لا تنتهي، وتستمر الأجيال المتعاقبة في خلقها بطرق جديدة، فهل يوجد حقًا جيلٌ بطل؟

هل وجدت هذه التقرير مفيدا؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)

  1. تحياتي ليكم وربي ينور طريقكم موفقين من أحسن لأحسن هكي نبنوها بلادنا حاجات في المستوى