فرج المخزوم
من الهجرة إلى العمل المدني article comment count is: 3

النزوح ليس سوى البداية: تحولات فرج المخزوم

بعمر الثامنة عشر عشتُ تجربة النزوح؛ عشتُ في مدرسةٍ حوالي شهرٍ قبل أن نجد منزلاً نستأجره. أنا لا أعتبر نفسي من المحظوظين الذين لم يعيشوا طويلاً في المخيمات أو المدارس، ولكنّ حياة النزوح والتشرّد كانت واحدةً بالنسبة لي، خصوصاً عندما تترك مدينتك أو منزلك فجأة؛ لتعيش في مكان جديد لا تعرفه، على أمل العودة قريباً.

فرج المخزوم (31 عاماً)، من الشباب الذين عاشوا تجربة النزوح من تاورغاء أيضا، بيد أنّ فرج قد تمّ اعتقاله وسجنه في خضم نزوحه قرابة شهرين؛ ليتعرض لضرب وتعذيب مبرحيّن خلالهما، قبل أن يخرج بريئاَ دون وجود تهمة تدينه.

سيجد فرج نفسه مضطراً للعيش في مخيم للنازحين بمدينة طرابلس صحبة  أسرته، الأمر الذي جعله يفكر مليّا في الهجرة خارج ليبيا.

مخيم الفلاح للنازحين
مخيم النازحين بالفلاح من أعلى
  • التعرف على الحياة من جديد:

الفلاح 1، مخيمٌ نزوح يضمُّ حوالي 275 أسرة مكونةً من 1200 شخصٍ تقريبا، منذ نزوحهم من مدينتهم حسب إحصائية المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عام 2020. يقع هذا المخيم داخل العاصمة طرابلس، يقبع أفراده بين جدران وأسقفٍ هشّة.

يمكن تحسس كآبة المكان ظاهرة على الوجوه، من تراكم لأكوام القمامة المتحللة، مجاري الصرف الصحي غير الصحية في السنوات الأولى، تزيد المأساة في فصل الشتاء بالبرد الذي يدخل كل غرفة.

“جئت للمخيم في مارس 2012، كان الأمر صادماً لي، فأنا لم أعتد حياة المخيمات، والوضع كان مأساة حقيقية، لقد كانت القمامة كثيرة ومنتشرة في أرجائه، والمنازل لم تكن صحيّة بل كانت سكناَ مؤقتا للعمّال”، يقول فرج عن تجربة تعرفه على حياة المخيمات، كان المكان شبيهاً بسجنٍ جماعي حيث يوجد مجموعة مسلّحة لحراسة المكان تقيّد حركة الناس.

الحياة في مخيم الفلاح
مشهد عام للحياة في مخيم الفلاح

كان فرج وغيره، يشعرون بالضيق والعجز أمام الهجمات المتكررة من قبل مجموعات مسلّحة أخرى، مما سبب ضغوطات نفسية للنازحين، خاصة لدى الشباب ممّا جعل بعضهم يميل إلى الانحراف وانهيار نفسياتهم، على حدِّ تعبير فرج.

” لقد وصلت للحضيض وفكرت في الهجرة، سافرت إلى تركيا منتصف 2012، غير أنّ والدي اتصل بي بعد شهرٍ مخبراً إياي بأنه ذاهب للحج، وأنّ علي البقاء مع أهلي ريثما يعود”، يقول فرج عن تراجع تفكيره بالهجرة تدريجياً.

يُظهر استبيان قام به موقع هنا ليبيا في العام 2018 عن رغبة الشباب الليبي في الهجرة، أنّ 71% من الشباب المشاركين في الاستبيان، يرغبون في الهجرة، كما أجاب 79% أنّ سبب رغبتهم في الهجرة هو الوضع المعيشي، و66% لانعدام الاستقرار الأمني في البلاد. كما يشير تقرير غير منشور لمنظمة شباب من أجل تاورغاء عام 2015، أنه قد بلغ عدد الشباب المهاجر لأوروبا من تاورغاء 155 تقريباً؛ وذلك بسبب أوضاع النزوح عامي 2012 و2013.

داخل مخيم الفلاح
فرج المخزوم في جولة داخل المخيم
  • حذر من أيادي المجهولين الممدودة:

كانت تترد على المخيم بعض المنظمات الدولية والمحلية بالتنسيق مع المجلس المحلّي تاورغاء؛ لتقديم المساعدات الإنسانية، كالأغطية الشتوية، صناديق الغذاء وبعض الحقائب المدرسية للأطفال؛ إذ توجد مدرسة داخل المخيم تضمّ حوالي 500 تلميذ.

في بادئ الأمر كان هناك عداء خفي لتواجد هذه المنظمات من قبل أهالي المخيم؛ نظراً لعادات وتقاليد التاورغيّين، لم يكونوا معتادين على رؤية منظمات إنسانية قبل نزوحهم، كم لم يعتادوا على وجود غرباء يتعاملون مع نسائهم وأطفالهم. البعض كان يتهم هذه المنظمات بالعمالة والجوسسة.

قام فرج بتكوين مجموعة شبابية تحت اسم “تجمع شباب النخلة”، بدأوا بحملات نظافة داخل المخيم وتوعية الناس بعدم رمي القمامة عشوائيا، وضرورة المحافظة على نظافة المكان حفاظاً علي سلامة الأطفال والعائلات.

بدعم من المجلس المحلي تاورغاء، استطاع تجمع شباب النخلة التواصل مع المنظمات الدولية لتيسير عملها مع عائلات المخيم وتنظيمها، وقيادة أنشطة الدعم النفسي للأطفال والنساء داخل المخيم.

داخل مقر منظمة تمكين
فرج داخل مقر منظمة تمكين
  • تمكين البؤس إلى حياة:

شارك فرج في عدّة برامج وورش عمل لغرض تطوير نفسه أولاَ، وبعدها أسسّ منظمة تمكين للتنمية الشبابية مطلع عام 2013، تتكون تمكين من 15 عضواً، قامت المنظمة بورش عمل تتعلق بأساسيات المناظرة، كتابة المشاريع، مهارات فض النزاع وتدريبات الاستجابة السريعة في الأزمات الإنسانية.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المنظمة تقوم بحملات توعوية مثل مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، الكشف المبكر لسرطان الثدي؛ بالإضافة للتوعية ضد مخاطر التدخين والمخدرات وفايروس نقص المناعة المكتسبة.

” الدافع الذي يحركني هو عامل المبادرة والمسؤولية الاجتماعية، كنت أسأل أصدقائي دائماً لماذا لا نكون نحن التغيير والحلّ لأزمتنا؟ لماذا تعلّمنا إن لم يستفد مجتمعنا من جهدنا؟”، يقول فرج عن ما دفعه للتهرب من الهجرة إلى حضن العمل المجتمعي، كانت هذه المسؤولية التي جعلته يسعى للتغيير، “لأننا لسنا من اخترنا النزوح أو العيش في مخيم، بل هو واقع فُرض علينا ولكن لا يجب أن نستسلم له”، يضيف فرج.

المخزوم وعيادة مخيم النزوح
فرج المخزوم (يمين الصورة) وأحد أعضاء منظمة تمكين
  • مهارة حل المشاكل والاستجابة السريعة:

في البدء، كان إقبال الشباب على أنشطة منظمة تمكين ضعيفاً؛ “بسبب غياب الحافز، والشعور بالإحباط عند البعض كان مازال مسيطراً، لذلك كان العزوف واضحاً” يقول فرج، لذلك قرر وأعضاء المنظمة بالتحضير لمهرجان سنوي.

جائزة تاورغاء للإبداع، ابتدعها أعضاء المنظمة لتحفيز الشباب على مشاركة إبداعاتهم ونشاطاتهم وعرضها، ومن ثم تكريمهم حتى يستمروا في تحسين عملهم. كانت الجائزة وسيلة لاستخراج المواهب وتحفيزها وحثّها على المشاركة المدنية.

لا يزال فرج وأصدقائه يسعون للتغيير في مجتمعهم، فبعد اتفاق العودة لتاورغاء الذي تم توقيعه في مطلع عام 2018، أصبح العديد من أبناء تاورغاء قادرين على الذهاب والعودة لمدينتهم؛ مما جعل أفراد تمكين يهبون لحملات النظافة داخلها تمهيداً لعودة الأهالي.

يسعى فرج وأفراد المنظمة لإقامة مهرجانهم السنوي “جائزة تاورغاء للإبداع” داخل مدينتهم، ولكنّ دمار البنية التحتية، دمار المنازل، غياب الخدمات الأساسية وسبل العيش، كان عائقاً أمام الكثيرين للعودة والاستقرار في المدينة.

خلال فترة جائحة كورونا تطوع أعضاء منظمة تمكين؛ لتقديم الخدمات وتلبية الاحتياجات للعائلات داخل المخيم، حفاظاَ على سلامة العائلات والتزامهم بالحجر الصحي وحظر التجوال.

النزوح في مخيم الفلاح
صورة أخرى للحياة داخل مخيم الفلاج
  • رسالة فرج في حب الحياة:

عانى فرج وغيره من التاورغيين من الوصم والتمييز نتيجة النزوح، أدرك الليبيون مؤخراً فقط أنّ هذا الحال فرضه الواقع المرير على أهل تاورغاء، كان للإعلام دور كبير في تنميط أشياء كثيرة عن المجتمع التاورغي، لم يظهر الإعلام إلا الجانب المظلم للحياة في المخيمات، حسبما يقول فرج.

“ولكن أخيراً أصبح كل فرد يستعد للعودة لمنزله متى ما تسمح الفرصة، وأتمنى من الحكومة بأن تسرع في عملية البناء، إعادة تهيئة البنية التحتية والخدمات الأساسية بالمدينة لتذليل العوائق والصعاب أمام المواطن التاورغي للعودة لمنزله“، يقول فرج الذي يطمح بإقامة مساحة عمل للشباب داخل تاورغاء، ليستطيعوا إبراز إبداعاتهم والعمل على مواهبهم وإنشاء علاقات عمل صحية كغيرهم من الشباب الليبي.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (3)

  1. الدفاع عن الهوية الوطنية ودسترة فك الارتباط ووقف التجنيس والتوطين حق مقدس قد يدفع ثمنه ابرياء احيانا ليسوا طرفا في مشروع طمس الهوية الوطنية وعدم دسترة فك الارتباط والتجنيس لمن هب ودب

  2. :نشكر الاخ فرج على جهده المبدول ف اجراء هدا التقرير ومنورها ياحاج وان شاء الله خير