الرحلة لزيارة المدينة القديمة تجمع الحنين للتاريخ، والهوية التي نبحث عنها في زواياها - Huna Libya
لماذا نزور المدينة القديمة؟ article comment count is: 2

المدينة القديمة طرابلس؛ الوجهة والواجهة

لماذا تسافر؟ لماذا يختار شخص ما أن يترك بيته الذي يألفه ويستيقظ في مكان لا يعرفه، بين غرباء يرطنون بلسان لا يفهمه؟

تتعدّد الأسباب، لكنّ تجربة السفر كسائح، كزائر لما تجهل، وبحثًا عن الدهشة هي تجربة نفسية في المقام الأول، تجربة لا تعرّفها، ولا تحدّها الجغرافيا؛ إذ أن مواطن الدهشة تلك، قد تكون قريبة قرب معالم حياتك اليومية.

قوس ماركوس، المدينة القديمة – طرابلس

المدينة القديمة في طرابلس “أطرابلس” هي أحد تلك المعالم التي تُشَدّ إليها الرحال، يتساوى في ذلك أولئك القاطنون على بعد كيلومترات من أبوابها، والبعيدون عنها آلاف الكيلومترات.

طرابلس القديمة التي لاتزال أصداء القصص تتردّد في بيوتها وأزقتها، شهدت تقلّب التاريخ، وحفظت آثاره الباقية في معمارها وأخبار سكانها.

نسافر للمدينة القديمة بحثًا عن هُوية نرجو ألا تضيع وسط كل هذه العولمة، ونسافر لنزور طرابلس أخرى تصنعها الصور في المخيّلة، لا الأحجار، لكنّنا أحيانا لا نجدها؛ نجد طرابلس الحديثة التي نحاول الفرار منها، نجدها بدولارها وضجيجها وعشوائيتها.

لكن السفر ليس وجهة بل رحلة، والرحلة لإعادة المدينة القديمة لمركزها التراثيّ في طرابلس، يخوضها عديدون، منهم المهندس صلاح حودانة، باحث في تاريخها وتراثها، ومنسق لجولات سياحية عديدة داخلها.

برج السّاعة ، حومة البلديّة، بالقرب من سوق المشير – المدينة القديمة طرابلس

تختلف أسباب الزوّار” يقول م. صلاح بعضهم يدفعه الفضول والآخر يدفعه الاهتمام بتاريخ المكان، والبعض يزورها فقط لقضاء وقت ممتع في مجموعة من أصدقائه، لكن، كلّ من يأتي لزيارة المدينة يجد شيئا يثير اهتمامه بنهاية الرحلة.”

ويقسم م.صلاح جولاتِه عادة بترتيب معين، “تأخذ الرحلات نسق ترتيب تصميم المدن” وتكون على النسق التالي:

  • قصر الحاكم السراي الحمراء ثم الجند ونقاط الأمن أي الأسوار، وللمدينة 5 أسوار تعطيها شكلها الخماسي الأضلاع.
  • الأبراج والأبواب وللمدينة أبواب عديدة: باب بحر وباب هوّارة وباب الحرية وباب زناتة وباب الجديد.
  • دور العبادة ومنها جامع الناقة وجامع درغوث وجامع قرجي وجامع شائب العين وجامع أحمد باشا، وكنيسة السيدة مريم.
  • الأسواق بكل تخصّصاتها المقيمة والوافدة، ومنها سوق الترك وسوق الرباع وسوق اللفة وسوق الصياغة.
  • الفنادق المخصّصة للإقامة والتخزين، ومنها فندق زميت (فندق الضفايري) وفندق القرقني (فندق بن زكري).
  • المباني الإدارية والخدمية مثل مقر بلدية طرابلس والقنصليات الفرنسية والإنجليزية، والحمامات مثل الحمام الصغير وحمام النسي.
  • بيوت السكان أي الحومات والحارات.

هذا الترتيب هو المناسب لزيارة أيّ مدينة، وسرد تاريخها بشكل مناسب” يضيف م. صلاح موضّحا أنه دائمًا ما يختم جولاته بإضافة السهل المحيط بالمدينة، والواجهة البحرية لها.

المدخل الداخلي لدار حسن الفقيه حسن، زنقة الفرنسيس - المدينة القديمة طرابلس
المدخل الداخلي لدار حسن الفقيه حسن، زنقة الفرنسيس – المدينة القديمة طرابلس

ومعالم المدينة لا تقتصر على المعالم التاريخية فقط، بل على القيمة الثقافية للكثير من دورها وبيوتها، التي تعدّ إما مزارًا ثقافيًا في حد ذاتها، أو تحتضن بشكل مستمر العديد من المعارض والأنشطة الثقافية.

وخلال زيارتك يمكنك أن تستخدم هذه القائمة، التي أعدّها م. صلاح؛ لأهم المعالم الثقافية، مرفقة بعناوينها:

  • السراي الحمراء: المتحف الأثري الصغير فقط، إذ أن المتحف الوطني لا يستقبل الزوار حاليًا (تقسيم البلدية)
  • دار الفقيه حسن للفنون/القنصلية الفرنسية سابقاً: زنقة الفرنسيس (تقسيم باب بحر)
  • دار عبد الخالق نويجي للثقافة/سراي أحمد باشا الكبير/القنصلية الإنجليزية سابقاً: شارع الأكواش (تقسيم الحارة الصغيرة)
  • حوش القره مانللي/حوش الحريم: شارع جامع الدروج (تقسيم البلدية)
  • دار أحمد النائب للوثائق/دار السروسي سابقًا: شارع الحارة الكبيرة/شارع جميل القاضي (تقسيم الحارة الكبيرة)
  • دار عبد الله كريسته: شارع أبو ريانة (تقسيم الحارة الصغيرة)
  • دار إسكندر للفنون: زنقة الفرنسيس (تقسيم باب بحر)
  • البيت الموريسكي: شارع قوس الصرارعي (تقسيم البلدية).

إحدى أزقّة المدينة القديمة طرابلس

الكثير من هذه المعالم تعرّضت إما للإهمال أو التخريب المتعمّد، نتيجة غزو محلات العملة واستبدالها للكثير من محلات الحرفيين.

وأيضا، نتيجة لإهمال البيوت من قبل سكانها، ولحملات هدامة كثيرة مرّت على المدينة أدّت إلى استيطان البيوت وتغيّر ملكيتها، وأخيرًا، الاعتداءات التي طالت المساجد والأضرحة بداخلها.

“الحارة الكبيرة مثلًا دُمّرت للنصف، والحارة الصغيرة دُمّرت أجزاء منها، والكثير من المعالم الأخرى تعرّضت للأذى بشكل أو بآخر. كما شُيّدت مبانٍ عصرية دخيلة مرتفعة تحجب ما سواها. والسبب غياب القانون، وفساد إداري أسهم في فرض حالة هجينة داخل المدينة.” يستطرد صلاح.

وبرأيه، فإن المشكلة الأكبر التي تواجه أيّ زائر للمدينة القديمة لا تتمثل في الخراب والإهمال، بل في ندرة المصادر الصحيحة للمعلومات عند الزيارة؛ فمعظم القاطنين هم؛ إمّا من السكان الجدد للمدينة؛ أو أنهم غير عارفين بتاريخها.

وحتى في وجود الأدلّة ومُنسّقي الرحلات؛ تظلّ المعلوماتُ مُتضاربة وغير ثابتة لاختلاف المصادر وعدم أهليّتها أحيانًا.

م. صلاح حودانة. الباحث التاريخي، والمهتمّ بالتراث الطرابلسي

ولذلك، وفي محاولة منه لحل هذه المشكلة، بدأ م. صلاح تشكيل فريق خاصّ بتدريب الأدلّة على تنسيق الرحلات، ومحاولة توحيد مصادر المعلومات بينهم وتنظيمها، ولديه الآن مجموعة من المتدرّبين يشرف على إعدادهم.

وبالرغم من كلّ الصعوبات التي تواجه العمل الآن، إلا أنه يقول إن التفاؤل هو الشعور الطاغي رغم سوء الحال: وأحد مصادره هو إيماني بقدرة جهاز المدينة القديمة بتشكيله الحالي، على صنع الكثير من التغييرات الإيجابية، والتي ستزيد من قيمة المكان.”

وهو تفاؤل مشروع، لأنك لو زرت صفحات الجهاز على وسائل التواصل الاجتماعي، أو أماكن عمله في المدينة القديمة؛ فستطالعك صور مشاريع الصيانة والترميم لأجزاء عدة من المدينة. جهود تنتشل المكان من ركام الإهمال المتواصل الذي تعرّض له طيلة سنوات.

الكثير من المشاريع الآن هي في مراحلها الأخيرة” تقول لي المهندسة هادية قانة، واحدة من أكثر الأسماء نشاطًا وإنجازًا في إثراء المشهد الثقافي الليبي، فبالإضافة إلى عملها المستمر في بيت علي قانة، فهي عضو في جهاز إدارة المدينة القديمة.

مكتبة كامل المقهور، بدار حسن الفقيه حسن - المدينة القديمة طرابلس
مكتبة كامل المقهور، بدار حسن الفقيه حسن – المدينة القديمة طرابلس

وتكمل هادية: “من هذه المشاريع ميدان برج الكرمة في باب الحرية، شارع سيدي الهدار، ومخازننا في منطقة سيدي الهدار، كذلك صالة المناسبات في شارع السبانيول، و شارع درغوث باشا.”

“كل هذه المشاريع تمّت في ظروف صعبة جدًا؛ غياب الميزانية، الحرب، الوباء، وغيرها من القيود غير المرئية، مثل: المشاكل الإدارية الداخلية للجهاز وقلة إمكانياته.”

‎لكن هذه المشاريع “حرّكت العجلة” كما تقول م. هادية، وتضيف:

كذلك أكسبتنا ثقة محلة المدينة القديمة، والجهات الأمنية، والسكان المهتمّين، ومكّنتنا من الحصول على ميزانية لبدء مشاريع أخرى، منها: مراجعة البنية التحتية، وترصيف 6 مسارات (زناقي) في المدينة القديمة، تلي ذلك قائمة من أكثر من 20 مشروعا بأحجام مختلفة، تبدأ من صيانة وترميم مبان عديدة، وحتى إعادة بناء مناطق مهدومة، وغيرها من المشاريع التي نحاول فيها الموازنة بين المحافظة والتنمية، الكلمتان المفتاحيّتان في تصوّرنا لعملنا في المدينة القديمة

“تجمع الفريق رؤية واحدة تهدف إلى أن تكون المدينة القديمة نموذجا يُقتدى به، نموذجا في التعايش بين احترام القديم والمحافظة عليه، والحياة الحديثة، ونموذجا في التنمية البيئية، مع مشروع إعادة الغطاء النباتي وربط المدينة بالبحر، ومشروع القمامة. المأمول هو أن نعطي للمدينة إمكانيات الظهور، وحياة كريمة لسكانها.”

المدينة القديمة

وفي الوقت الذي يشكّل فيه عمل م. هادية سببًا آخر لزيارة المدينة القديمة، ومحاولة أخرى لإجابة سؤال عمّا تحبّ أن تزوره فيها، كانت هذه إجابتها الشخصية:

“بالنسبة لي، أماكني المفضّلة هي الأسطح، الواجهة الخامسة للمدينة، والبيوت المنسية. لكن عموما، المدينة كلها حلوة بتفاصيلها الجيّدة والسيئة…لأنها تحفز التفكير

الرحلة إذاً هي أهم من الوجهة، والرحلة لزيارة المدينة القديمة الآن، تشبه زيارة عنقاء تبعث من رمادها، وهو ما يعطي الزيارة بعدًا آخر، إذ يجمع الحنين للتاريخ والهُوية التي نبحث عنها في زواياها، بالأمل، الذي صار هُويّتنا الأولى، والعملة التي نقايض بها الزمن عن أيامنا القادمة.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (2)

  1. شغل كبير وعمل رائع وجبار ومسيرة حافلة ب الانجازات الجميلة والمتمكنة تمنياتي لك بلتوفيق مع فائق الاحترام

  2. لقد قرات المنشور بعبق الماضي الذي يفوح من تلك الازقة الضيقة والاحياء المتداخلة التي ياما لعبنا فيها وضحكنا وتركنا بصامتنا عليها … كل الشكر لمن يرمم حجرا او يصلح جذارا بمدينة طرابلس القديمة ويبعث فيها روح الحياة من جديد !