لم تعد حياة عاطف للأسف، حتى بعد شفائه من كورونا، كما كانت - Huna Libya
معاناة أول الأسر المصابة بكورونا في سبها article comment count is: 1

الوصم الاجتماعي كابوس يؤرق ضحايا كورونا

ضاقت عليا الدنيا وحسّيت إنّي صغير وبلا قيمة” هكذا وصف عاطف شعور الوصم الاجتماعي الذي لحقه بعد تأكد إصابته بفيروس كورونا في سبها أواخر مايو الماضي؛ والتي واجه بعدها وأسرته حالة معقدة من التنمّر واللوم والمقاطعة كنتيجة متوقعة لجهل الناس بالمرض.

عاطف شابّ في 38 من عمره، يعمل موظفاَ في إحدى الدوائر الحكومية، وهو متزوج وأب لخمسة أطفال، يعيش معهم في بيت والده الكبير، كان على موعد مع وباء كورونا الذي كان يسمع أخباره في النشرات وصفحات الانترنت.

شاب، مبتسم، شفاء، علاج، كورونا

يقول عاطف “لم أتخيّل ذات يوم أن يصل المرض لمدينتي وبقيتُ طوال الوقت أرى أنّه شأن عالمي لن يطالنا، شأنه كشأن غيره من كوارث العالم التي سمعنا بها ولم تصلنا”، ويضيف: “كنت أعتبره كمرض السارس وأنفلونزا الخنازير وجنون البقر وغيرها مما امتلأت بأخبارهم النشرات على القنوات الفضائية وغيرها، دون أن تصلنا أو نكتوي بنيرانها

“وبالرغم من هذا الاعتقاد الذي كان سائدا لدينا، إلا أننا التزمنا التدابير الوقائية منذ منتصف مارس الماضي (2020) مع قرار الحكومة بإغلاق المدارس والمساجد والأسواق والمقاهي وغيرها، أذكر حينها أننا بقينا في المنزل لأسبوعين متواصلين، لكن سرعان ما شعرنا بالاطمئنان، حال الجميع وعدنا لسابق حياتنا، نخرج للمحال التجارية والزيارات العائلية كغيرنا”

في 26 من مايو والذي كان يصادف ثاني أيام عيد الفطر توفيت والدة عاطف بعد مرض ألمّ بها لأيّام، ولم يعرف أحد ماهيّة المرض، ودفنت قبل أن تؤخذ منها عينة لمعرفة ما إذا كانت مصابة بفيروس كورونا أم لا، ولكن إشاعة إصابتها بالمرض انتشرت في المدينة، وتعزّزت بعد ظهور نتيجة شقيقتها التي ظهرت عليها أعراض المرض ونقلت لمركز العزل الطبي بالمدينة.

شاب يقف خلف نافذة حجرته مرتديا كمامة وناظرا إلى الخارج - كورونا - الوصم الاجتماعي

يجلس عاطف في طرف الحجرة، مُلقيا نظرة من شرفتها المطلّة على المدينة، ويواصل حديثه “كان يوما صعبا، واجهنا فيه مشاعر مختلفة وبعضها لم نعهده من قبل، تخيّل معي أن والدتي المتوفية تواجه شقيقتها ذات المصير، وأُخذت منّا عينات في هذه الظروف.

كان الجميع حزينا ولكن لا نسمع بكاء أحد، وجدت نفسي اجمع أطفالي وأساعد فرق الرصد حتى تأخذ منهم العينات، وأقنع بعض أفراد العائلة بذلك. لا أدري كيف مرّت تلك اللحظات، وكيف تغلّبتُ على الحزن، أو كيف اختبأتْ مشاعري وتبلدت حينها”

بعينين حزينتين، يتحدث معنا عاطف عن أول يومين بعد تأكد إصابته وأسرته:

“الأسئلة تدور في رأسي ولا أجد لها مجيبا، متى أُصبنا؟ وهل نحن فعلا مصابون؟ هل سيتأزّم وضعنا الصحي؟ هل عانت أمّي ذات المرض دون أن نعلم؟ هل الأجهزة دقيقة في نتائجها؟ لماذا لم نشعر بشيء للآن؟ كيف سنعيش الفترة المقبلة؟ متى ينتهي عذاب الوصم الاجتماعي، وهل سنعيش؟”

يتابع عاطف: كنت أخشى على والدي وبقية أخوتي، ولم أحتمل كل تلك الأسئلة والخواطر، كانت معاناتي تزداد بأسئلة أطفالي؛ بابا وين جدتي؟ بابا ليش ما تطلع من البيت ونمشو؟ بابا نبوا نمشوا لبيت عمي؛ بابا ليش ما يجينا حد؟ بابا نبي نبوسك … الخ.

رجل وامرأة يرتديان كمامات، ويجلسان قرب بعضهما، وعليهما علامات القلق - الوصم الاجتماعي

“تحايلتُ على إلحاح أطفالي، قائلا إنّ الطبيب أوضح أن فايروس كورونا ربما لايزال في البيت، ولم نعرف مكانه بعد، قد يكون تحت الدرج أو فوق السطح؛ لذا علينا الالتزام بالحجر في المنزل. خطتي لم تنجح، ولكن الأطفال أدركوا أني عاجز عن إجابتهم بما قد يشفي فضولهم”.

لعل تلك التساؤلات وذلك الموقف الصعب الذي وجد عاطف نفسه فيه لم يكن كافيا، فقد لحق الإعلان عن إصابته وأسرته بالوباء موجة من الوصم الاجتماعي. يقول:

“لم أتوقّع ذلك الكم من الإشاعات والأخبار الكاذبة عنا، ولم أتخيّل أننا أصبحنا في نظر الكثيرين أسرة موبوءة يجب الابتعاد عنها، فوجئت بدورية شرطة عند مدخل شارعنا تمنع الدخول والخروج منه”

“كان أقرباؤنا أشد تضرّرا منا فيما يخص معاملة الناس، علمتُ أن جيرانهم قاطعوهم ولم يتواصلوا معهم بتاتا، في الوقت الذي كان مدّ جيراننا يد العون، ووقفوا معنا وأرسلوا لنا المواد الغذائية والمنظفات، أما بقية المجتمع فكان يضعنا تحت مجهر الوصم الاجتماعي ويلعب دوره الصعب والقاسي، لعلّ ذلك لأننا من أول الأسُر المصابة في المدينة”

شاب يضع يديه على وجهه، وحوله أناس يشيرون بأصابعهم نحوه - الوصم الاجتماعي

“تحوّلت مرحلة المرض بتأثير الوصم الاجتماعي إلى أوقات عصيبة، لم نكن لنخرج بطبيعة الحال، وكنا نواجه صعوبة في جلب احتياجاتنا اليومية، ومشاكل في التخلص من القمامة بشكل لا يضر أحدا فضلا عن الحر وانقطاع الكهرباء”

“داخل المنزل، نحن مضطرّون للبقاء مفصولين عن بعضنا البعض، كما كان علينا رد الزائرين من الأقارب غير المقتنعين بوجود المرض، وكذلك الرد على اتصالات الأطباء والأقارب والفضوليّين، كل ذلك كنا نعايشه في خضم مرحلة مؤلمة من الحزن على والدتنا التي فقدناها”

ما واجهه عاطف تسبّب في أزمة نفسية له ولأسرته، يقول الطبيب النفسي وعضو هيئة التدريس بكلية الطب بجامعة سبها نضال شعبان:

“إن التنمّر وكذلك الوصم الاجتماعي الذي تعرّض له عاطف وأسرته كان بشكل مكثف وغير مسبوق بالنسبة لهم، خاصة وهم يعتقدون أنهم تعاملوا بإيجابية مع المرض، فالتزموا بالحجر واتبعوا تعليمات الفرق الطبية، وتوقعوا أن ينظر المجتمع بشكل إيجابي لدورهم، ولكنهم جابهوا حملة تتهمهم بالتسيّب، وتعايرهم بالمرض الذي يعتبر في نظر المجتمع عارا ومجلبة للموت

شاب يرتدي كمامة، واقفا على شرفة حجرته، يقرأ كتابا

ويضيف شعبان: إنّ ما حدث كان نتيجة طبيعية لجهل الناس بماهيّة المرض، وفشل المؤسّسات الصحية في توضيح فكرته بشكل مبسّط وواضح، فبقي سكّان المدينة بين من همّ في دائرة انطباعات مسبقة ناتجة عن مواد علمية مشوهة وبعضها مبتور، أو من وصلته مواد علمية دقيقة جاءت بلغة يصعب عليهم استيعابها، فيما اختار بعضهم الإنكار.

يؤكد شعبان أن عاطفا وأسرته بحاجة لفترة من الدعم والتضامن النفسي بعد شفائهم من المرض، هم بحاجة لاستعادة ثقتهم بأنفسهم وبناء علاقات جديدة مع محيطهم، وأيضا هم بحاجة لتعزيز العلاقات التي اهتزّت فيما بينهم أو مع غيرهم، وهذا يتطلّب وقتا وجهدا ليس بالهيّن.

في سبها وحدها، أكثر من 530 حالة إصابة مؤكدة (حتى يوليو 2020) أيّ أكثر من 27٪ من إجمالي الإصابات المؤكّدة في ليبيا كلّها، بحسب بيان المركز الوطني لمكافحة الأمراض فرع سبها.

والذي يوضح مديره عبد الحميد الفاخري، بأن الوضع الوبائي قد يتفاقم أكثر في حال استمرّ عدم اكتراث الناس بالالتزام بالتدابير الوقائية، وهو ينعكس بشكل أو بآخر على مدى التزام الأسر المصابة بالحجر المنزلي.

شاب واقف على شرفة حجرته مرتديا كمامة

في 27 من يونيو ظهرت نتائج التحليل الثاني لعاطف وأسرته، والتي أظهرت تعافيهم من المرض، أخذ عاطف النتيجة ونظر لها، في حالة صمت لدقائق، قبل أن يقول: الحمد لله وإن شاء الله الناس يهنّونا ويفكونا من كلامهم. كان انتهاء ذاك الكابوس الذي أرهقهم عدّة أسابيع، عاشوا خلالها الخوف والقلق والتنمّر والمصير المجهول – أكبر هواجسهم.

بعد أيام من تأكيد شفاء عاطف وأسرته، لم تعد حياتهم كما كانت، فقد صار الكثيرون من سكان الحي يتهربون من السلام عليه، وبعضهم يتعمّد تغيير وِجهته إن صادفه مارّا بالشارع.

يقول عاطف: لم أستطع أن أعيش حياتي كما في السابق، أشعر بالكثير من الإحراج عندما ألتقي أحدهم صدفة، وأخشى أن أبادره بالسلام فيخذلني أو يُحرج مني فيسلّم على مضض، كما أخشى أن أتجاهله فيغضب أو يعتقد أنّى عاديته.

تستمر حيرة عاطف وصراعه وأسرته مع الوصم الاجتماعي الذي يبدو أنه قد يلازمهم لفترة طويلة، حتى بعد تعافيه من المرض، فهو لم يتمكّن من العودة لحياته الطبيعية بعد، وهذا ليس غريبا على من يحاسب المرضى وأصحاب الاحتياجات الخاصّة ويضعهم في خانات التهمة أو الشفقة.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)

  1. هذا يدل علي الجهل وارضاء الناس غاية لا تدرك اليوم هو مصاب غدا الدور عليهم ونحن لا نملك مع الله شيئا ربي ارفع عنا البلاء وارزقنا اتباعه وارنا فيهم بأسآ