تحاول الإناث في ليبيا رغم عمق التحديات وكثرتها الوصول إلى ما يطمحن بعزيمة وإصرار - Huna Libya
نساء خارج منظومة المهن المحددة article comment count is: 18

ليبيات يقتحمن عالم الفضاء

ليبيات يقتحمن عالم الفضاء، عنوانٌ قد يبدو غير واقعيّ، إلا أنّ ثمّة من جعلنه واقعيا وحقيقيا.

في مجتمع ترتبط فيه بعض التخصّصات الدراسية في منظومته الاجتماعية ببعض المِهن المحدّدة مسبقا والثابتة، بغض النظر عن الخيارات التي يتيحها التخصّص، وأيضا يلعب جنس الباحث عن التخصّص، شابا أم فتاة، دورا كبـيرا في تحديد مجال العمل الذي سيتوجه له الخرّيج بعد إنهاء دراسته.

القبة الفلكية طرابلس
القبّة الفلكيّة – طرابلس / تصوير: باسل بديوي – هنا ليبيا.

“لأنّي نقرأ في قسم الفيزياء ديما نسمع في تعليقات زي: آخرك بتطلعي أبلة، وإلا: إياه شن بتحضّري الذرّة، كأنه تخصص الفيزياء مربوط بالتدريس وكل بنت تخشه لازم تطلع أبلة” قالت منيرة إدريس – طالبة بكليّة العلوم قسم الفيزياء.

لا زالت بعض الأسر الليبية تعتبر بعض التخصّصات الدراسية حِكرا على الذكور وتمنع أو تستهجن الإناث من ارتيادها، بحجّة العيب واللامنطقي بالنسبة لهم، وعندما نتحدّث عن علم وعالم الفضاء؛ فنحن نتحدّث عن علم يصنّف اجتماعيا بالزائد عن الحاجة وغير المطلوب للذكور، فما بالك بالإناث الطامحات بالخوض في هذا المجال؟

في هذا التقرير قابلنا شابات يطمحن بأن يكنّ يوما أسماء في هذا المجال، ويحاولن بشدّة خلق قناعة لدى المجتمع بأن الأمر ممكن ويستحق.

امرأة، مكتب، عالم الفضاء
ياسمين الشكماك – طالبة بكليّة الهندسة المعمارية، مصراتة / تصوير: هارون الأجنف – هنا ليبيا.

ياسمين الشكماك: محاولة تبحث عن النور

ياسمين طالبة بكلية الهندسة المعمارية بجامعة مصراتة، قرّرت أن تجعل مشروع تخرّجها تصميم مركبة فضائية متحوّلة. أخبرتنا ياسمين عن مشروعها:

“الفضاء وما يتعلّق به هو شغفي منذ الطفولة، ورغبتُ في ربط نجاحي الجامعي به وبلدي ليبيا، فكرة المركبة مقتبسة عن منطقة جبال ليبيا التي توجد على سطح كوكب المريخ والتي تعتبر من أفضل مواقع المسح على الكوكب، وفكرة مركبتي هي خلق بيئة متكاملة على المريخ ومنها انطلقت”.

تكمل ياسمين في وصف رحلة العمل التي خاضتها:

“لم يكن التطبيق بذات السلاسة التي أتت بها الفكرة، قلّة الدارسين الليبيين بهذا المجال وانعدام المراجع بالمكتبات جعلت عملية البحث صعبة، ولكن التحدّي الحقيقي كان في إقناع من هم حولي بفكرتي، خصوصا البيئة الجامعية الطاردة للشغف”

“طيلة فترة عملي على المشروع كنت أستمع إلى أقوال مثل: “نحنا بنينا ليبيا بيش نمشوا للفضاء!”وتطال قائمة الإحباطات التي واجهتها حتى من بعض أعضاء هيئة التدريس، لقد كانت تجربة مملوءة بالتحديات، ما زلت أذكر تمنّيات فشلي حتى أعيد العام الدراسي كاملا.”

واختتمت ياسمين في وصف نجاح مشروعها:

“بعد أشهر من العمل تمكّنتُ من إنجاز مركبتي الفضائية التي تمثّل حلما يراود البشرية لخلق سبل عيش على كوكب آخر، لقد كسرتُ حاجز النمطيّة لطلاب قسمي وللفتيات الحالمات بالمستحيل على وصف المجتمع، أسرتي والقلّة التي دعمتني، وطموحي، كانت سلاحي للنجاح”

فتاة مبتسمة، نساء يقتحمن عالم الفضاء
منيرة إدريس – عضو بجمعيّة “رؤية” لهُواة الفلك – هنا ليبيا.

منيرة إدريس: بين الشغف وأحكام المجتمع

منيرة طالبة بكلية العلوم قسم الفيزياء وأحد أعضاء جمعيّة رؤية لهواة الفلك. أخبرتنا منيرة عن شغفها وحبها الشديد لمجال الفلك وعالم الفضاء؛ الأمر الذي دفعها للتنازل عن كلية الطب في مقابل الالتحاق به. تقول:

“يمثّل الفلك وما يحتويه من تفاصيل وأسرار كنزا أنقّب عنه دوما، لقد عزّز والدي هذا الجانب لديّ وعمل على تنميته منذ طفولتي، وحين تخرجت من الثانوية بمعدّل عالٍ لم يجبرني على الانخراط بكليّة الطب وترك الخيار لي، اتجهت لكلية العلوم بحثا عن تخصص يجعلني أقرب لشغفي ووجدت في الفيزياء ضالّتي.”

وتكمل منيرة في سرد تجربتها كطالبة بقسم الفيزياء:

“تتمحور النظرة الاجتماعية لطالبات كلية العلوم، على أنهّن يتجهن لمجال اللجوء للخيار الآمن؛ كون ليبيا لا تملك مؤسسات بحثيّة أو أي مجال لاستثمار هذه الخبرات غير التعليم، وهو ما جعلنا كطالبات نتجه للنمطيّة ونترك الأحلام والطموح على بوابة الجامعة منذ اليوم الأول.”

واختتمت منيرة حديثها وهي تشعّ أملا في مستقبل يحمل التغيير:

“على الرغم من أنني لست طالبة مجتهدة ولا أحقق معدّلات متفوقة، إلا أنني أستغل كل دقيقة من وقت المحاضرين وكل من بإمكانه توسيع مداركي لأحصل على المعلومة”

جمعيّة رؤية منحتني براحًا أوسع لنقل الشغف بالفلك و عالم الفضاء للأجيال القادمة من خلال المحاضرات التوعوية التي قمنا بتقديمها لطلاب المدارس، وجعلهم يدركون أن العالم يتجاوز الأرض التي نعيشها وأننا قادرون على صنع بصمتنا في هذا المجال إناثا وذكورا على حد سواء”

فتاة، مخيم الفضاء، ناسا، أمريكا، ليبيا، إيمان الرفادي، عالم الفضاء
إيمان الرفادي أثناء حضورها برنامج “مخيّم الفضاء” بأمريكا – هنا ليبيا.

إيمان الرفادي: العائلة الداعم الأول والأهم

إيمان هي إحدى الطلبات اللاتي جرى ابتعاثهن عام 2019 من قبل السفارة الأمريكية بليبيا ضمن برنامج مخيّم الفضاء. حدثتنا إيمان عن بداية اهتمامها بالمجال:

“لقد ولدتُ في أسرة تدعم التعلّم لكل أفرادها على حد سواء، وساهمت نشأتي في بريطانيا على جعل بيئتي التعليمية غنيّة، لقد أظهرتُ اهتمامي بالفلك وعالم الفضاء وأنا بعمر السابعة من خلال حصص العلوم ومن حديث معلّمتي، حتى أنني كنت أطلب ساعات إضافية وأنهال على المعلمة بالأسئلة حتى أتوسّع أكثر، لم أشعر مرّة بالاكتفاء“.

وتكمل إيمان في وصف تجربتها في مخيّم الفضاء بأمريكا ودعم أسرتها لها:

“عندما أتت فرصة مخيّم الفضاء وجدت أسرتي جميعها تدعم الفكرة، وتشجعني على التقديم؛ السفر لمسافة طويلة فقط من أجل خوض التجربة كان تحديا، لقد كانت نقلة عظيمة بالنسبة إليّ أدركتُ عندها فعلا كم أحتاج لأصل إلى حلمي يوما ما، وجدتُ نفسي بين طلبة وخبراء ومختصين واكتشفت كم ينقصنا في ليبيا“.

واختتمت إيمان الحديث بدعم الشغوفات بالمجال:

“منذ عودتي إلى ليبيا وأنا أواجه انتقادات عدّة حول اهتمامي بعلوم الفضاء سواء من بعض أفراد العائلة أو من زملائي، الجميع يعتبر ما أفعله مضيعة للوقت وأن الفتاة وجب أن تكون اهتماماتها مختلفة، ولكنني لا أبالي، لقد زرع فيّ والدي أهمية الدفاع عن الطموح وهو ما أفعله.”

ناسا، عطية الحصادي، عالم الفضاء
أ. عطية الحصادي – عضو هيأة التدريس بقسم الفيزياء، جامعة عمر المختار (صورة أرشيفية)

عطيّة الحصادي: علم الفضاء بين الماضي والحاضر

عطيّة هو أحد أعضاء هيئة التدريس بقسم الفيزياء بجامعة عمر المختار. وهو أيضا عضو مجلس إدارة جمعيّة رؤية لهواة الفلك، حدّثنا عطية عن تاريخ علم الفضاء في ليبيا:

“دراسة علم الفضاء والفلك في ليبيا لها تاريخ يمتد من الحضارة الرومانية والإغريقية، وكانت جامعة قاريونس بمدينة بنغازي تحمل داخل أروقتها قسما كاملا للفلك والفضاء إضافة إلى القبّة السماويّة، ولكنّه أغلق بين عامي 86-87

“أيضا من المعالم الجميلة التي كانت تساهم في التعريف بالفضاء والمجرّة، القبّة السماوية بمدينة طرابلس، لقد عايشت ليبيا هذا العلم وهو ليس بغريب عن أهلها.”

وأضاف عطيّة في وصف التحديات التي تواجه الطالبات اللواتي يشرف عليهن:

“تطبع الصورة الاعتيادية على تخصّص الفيزياء باعتباره تخصصا لا سوق عمل بعده إلا مجال التدريس، وهو ما يجعل مئات الفتيات يقصدنه سنويا دون رغبة أو شغف فقط طوعا للأعراف الاجتماعية وبالتالي نجد أن أعداد الإناث تزيد عن الذكور داخل القسم، علاوة على نقص التطبيق المعملي لما يدرسه الطلاب وعدم توفّر المواد اللازمة لجعل التخصّص يتجاوز ما هو مكتوب على ورق.”

واختتم عطيّة حديثه عن أهميّة دعم المهتمّين بهذا المجال:

“كطالب قسم فيزياء سابق، ومعيد داخله حاليا، أحلم أن أرى يوما معامل القسم تمتلئ بالمواد التعليمية التي افتقدتها طيلة فترة دراستي، الفضاء علم مبني على التجربة والبرهان ولا وجود له دونهما، نملك طاقات شابة تطمح لأن تصنع أثرها في هذا المجال ومن المؤسف أن نرى طموحها يتلاشى تحت وطأة انعدام الإمكانيات.”

خاتمة

تحاول الإناث في ليبيا رغم عمق التحديات وكثرتها الوصول إلى ما يطمحن بعزيمة وإصرار، عالم الفضاء ـ ربما هو الحلم البعيد المنال في وقت من الأوقات.

ولكن للتغيير فاتورة باهظة الثمن وجب أن يتحمّل تكلفتها البعض نيابة عن البقيّة، هنا في ليبيا تدفع الطموحات الثمن غاليا في كل محاولة، ومع النجاح تصبح الطريق الوعرة أقل انحدارا، ويكملن على أمل أن يصبح الطريق يوما معبّدا.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (18)

  1. ممتنة جداً لهذا المقال المذهل ، لم أكن اعلم ان هنالك مثل هؤلاء النماذج من الشخصيات الصاعدة و الطموحة .
    أنا ايضاً من شغوفي علوم الفضاء و أتعرض كثيراً للسخرية و لكن مثل تلك الكلمات لا تؤثر طالما الدافع الذي بداخلنا أقوى بكثير من تحديات المجتمع .
    جداً فخورة بكل المذكورين في المقال و أمثالهم المخفيين 💜

  2. الناس تخاف من كل ما هو جديد ولذى تجد هذا الانزعاج منهم عندما تدخل الإناث هذا المجال و كذلك الشباب

  3. نبى حد يفسرلى كيف وكاله ناسا صورت مجره درب تبانه كلها وهما داخلها يعنى صورتها سيلفى جماعى ولا كيف

  4. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ربما مازلنا نعاني من النظرة السلبية للفتاة في ليبيا ، ومايعانيه الشباب الطموح في الجامعات شئ مؤسف من عدم تشجيع معنوي ومادي ، لكن بالشغف والطموح و الإصرار والعزيمة سوف ينتصر الشباب اتمني ان لاتفقدو الامل والله خير موفق.

  5. كنت ولازالت ارغب في هذا العلم لكن اين الداعم واين العلم في هذا المجال الناس البسيطه لاتصل لان في من يسحب الفرص منهم ولله الحمد في كل امر

  6. هل الارض مركز الكون ماحولها يدور حولها او انها تدور بشكل يهيء لنا ذالك وما تسمي هذه الحركة العجيبة التي تجعل وكأن الرض مركز الكون وماهي شكلية الكون

  7. موضوع رائع ومهم يحتاج تسليط الضوء عليه أحسنت رواسي أعرفك أنت أيضاً من الطموحات الاتي يبحثن عن ماهو مميز ونافع ودائماً تسعين لأن تكون كتابتك لها مضمون جيد يستسيغه القاريء بالتوفيق عزيزتي

  8. تخصص دراستي في هندسة الطيران والفضاء ” المركبات الفضائية ” عالم ممتع ولكن اضم صوتي لكم ولهم ان في ليبيا لا احد يلتفت لنا ويدعمنا دائما نواجه احباطات اتمنى التوفيق لي ولكم ونستطيع في يوم من الايام أن نثبت جدارتنا

  9. لطالما كان لدي شغف بالفضاء وكل مايتعلق به

    اسأل الله الثبات لكم والاستمرارية والنجاح 💛

  10. اني اسمي اية مواليد 2006 … كرست حياتي كلهاا عشان نتعلم عن الفلك وتوا نتحدى اي حد يسألني سؤال الا ونجاوبه .. درت مدونه بس مافيش حد دعمني !! .. واني مؤمنه بقدراتي وفي يوم ح نشرف بلادي …. ياريت اي حد يرد ولو بنقطه عشان نعرف لو في حد قرا كلامي .. شكراً ❤️❤️